مـقـالات وآراء

الحكومة العراقية والفرصة الأخيرة للإصلاح وإبعاد شبح التقسيم

 

د. حسين أحمد السرحان

مركز الدراسات الاستراتيجية/جامعة كربلاء

آب/2015

شهد العراق منذ أواخر تموز وبداية شهر آب/2015 رفضا واسع النطاق للسياسات الحكومية في مختلف المجالات بدلالة المطالب التي رفعت خلال المظاهرات

التي عمّت محافظات الوسط والجنوب على مدى الأربعة أسابيع الماضية. ولو لم تكن المحافظات الغربية ساحة لقتال تنظيم "الدولة الإسلامية" الإرهابي أو ما يسمى اختصارا بـ"داعش" لكانت هي الأخرى تشهد مظاهرات مماثلة، على اعتبار أن ما تشهده هذه المحافظات ليس أفضل حالا من نظيراتها. وتدرجت بوضوح المطالب خلال الأسابيع الماضية، فبعد أن بدأت بالمطالبة بتوفير الطاقة الكهربائية في أسبوعها الأول بفعل الارتفاع غير المسبوق لدرجات الحرارة، تطورت لتصل إلى المطالبة بتوفير الخدمات والتصدي للفساد المالي والإداري - الذي أخذ نمطا مؤسساتياً خلال السنوات بعد عام 2003 - وضرورة الإصلاح الحكومي باستبدال أعضاء الحكومة الحاليين ومسؤولي مؤسسات الدولة الأخرى بآخرين من ذوي الاختصاص والكفاءة والنزاهة والشجاعة وبعيدا عن المحاصصة الحزبية، ثم تطورت إلى المطالبة بالإصلاح القضائي بوصفه السلطة التي تمتلك القول الفصل في التصدي للفاسدين لتقوم بدورها في هذا المجال، ثم آلت المطالبات إلى إلغاء مجالس المحافظات كما حصل في محافظة الديوانية، إذ أُجبر رئيس المجلس على تقديم استقالته إلى مجلس النواب وامتدت مثل هذه المطالب إلى باقي المحافظات. وإزاء تلك المطالب لم تكن الإصلاحات ملبية لمطالب المرجعية والمتظاهرين، إذ لم يجر إبعاد التشكيلة الحكومية الحالية عن المحاصصة الحزبية، كما أن إلغاء بعض الوزارات ودمجها بالبعض الآخر لم يشمل جميع الوزارات المتقاربة مثل الزراعة والموارد المائية والتجارة والصناعة والزراعة، والسبب في ذلك هو أن هذه الوزارات من حصة أحزاب لا يتمكن السيد رئيس مجلس الوزراء الوقوف بالضد من مصالحها في الوقت الحاضر على الأقل، وإنما اقتصرت إجراءات الإلغاء والدمج على وزارات مثل: وزارة البيئة، والتي هي من حصة التحالف المدني الديمقراطي الذي وضع التصرف بها بيد رئيس الحكومة في بيان له عقب انطلاق التظاهرات؛ وكذلك وزارة العلوم التكنولوجيا التي يتزعمها وزير من المكون المسيحي، وهو أحد النواب المسيحيين الخمس في البرلمان العراقي عن قائمة الوركاء الديمقراطية، وهذه الكتلة لاتملك ما تملكه القوائم والكتل الأخرى من مقومات القوة والمجابهة؛ ووزارة حقوق الإنسان وهي من حصة المكون التركماني؛ وإلغاء وزارات الدولة التي لسيت لديها تخصيصات مالية مستقلة وليس لها هيكل إداري بل تعتمد على تنسيب موظفين من الأمانة العامة لمجلس الوزراء.

مجمل الحديث، العراق يسير نحو منحدر خطر، إذ تعصف به الأزمات الأمنية والاقتصادية نتيجة انخفاض أسعار النفط، وسوء الخدمات، ولا يوجد وقت كاف لتعطيل الإصلاحات أو التسويف بتطبيقها على أرض الواقع، ولاسيما أن ساحات التظاهر قد شهدت تعرضا للمتظاهرين بأساليب عنيفة في محافظات البصرة وبابل وقد تمتد إلى محافظات أخرى، وهذا الأسلوب للتعامل مع المتظاهرين – في حال استمراره وانتشاره – سيقود حتما إلى زعزعة الأمن والاستقرار في وسط وجنوب العراق في الوقت الذي  تسيطر فيه جماعة "داعش" الإرهابية على مساحات شاسعة من مناطق العراق الغربية والشمالية الغربية وما زالت تشكل جبهة مستعرة في الوقت الحاضر.

 

الفرصة الأخيرة للإصلاح:

ربما تكون الأسابيع القليلة القادمة هي الفرصة الأخيرة للحكومة العراقية، لذا تتطلب الظروف اعتماد منهج (الإصلاح بمبادرة من النظام)، أي أن تبادر النخب السياسية إلى إجراء الإصلاحات الحقيقية وتبتعد عن التسويف وأن تدرك ضرورات المرحلة وقصر المدة الزمنية، أو أن يعترف من يتربع على قمة النظام السياسي (السيد رئيس مجلس الوزراء) في العراق بأن النظام ضعيف وهو غير قادر على التصدي "للأحزاب السياسية" المشاركة في إدارة السلطة في العراق وأن يقف إلى جانب الشارع العراقي وإرادة الجماهير والمرجعية الدينية التي أشارت في خطبة الجمعة 21/آب/ 2015 بـ"أن النصر سيتحقق في معركة الإصلاح" وأعطتها أهمية مساوية لأهمية القتال ضد تنظيم "داعش" الإرهابي في جبهات القتال، وأن يسعى إلى التفاعل المشترك مع المتظاهرين الذين قد يشكلون معارضة حقيقية في قادم الأيام عبر اعتماد منهج (الإصلاح عبر حل وسط)، وبدون هاتين الخطوتين فإن الإصلاح سيتم - عاجلاً أم آجلا - عبر استبدال النظام السياسي القائم في البلاد، وستقود جماعات التغيير حملة الإصلاح بعد أن يَسقط النظام أو يُسقط، وسيُعتمد حينها منهج (الإصلاح عبر استبدال النظام)؛ لأن المرجعية أدامت زخم معركة الإصلاح.

ومن المتوقع - بعد إدراك الجماهير العراقية والمرجعية الدينية بأن إجراءات الإصلاح ضعيفة ولا ترتقي إلى مستوى الحلول الجذرية لمعالجة الواقع المتأزم - أن يرتفع سقف المطالب إلى إسقاط الحكومة وحل البرلمان والدعوة إلى مرحلة انتقالية جديدة لتشكيل نظام سياسي جديد عبر انتخابات جديدة، إذ لا توجد هناك فرصة أو فرص أخرى ليعول عليها السيد رئيس مجلس الوزراء لأجل الإصلاح، وليس هناك متسع من الوقت أمامه من أجل الانطلاق في إجراءاته الإصلاحية لبناء العراق على أسس صحيحة تسمح ببناء الشرعية السياسية لنظام الحكم وتحقق مستلزمات العدالة الاجتماعية.

الفرصة الأخيرة لإبعاد شبح التقسيم:

إن الظروف التي مرت وتمر بها البلاد على الأصعدة السياسية والأمنية والاقتصادية بالغة الصعوبة، وهي مشخصة أسباباً ومعالجات، وجاءت نتيجة تراكمات سنوات مضت من سوء استخدام السلطة وسوء الإدارة والفساد والمحاصصة الحزبية وأسباب أخرى، ما دعا الكثير من المختصين إلى الإشارة إلى أن الحكومة الحالية ربما تكون الحكومة الأخيرة لعراق موحد. لذا فالشعب العراقي أدرك خطورة ما آلت إليه الأوضاع في البلاد، كما وجدت المرجعية الدينية في صحوة الجماهير هذه فرصة للتأكيد على دعوتها بمعالجة الفساد وإنهاء المحاصصة والإتيان بأشخاص أكفاء مخلصين، وتجاوز المشاكل والسلبيات الناتجة عن السنوات عقب عام 2003 وأهمها انعدام العدالة الاجتماعية والطائفية والمصالح الضيقة، وتحقيق هدف القضاء على الطائفية التي مزقت البلاد وأضاعت هويته، مما يتطلب إجراء إصلاحات شاملة بإبعاد إدارة الدولة عن المحاصصة الطائفية والحزبية، للنأي بالبلاد عن مؤشرات التقسيم وفقدان وحدة البلاد، وشخصت المرجعية الدينية ذلك في معرض إجابتها على أسئلة وكالة فرانس برس يوم 20/آب/2015، إذ أكدت: "إذا لم يتم الإصلاح الحقيقي من خلال مكافحة الفساد بلا هوادة وتحقيق العدالة الاجتماعية على مختلف الأصعدة، فإنه من المتوقع أن تسوء الأوضاع أكثر من ذي قبل، وربما تنجرّ إلى ما لايتمناه أي عراقي محب لوطنه من التقسيم ونحوه لا قدر الله، وهنا تكمن الأهمية القصوى للدعوة إلى الإسراع في الإصلاح...".