في ذكرى تأسيس الجيش العراقي : تاريخ ودور وانتصار

بالرغم من كل الصعوبات إلا ان الجيش العراقي تمكن من اثبات وجوده وبرهن بأنه يعود وينهض من جديد بعد الانكسار ليكون ضمانة حماية وحدة وسيادة العراق.

مقال بقلم:

سعد محمد حسن الكندي / قسم الدراسات الدولية

علي مراد العبادي / قسم ادارة الازمات

مركز الدراسات الاستراتيجية/ جامعة كربلاء

كانون الثاني-يناير 2017

التأسيس

في السادس من كانون الثاني / 1921 تشكلت اولى لَبنات الجيش العراقي عبر تشكيل اول فوج هو فوج موسى الكاظم. الفوج الذي تألف من ضباط عراقيين سابقين كانوا يعملون في الجيش العثماني في ثكنة الخيالة في الكاظمية بإدارة ملكية ، بعد ما أمتلئت ثكنة الخيالة اختير خان الكابولي في الكاظمية مقر لها ومن ثم نقل مقر الفوج الى مدينة الحلة التي اصبحت مقرا للفوج وبعد ذلك تم تشكيل فوجا آخر في بغداد وهكذا تطور الجيش شيئاً فشيئاً ومر بمراحل عصيبة وانتصارات رائعة ومواجهات وانقلابات ، لذلك سنركز على امرين هو الدور السياسي للجيش العراقي منذ التأسيس حتى عام 2003 ومن ثم على مرحلة ما بعد 2003 وصولاً ليومنا هذا.

الدور السياسي

مر الجيش العراقي بمراحل ومحطات مختلفة وعلى مختلف الازمنة لكن الشيء الملفت هو كثرة الانقلابات التي قام بها ، او زجه في الامور السياسية او الحروب المختلفة. كان اول انقلاب جرى عام 1936 والمعروف بانقلاب بكر صدقي (29 / تشرين الاول 1936) وهو اول انقلاب شارك فيه جزء من الجيش العراقي بقيادة الفريق بكر صدقي ليكون اول انقلاب عسكري في الشرق الاوسط . وفي يوم 29 / تشرين الاول /1936 بدأت القطاعات العسكرية بالتحرك الى بعقوبة ومنها الى بغداد، وقامت الطائرات بإلقاء آلاف المناشير على العاصمة بغداد خاطب فيها بكر صدقي الشعب العراقي ومطالبا وزارة ياسين الهاشمي بالاستقالة ومدعيا ان صبر القوات المسلحة العراقية قد نفذ تجاه الحكومة. في نفس الوقت بعث بكر صدقي برسالة الى حكمت سليمان والذي كان وزيرا للداخلية آنذاك ومنه الى الملك غازي يبلغه فيها بضرورة استقالة الحكومة والا فأن الجيش قادم الى بغداد وسوف ينفذ هذه المهمة بقوة السلاح. فوافق الملك غازي على اقالة ياسين الهاشمي وتعيين حكمت سليمان بدلا عنه وعين بكر صدقي رئيسا لأركان الجيش العراقي .

في 14 تموز 1958 حصل انقلاب آخر وهي الحركة التي اطاحت بالنظام الملكي العراقي وأدت الى مقتل الملك فيصل الثاني واعلان قيام الجمهورية العراقية وانتهاء حقبة الحكم الملكي. اذ قامت قطعات من الجيش العراقي بقيادة عبد الكريم قاسم وبمساندة من زملائه اعضاء تنظيم الضباط الاحرار وتمكنوا من السيطرة على القيادة العامة للجيش ودار الاذاعة ومجمع بدالة الهاتف المركزي ومحاصرة قصر الرحاب ، وتم قتل الملك فيصل والوصي عبد الاله والعائلة المالكة ومن ثم القاء البيان الاول حول قيام الثورة .

في 8 شباط/ 1963 نفذت قطاعات من الجيش العراقي انقلابا أطاح بحكم عبد الكريم قاسم بقيادة عبد السلام عارف واحمد حسن البكر. وفي يوم الجمعة 8 شباط اغارت طائرات من السربين السادس والسابع على وزارة الدفاع العراقية مُحدثةً اضرار كبيرة في مبنى الوزارة . وحاصرت الدبابات وقوات المشاة مبنى الوزارة فيما غادر عبد الكريم قاسم مبنى الوزارة وبعدها استسلم قاسم لقادة الانقلاب الذين اصدروا بيان عاجل بتشكيل محكمة خاصة أصدرت حكم الاعدام بحقه.

الانقلاب الرابع كان يوم 17 / تموز / 1968م . جرى فيه إسقاط حكم عبد الرحمن عارف واجبر رئيس الجمهورية على مغادرة البلاد ولم يتم اراقة دماء حسب الاتفاق بين طرفي الانقلاب وهما : كتلة احمد حسن البكر وكتلة القصر الجمهوري (ابراهيم الداوود) آمر الحرس الجمهوري ( وعبد الرزاق النايف ) معاون مدير الاستخبارات العسكرية .

الحروب التي شارك فيها الجيش العراقي

خاض الجيش العراقي حروبا عدة وهي :

اولا : حرب 1941 التي خاضها الجيش العراقي ضد المملكة البريطانية المتحدة , بعد مخالفة المملكة لمعاهدة عام 1930وذلك بإنزال القوات البريطانية في العراق بدون موافقة الحكومة العراقية ، وكبد الجيش العراقي القوات البريطانية خسائر كبيرة ولكن بعد وصول تعزيزات من فلسطين والاردن استطاع الجيش البريطاني دخول بغداد .

ثانيا : حرب 1948م والتي شارك فيها الجيش العراقي في فلسطين الى جانب الجيش المصري والأردني ضد الجيش الاسرائيلي . واستمر القتال حتى مارس 1949 وكان للجيش العراقي دور ملحوظ في الحرب فيما انتهت الحرب بهزيمة الجيوش العربية .

ثالثا: ماسميت بحرب اكتوبر ضد اسرائيل في تشرين الاول 1973 وكان للجيش العراقي دورا هاما على الرغم من ان جمهورية العراق لم تكن على اطلاع بموعد الحرب وعن اية خطط عسكرية لكنها قامت بالتعاون العسكري مع دول الطوق العربي في الجبهة المصرية. وارسل العراق سربين من الطائرات (السرب التاسع والعشرين والسرب السادس). وفي الجبهة السورية أمرت القيادة العراقية الجيش بالاستعداد للتحرك الى جانب الجولان وكانت نسبة المشاركة العراقية بالحرب هي الاكبر من حيث العدد والعدة .

رابعا : حرب الخليج الاولى ( الحرب العراقية - الايرانية ) ايلول 1980- آب 1988. وعُدت من اطول الحروب التقليدية في القرن العشرين ادت الى مقتل ما يقارب مليون شخص وخسائر مالية تقدر بحوالي 19 ترليون دولار امريكي . وانتهت الحرب بقبول الطرفين بقرار مجلس الامن القاضي بوقف اطلاق النار .

خامسا : حرب 1990(غزو الكويت).في 2/ آب 1990 تقدمت فرق الحرس الجمهوري باتجاه الكويت وتوغلت الدبابات والمدرعات العراقية الى العمق الكويتي وقامت بالسيطرة على المراكز الرئيسة في شتى انحاء البلاد ومن ضمنها العاصمة. واعلنت الحكومة العراقية بأن الكويت جزء من العراق واعتبرتها المحافظة رقم (19) ليتم بعدها تدخل الولايات المتحدة الامريكي عبر تحالف عالمي ضم قرابة 34 دولة واجبروا الجيش العارقي على الانسحاب فيما راح ضحية هذا الغزو الالاف من ابناء الجيش العراق. كما رافق الانسحاب اندلاع بالانتفاضة الشعبانية والتي تمكن المنتفضين فيها من السيطرة على مدن عدة قبل ان تتمكن وحدات الحرس الجمهوري من اخمادها وأدت الى اعتقال وقتل الالاف .

مرحلة ما بعد 2003

بعد ان تمت السيطرة الكاملة على الجيش بمختلف صنوفه وبعد ان زُج بخلافات سياسية تخدم مصالح السلطة والقائمين عليها وبعد كل الصعوبات التي رافقت الجيش طيلة الاربعين عاماً تحت حكم صدام حسين ، فقد وصل الجيش العراقي لحالة من الانهيار وهذا ما حصل في الحرب الاخيرة التي شنتها الولايات المتحدة وحلفائها معها على العراق فيما لم يصمد الجيش كثيراً باستثناء بعض الوحدات العسكرية في بعض المناطق الجنوبية. وبعد قرابة العشرين يوماً تمكن الجيش الامريكي من التوغل حتى العاصمة بغداد معلناً اسقاط نظام صدام وتعيين حاكم مدني على العراق وهو السفير بول بريمر . والغريب في الامر هو اولى القرارات التي اتخذها كانت حل الجيش العراقي والأجهزة الساندة له والبدء بتشكيل جيش جديد فكانت صدمة ومشكلة لدى الكثيرون وهم ينظرون للتاريخ العريق لهذا الجيش ، فيما تم تسريح مئات الالاف من المراتب والجنود مما ولد مشكلة كبيرة لدى الاوساط العسكرية وحتى الشعبية .

رافق تشكيل الجيش الجديد مشاكل جمة كان على رأسها صعوبة تكيف الضباط القدامى مع السياقات والوضع الجديد، وعزل المنتمين لحزب البعث في عهد صدام حسين، وتغيير التسليح والتجهيز واهم ما في الامر هو تغيير الهدف والرؤية. كذلك فأن الجيش الجديد كان جيشاً طوعياً لا اجبارياً ، ومن ضمن تلك الصعوبات هو التدخل السياسي في عمل الجيش، وشموله – كما في مؤسسات الدولة - بالمحاصصة الطائفية والتدخل الحزبي والمحسوبية والمنسوبية وايضاً الفساد الاداري والمالي في تعيين قادة الفرق او التلاعب بأرزاق الجنود او تهريب اسلحة او ما يسمى بظاهرة الفضائيين .

ونظراً للظروف الامنية القاسية وحداثة التشكيل الجديد فقد تم تسليم ملف امن المدن للجيش وهذه اصعب مهمة لان دور الجيش هو حماية حدود الوطن ومقاتلة عدو وجيش نظامي. اما حفظ امن المدن فيكون من مسؤولية قوات الامن الداخلية كالشرطة المحلية او الاجهزة الاستخبارية . لذلك واجه الجيش صعوبات وهو يخوض معارك ليست من اختصاصه وحرب مدن وقتال شوارع وتدخل سياسي في عمله واختيار بعض قياداته وفق محاصصة مناصب .

بالرغم من كل تلك الصعوبات إلا ان الجيش العراقي تمكن من اثبات وجوده وبرهن بأنه يعود وينهض بعد الانكسار وما الاحداث الاخيرة إلا دليلاً واضحاً على ذلك فتجربة الجيش مع تنظيم داعش لم تأتى من فراغ فحالة الانكسار والهزيمة والانسحاب من الموصل ومدن عدة كانت نتيجة لأخطاء متراكمة من فساد وسوء ادارة المؤسسة عسكرية، فضلاً عن اخطاء حكومية رافقت مسيرة الجيش لا سيما في نكسة الموصل منها ضعف التدريب وقلة التسليح وضبابية التعامل واحتواء ابناء المناطق السنية .

بالرغم من كل تلك الاخطاء فقد تمكن الجيش العراق من العودة مجدداً، كما تمكن من اعادة هيكلة صفوفه بالتعاون مع الحشد الشعبي وأبناء العشائر لخوض معارك عديدة مع تنظيم داعش. تم فيها تحرير اغلب المناطق التي احتلها التنظيم ولم يتبق الا الشيء القليل حيث من المؤمل استكمال تحرير مدينة الموصل اولى المدن التي خضعت لسيطرة التنظيم قريبا.

هذا الانجاز العسكري لم يأت من فراغ، وإنما نتيجة لتضحيات كبيرة قدمها الجيش في ضباطه ومراتبه، فضلا عن الاصلاحات المهمة التي قام بها السيد حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي الحالي شملت تغييرات على مستوى عالي لعدد من القادة والضباط، وكشفه العديد من حالات الفساد أبرزها ما يعرف بظاهرة الفضائيين وبعض حالات الفساد الاخرى. مع كل انجازات الجيش العراقي، فانه لازال ينتظره دوراً اكبرسيلعبه فبعد ان تتم عملية تحرير المدن سيعود الجيش لثكناته ويمارس التدريب والاستعداد لكل ما يهدد وحدة وسلامة البلد وحفظ امن وحدود العراق في ظل بيئة اقليمية سلبية لا يمكن ردعها الا بقوة الجيش العراقي.

مقالات ذات صلة