جدلية السيادة على جزيرتي تيران وصنافير، مصرية أم سعودية ؟

م. د. ياسر عامر المختار

باحث في قسم الدراسات الدولية/ مركز الدراسات الاستراتيجية/جامعة كربلاء

كانون الثاني/ 2017

تعد نزاعات السيادة على الأقاليم الأرضية من أخطر النزاعات في القانون الدولي العام. ولعلنا لا نجاوز الحقيقة إذا قلنا إن نزاعات السيادة على الجزر هي أخطرها تهديداً للسلم والأمن الدوليين؛ لأن الجزر غالباً ما تشكل محاوراً للتماس بين الدول، على نحو يجعلها محلاً للنزاع بينها. وتعد استراتيجية الجزر أول الاستراتيجيات التي توجهت إليها الدول الاستعمارية منذ زمن نابليون، وباتت الجزر محط أطماع هذه الدول، وأضحت بؤراً للنزاعات والتوتر في العلاقات الدولية. ويرجع ذلك الى الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية للجزر.

من الناحية الاستراتيجية تُستخدم الجزر كمراكز للسيطرة والتحكم في المرور البحري، لاسيما المضايق البحرية، أما من الناحية الاقتصادية فإقليم الجزيرة في ذاته يشكل جزءاً من إقليم الدولة التي تمارس سيادتها ونشاطها عليه، من حيث الزراعة والصناعة واستخراج البترول والمعادن التي غالباً ما تتضمن هذه الجزر كميات كبيرة من الثروات بسبب تكوينها الجيولوجي، فضلا عن امكانية استخدام أقاليم الجزر كمطارات ونقاط ترانزيت وتمويل للطائرات العابرة للقارات.

ويعد موضوع النظام القانوني للجزر من أكثر المواضيع التي تتسم بالتعقيد والغموض في القانون الدولي العام؛ لأن الأخير لم يعرف الجزر بصورة واضحة، ولصعوبة تحديد تبعيتها الى الدول أيضاً، ولاختلاف موقعها الجغرافي وطبيعة تكوينها، واختلاف بعدها عن سواحل تلك الدول. وتعرف اتفاقية قانون البحار لعام 1982 في المادة 121 فقرة 1 الجزيرة بأنها: (عبارة عن مساحة من الأرض مكونه تكويناً طبيعياً ومحاطة بالماء التي تبقى فوقه في حالة أعلى المد).

وقد أشارت اتفاقية قانون البحار إلى سيادة الدول على الجزر بثلاث حالات، وهي: أما ان تكون الجزيرة داخل بحرها الإقليمي الذي يمتد 12 ميلا بحريا من ساحلها، أو أن تكون دولة قد باشرت على الجزيرة سيادة هادئة ومتصلة بغض النظر عن بعدها من ساحل تلك الدولة، أو حسب الوحدة الطبيعية للجزيرة (الطبيعة الجيولوجية) مع ساحل الدولة.

وموضوع النزاع في الوقت الراهن، هو حول توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية على جزيرتي تيران وصنافير، اللتين تقعان على رأس خليج العقبة في البحر الأحمر. إذ وقعت الاتفاقية في 9 نيسان 2016 بين مصر والمملكة العربية السعودية، والتي أقرت أن الجزيرتين تابعتين للأخيرة. وقد أثار هذا الموضوع خلاف كبير على المستوى الداخلي المصري، وعلى المستوى الإقليمي أيضاً حول تبعية الجزيرتين، هل هما لمصر أم للسعودية؟

في البداية يجب النظر إلى الطبيعة الجغرافية للجزيرتين من حيث قربهما للساحل المصري او الساحل السعودي، إذ نجد إن جزيرة تيران -وهي أهم من جزيرة صنافير بحكم موقعها وكبر مساحتها التي تقدر بـ 80 ك م2 -تبعد عن السواحل المصرية بـ 6 كم، بينما تبعد عن الساحل السعودي بـحوالي 7,5 كم. أما جزيرة صنافير التي تبلغ مساحتها 30 ك م2، تبعد عن الساحل المصري بـ 8 كم، وعن الساحل السعودي بحوالي 5 كم، أي إن الجزيرتين تقعان داخل البحر الإقليمي للبلدين. وبسبب أن السعودية في السابق كانت تمارس سيادتها على الجزيرتين بشكل هادئ ومتصل، يعطيها الحق في أن يكون لها السيادة عليهما، وذلك استناداً لقرار محكمة العدل الدولية في قضية جزر منكييه وأكرهوز عام 1953، التي قضت بحق السيادة لبريطانيا بالرغم من أنها تقع داخل البحر الإقليمي الفرنسي (لأن بريطانيا مارست السيادة المتصلة والهادئة على تلك الجزر). ويُذكر أن السعودية سلمت الجزيرتين لمصر بموجب اتفاقية هدنة رودس عام 1950 لغرض إدارتهما وحمايتهما من إسرائيل، والتي لم تتطرق لترسيم الحدود بين البلدين، وأكدت السعودية أكثر من مرة للأمم المتحدة بأن الجزيرتين تابعتين لها، وإنها لم تتنازل عنهما لمصر.

أن أساس الخلاف حول السيادة على جزيرتي تيران وصنافير تكمن في الأهمية الاستراتيجية لهما؛ إذ تتركز أهمية جزيرة تيران في تحكمها بمضيق تيران لكونها تطل عليه، إلى جانب منطقة شرم الشيخ في السواحل الشرقية لسيناء، ورأس حميد في السواحل الغربية لتبوك في السعودية. كذلك فان للجزيرتين أهمية استراتيجية كونهما تتحكمان في حركة الملاحة الدولية في خليج العقبة. كما ان الجزيرتين لهما أهمية كبيرة لإسرائيل؛ فمن خلالهما تضمن الاحتفاظ بالممرات الملاحية الواضحة للاستيراد والتصدير، كما أنهما يتحكمان في حركة المرور من وإلى ميناء إسرائيل الجنوبي في إيلات.

وبالرغم من حالة الجدل المتصاعدة حالياً في الاوساط السياسية والقانونية المصرية، حول خضوع سيادة جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، إلا أن الوثائق الموجودة حالياً تشير إلى ان الجزيرتين تعودان للسعودية؛ كون أخر وثيقة رسمية حول هذا الموضوع (اتفاقية رودس) لم تتطرق إلى ترسيم الحدود، وإنما اقتصرت على الإدارة والحماية واحكام السيطرة على خليج العقبة، وهذا يدل على موافقة ضمنية من مصر على تبعية الجزيرتين للسعودية، ومن ثم استندت الأخيرة الى هذه النقطة، والتي من خلالها غرست بذور الجدل الحاصل حول هذا الموضوع.

وفي هذا الإطار نرى شهادة الكاتب والاستراتيجي الراحل محمد حسنين هيكل حول التبعية القانونية لجزيرتي تيران وصنافير التي وردت في كتابه (حرب الثلاثين سنة)، إذ يوضح الظروف المتعلقة بسيطرة القوات المصرية على الجزيرتين واعتراف مصر حينذاك بتبعيتهما للمملكة العربية السعودية. فقد أشار في الصفحة الرابعة من الكتاب بما يلي: (إن الوثائق المصرية عن هذه الفترة لا تحتوى على إجابة كافية لسؤال هام يطرح نفسه إزاء هذه التطورات وهو: إلى أي مدى كانت السياسة المصرية على علم بهذا الذى تم بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بما في ذلك التعهدات الأمريكية القاطعة بشن خليج العقبة؟ . وأشار أيضاً في الصفحة نفسها: (ومن استقراء ظواهر الحال، فقد بدا أن السياسة المصرية استقرت على خيار يعطى لملك السعودية مهمة مواصلة بحث هذه القضية مع الإدارة الأمريكية، وكان هو أكثر المتحمسين لهذا الخيار على أساس من عدة اعتبارات أولها: أن جزر صنافير وتيران التي كانت مصر تمارس عليها سلطة التعرض للملاحة الإسرائيلية في الخليج – هي جزر سعودية جرى وضعها تحت تصرف مصر بترتيب خاص بين القاهرة والرياض، والثاني: أن خليج العقبة والبحر الأحمر هو طريق الحج إلى الأماكن الإسلامية المقدسة التي تتحمل المملكة العربية السعودية مسؤولية حمايتها، والثالث: أن المملكة العربية السعودية تربطها – نتيجة لحجم المصالح – علاقة خاصة بالولايات المتحدة تسمح لها بأكثر مما هو متاح لغيرها).

وبعد طعن المحكمة الإدارية المصرية باتفاقية الحكومة المصرية بتسليم الجزيرتين الى الجانب السعودي في نيسان الماضي، ورد طعن الأخيرة من قبل محكمة القاهرة للأمور المستعجلة، وعدّ هذه الاتفاقية سارية بعد موافقة مجلس الشعب المصري (مجلس النواب) عليها، بقي على الحكومة المصرية انتظار التصويت على الاتفاقية في المجلس، هل سيقبلها أم يرفضها؟

من المرجح أن يوافق مجلس الشعب على الاتفاقية؛ كون الأغلبية الموجودة في المجلس من الموالين للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ولكن السؤال الذي يٌثار هنا: لماذا طلبت السعودية بهذا التوقيت ترسيم الحدود البحرية بين البلدين وإنشاء جسر يربط بينهما عبر جزيرتي تيران وصنافير؟

نرى أن هناك سببين رئيسين لتختار السعودية هذا الوقت بالتحديد لترسيم حدودها البحرية مع مصر، أولهما حالة التطبيع شبه العلني مع إسرائيل، التي كانت في السابق تهدد سيادتها على جزيرتي تيران وصنافير، والثاني هو تدهور الوضع الاقتصادي والعسكري والأمني في مصر، بسبب تردي قيمة الجنية المصري بالنسبة للدولار، وعجز في الموازنة السنوية الذي يصل إلى 43 مليار دولار، فضلا عن ارتفاع معدل البطالة إلى 30% ، وانخفاض منسوب مياه نهر النيل إلى أكثر من ثلثي حصتها في السابق بسبب سد النهضة الاثيوبي (الذي دُعم مادياً من قبل السعودية وعلمياً من إسرائيل لإضعاف مصر). كل هذا يجعل مصر بحاجة ماسة للمال والدعم الاقتصادي، ما يجعلها في النهاية توافق على الطلب السعودي بترسيم حدودها دون أي اعتراض أو مساومة.

وهذا يعني أنه في ظل هذا الوضع الاقتصادي المصري الصعب، تحركت السلطات السعودية في التوقيت المناسب، وفتحت ملف الجزر المتنازع عليها مع مصر، ولوحت بمساعدات بقيمة 20 مليار دولار في حال وافق الرئيس السيسي على الاتفاقية؛ لأن السعودية تريد في النهاية السيطرة على دول المنطقة بصورة كاملة، من خلال الحرب بالنيابة وتدمير اقتصاد تلك الدول.

مقالات ذات صلة