التفوق الاقليمي لإيران ....... اسبابه ونتائجه

م. م. حمد جاسم محمد الخزرجي

مركز الدراسات الاستراتيجية – جامعة كربلاء

  

كان ولايزال الدور الاقليمي لايران يتمحور ما بين جدلية الصعود والهبوط طبقا لما تشهده المنطقة من تطورات ومتغيرات, والأهم طبقا لما تشده إيران نفسها من تطورات ومتغيرات. فإيران تحت حكم الشاه كانت ترتبط بعلاقات وثيقة ذات طابع استراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية والغرب بصيغة عامة وأيضا مع إسرائيل, وفي إطار تلك العلاقات كانت تسعى لأن تلعب دور شرطي الخليج لتأمين تدفق البترول الى البحار المفتوحة. وكانت تحتفظ بعلاقات جيدة مع القوي العربية المحافظة والمعتدلة في المنطقة وكان الموقف الايراني الايجابي مع مصر خلال حرب أكتوبر 1973 دلالة هامة علي سعي إيران لخلق علاقات إقليمية متوازنة. ثم جاء تحول في الموقف الإيراني في أعقاب نجاح الثورة الإسلامية بزعامة (اية الله الخميني) وسعيها لبناء نظام إسلامي ثوري لايقتصر علي إيران فقط ولكن يمتد بزخم ثوري الى باقي المنطقة.

   وجاءت اقوى المتغيرات بعد احداث 11 ايلول 2001 واعلان الحرب الامريكية على الإرهاب وسقوط نظامي طالبان في أفغانستان والبعث في العراق وإشاعة حالة من عدم الاستقرار في المنطقة زاد من حدتها توتر الاوضاع في الأراضي الفلسطينية والحرب الاسرائيلية على حزب الله في لبنان مع صعود التيارات المتشدد في ايران. وهو ما دفع ايران نحو الاندفاع للعب دور اقليمي مؤثر من خلال التدخل المباشر والغير مباشر في القضايا الرئيسة الساخنة في المنطقة من العراق الى فلسطين الى لبنان ودعم التيار الاسلامي في فلسطين رغم أنه ينتمي إلي تيار الإخوان المسلمين السني حتي تضفي على موقفها طابعا إسلاميا عاما.

   ومما لا شك فيه أن ايران أكبر المستفيدين من الحرب على الارهاب في الشرق الأوسط. فالولايات المتحدة، بدعم من التحالف، قد ساهمت في تخليص النظام الإيراني من نظامين إقليميين مناوئين له وهما حركة طالبان في أفغانستان في تشرين الثاني عام 2001 ونظام البعث في العراق في نيسان عام 2003 مع فشل الولايات المتحدة في استبدالهما بهياكل سياسية مستقرة ومتماسكة، واندلاع النزاع بين إسرائيل والفلسطينيين في غزة في حزيران - تموز 2006، وبين إسرائيل وحزب الله في لبنان الامر الذي أضاف الى حالة عدم الاستقرار تلك أبعادا إقليمية جديدة.

والسياسة الخارجية الإقليمية الإيرانية، التي عادة ما تُوصف من قبل الغرب بأنها شريرة ومزعزعة للاستقرار، هي في الواقع براغماتية بشكل لافت وتهدف عموما الى تجنب الاضطرابات العنيفة والمواجهات. وينصب جوهر السياسة الخارجية لإيران على بسط هيمنة إقليمية اقتصادية وثقافية، داخل محيط نفوذها, وتوسيع مساحة ذلك النفوذ، والاستقرار الإقليمي, وعراق موحد ولكن شريطة ألا يشكل تهديدا عسكريا, ومحاولة مواجهة الهوس الأمريكي في ظل عجزها على إيجاد علاج له.

وتكمن أسباب تصاعد النفوذ الإقليمي الإيراني في:

1-  إيران هي حلقة الوصل بين الشرق الأوسط وآسيا ولا يخفى قوتها العسكرية وما تملكه من نفوذ ثقافي وسياسي واقتصادي قوى للغاية, ولعل الولايات المتحدة تملك اليد العليا في القدرة على استخدام القوة "الصلبة"، لكن رغم كل ما تملكه من قدرة على كسب المعارك العسكرية، فإن إدارة بوش أظهرت عدم قدرة على التخطيط وإدارة السلام في المرحلة اللاحقة. أما إيران فإنها تقليديا تجيد استخدام القوة "الناعمة" – أي القدرة على استخدام السياسة والثقافة للسعي لتحقيق مصالحها الاستراتيجية. وتتفوق إيران على الغرب بما تملكه من معرفة بالمنطقة، وإجادة للغتها وثقافتها، وبما تملكه من علاقات تاريخية قوية ومهارات إدارية. وبينما سعت الولايات المتحدة، تاريخيا وحاليا على حد سواء، الى تغيير وإصلاح الشرق الأوسط، فإن إيران تميل الى التعامل مع الأمر الواقع.

2-  الموقع المتميز وفر لإيران فرصا ضخمة لكنه جعلها أيضا عرضة للخطر في منطقة غير مستقرة, وطالما اضطرت إيران، في ظل ارتباطها بحدود برية مع سبع دول مجاورة إضافة إلي ارتباطها بحدود بحرية مع ست دولة أخرى في الخليج، الى التعامل مع عواقب هذا الوضع الجغرافي بما في ذلك تدفقات اللاجئين من مناطق النزاعات المجاورة. ومنذ عام 2001، والحملتان العسكريتان بقيادة الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق، توفر سبب قوى لدى إيران للقلق من عدم الاستقرار السياسي في منطقة الجوار، لكن انشغال الغرب في معظم الأحيان بنوايا السياسة الخارجية الإيرانية جعله يفشل في إدراك متطلبات إيران الأمنية الخاصة، فصعود طالبان في أفغانستان من جهة الشرق واستمرار عمليات التمرد في العراق من جهة الغرب يعنى أن هناك أعمال عنف وعدم استقرار متواصلين على الحدود الإيرانية.

3-  أن الصلات القوية التي تربط ايران بقيادة أحزاب وفصائل عراقية من كافة المكونات كان لها تأثير إيجابي وباعث على الاعتدال في الوضع السياسي العراقي وليس مصدر رئيسي لعدم الاستقرار كما تزعم الحكومات والمعلقين في الغرب.

4-  تغيير اولويات المخاطر الخارجية للدول العربية جعل ايران بمرتبة العدو رقم واحد في المنطقة مما يعد كسرا لمركزية الامن القومي العربي الذي كان يعد (اسرائيل) العدو الرئيس للعرب منذ حرب عام 1948، الامر هذا ما جعل ايران تستثمر بشكل ذكي هذا التراجع العربي في الملف الفلسطيني منذ 1979، وزاد من جاذبيتها ايمان قطاع واسع من العرب والمسلمين بمركزية القضية الفلسطينية.

5-  بالرغم من أن إيران دائما ما تُوصف بأنها تحرك وتوجج العنف في الشرق الأوسط الكبير، ومؤخرا من خلالها دعمها العسكري والمالي لحزب الله وحماس في صراعهما ضد إسرائيل، فإن النظام الإيراني يحرص على عدم إثارة فوضى عامة في المنطقة لأنه في الأساس نظام محافظ ويسعى للحفاظ على الوضع القائم, لأنها محاطة بأزمات تفجرها وتفاقمها التدخلات العسكرية الغربية. فالولايات المتحدة لا تنشر فقط قوات في أفغانستان والعراق، لكنها أيضا تملك حرية استخدام قواعد في تركيا وآسيا الوسطي والخليج العربي. ومن ناحية الشمال الغربي لإيران، هناك أيضا حالة من عدم الاستقرار في منطقة القوقاز، ومن شأن إضعاف الحكومة المركزية أو تغيير النظام في باكستان أن يفرض تهديدا على إيران.

6-  المميزات الاستراتيجية الكامنة التي تملكها إيران، وحقيقة أن مكانتها الإقليمية يعود الفضل فيها لحد كبير إلي مصالحها القومية وإحساسها التاريخي بالرسالة الإمبراطورية, ويغطى دائما شعور قوى بالقومية على المواقف السياسية المحلية والخارجية الإيرانية. ويسود إيران، الدولة الشيعية غير العربية الفخورة بنفسها، شعور جماعي بالخصوصية الوطنية وإحساس بالعزلة في أوقات تصاعد التوترات الإقليمية يضاهي حتى إحساس إسرائيل بأنها محاصرة وتتعرض لتهديد من جوار صعب. ويكمن الخطر في أن تجد سياسات المواجهة التي يتبناها المتشددون في تعزيز نتيجة الإحساس بضعف الغرب في المنطقة الى حد لا يمكن لجم طموحها، وأن تنزلق أكثر مما ينبغي، في مجاراة سياسات المحافظين الجدد في الولايات المتحدة، الى مواقف استفزازية.

7-  تكشف حالة العراق الطريقة النموذجية التي تتمكن من خلالها ايران من استغلال وضع تسوده الفوضى بهدف التجهيز لبناء بيئة موالية، وينشط الإيرانيون بصفة خاصة بين الجاليات الشيعية في الجنوب وبين الأكراد في الشمال، حيث يوفرون الدعم اللوجستي والمالي والعسكري لحلفائهم الرئيسيين هناك. وفي البداية تحقق معظم هذا الدعم بموافقة ضمنية من قوات التحالف، لاسيما في الجنوب، حيث كان يُنظر الى انتشار المنظمات غير الحكومية التي تُمول وتُأسس بمساعدات إيرانية على أنها قوة تعمل على الاستقرار بعد الإطاحة بالنظام السابق. ولكن بعد ذلك بدا المسؤولون في الولايات المتحدة وبريطانيا ينتقدون بصورة أكثر علنية النفوذ الإيراني في المناطق الشيعية، متهمين عملاء إيرانيين بتدريب مجموعات عراقية وتزويدها بالأسلحة. ويأتي ذلك نتيجة الموقف الخاص الذي يتبناه المتشددون تجاه التنسيق مع قوات التحالف في العراق، فهم يعدون العراق مثال للفشل الكبير للغرب وسوف يبرر رحيلهم عن المنطقة عاجلا وليس أجلا، وبالتالي فهم لا يرون سبب يدعوه للاتصال مع القوات الأجنبية على الإطلاق.

8-  اقدام السعودية ودول خليجية اخرى الى الانجرار الى المستوى الطائفي للصراع السياسي في المنطقة وإفشال الخطاب القومي العربي الذي دخلت معه السعودية في صراع عنيف بفترات سابقة، مع فشل وعدم القدرة على ادارة الادوات الطائفية في المنطقة، مكن ايران من توظيف ادواتها الطائفية في كل من العراق واليمن وسوريا، وزاد من قدرتها على اضعاف القدرات الخليجية.

على الرغم من ان البعض ينظر الى توسع نشاط ايران في المنطقة على انه تفوق في النفوذ الاقليمي على دول المنطقة الاخرى, وان عوامل عديدة تساعدها في ذلك, الا ان الملاحظ ايضا ان هناك نتائج عنيفة قد ظهرت وتظهر في المنطقة وسببها هو الاندفاع الايراني المتزايد، ومحاولتها مد نفوذها الى مناطق تعدها الدول الاخرى خاصة بها مما ولد حالة من عدم الاستقرار في المنطقة, ومن نتائج زيادة نفوذ ايران هي:

1-  عدم الاستقرار السياسي والامني في دول الاقليم، وزيادة وتيرة الحروب بالوكالة في دولهِ ومنها الحرب في سوريا واليمن والعراق واحداث البحرين ولبنان. اذ تحاول الدول المنافسة لايران في المنطقة وضع المعرقلات في عجلة النفوذ الايراني، مما ولد صراعات وحروب دمرت المنطقة وقادت الى كوارث بشرية ومادية كبيرة جدا.

2-  زيادة المد الطائفي في المنطقة والتشتت المجتمعي: ان محاولة ايران مد نفوذها بشكل واسع الى دول ومنظمات في المنطقة, تعد ذات اهتمام اقليمي ودولي وقاد الى حدوث حروب طائفية وقومية في المنطقة، وتقسيم المجتمعات في المنطقة. فتدخل ايران في اليمن وسوريا مثلا قاد الى حدوث انقسام مجتمعي في هذه الدول، وارتكاب مجازر ضد المدنيين من قبل الارهاب التكفيري بحجة حماية مكون معين تابع له، هذا ما قد يؤدي الى زيادة التوتر والفوضى في المنطقة.

3-  سباق التسلح: ان من مقومات البحث عن نفوذ او زيادته او منع نفوذ دول اخرى هو وجود قوة عسكرية قادرة على تحمل الاعباء. لهذا نرى ان دول المنطقة صغيرها وكبيرها بدأت بعقد صفقات اسلحة مع دول الغرب، وزيادة ترسانتها العسكرية، وذلك لمجارات ايران او عرقلة توسع نفوذها في المنطقة. فقد تم انفاق مئات المليارات من الدولارات من قبل دول المنطقة الغنية لشراء اسلحة، واقامة قواعد عسكرية فيها لحمايتها، وان سباق التسلح سيقود الى تدهور اقتصاديات دول المنطقة والى حروب بين دولهِ بشكل مباشر او بالوكالة في دول اخرى.

4-  التدخل الدولي والاقليمي: ان محاولة وقف نفوذ ايران من قبل دول المنطقة لا يمكن ان يتم بمعزل عن الاستعانة بقوى اقليمية ودولية لها قوة عسكرية قادرة على الوقوف بوجه ايران. لهذا بدأت هذه الدول الاستعانة بالقوة الكبرى لحمايتها وبناء القواعد العسكرية، مثل القاعدة الفرنسية في الامارات, والتدخل السعودي العربي في البحرين ضد المحتجين, كذلك قيام احلاف بين دول المنطقة وتركيا من اجل تعزيز قوة هذه الدول، حتى ان هناك تقارير ذكرت ان في نية الولايات المتحدة بناء قواعد عسكرية في العراق, وهذا نابع من تدخل الدول بالشأن العراقي, وبهذا فان وجود تدخل اقليمي ودولي سوف يزيد من الاحتقان والتوتر في المنطقة.

5-  زيادة العمليات الارهابية ضد ايران: سوف تلجأ الدول المعادية لإيران الى مد التنظيمات الارهابية بالمساعدات الممكنة من اجل تنفبذ تفجيرات واغتيالات في ايران من اجل زعزعة الوضع الداخلي فيها تمهيدا الى احداث فوضى على غرار ماهو سائد الان في العراق وسوريا وليبيا واليمن، وما التفجيرات التي حدثت في طهران (مجلس الشورى وضريح الامام الخميني) الا بداية لهذه الاعمال الانتقامية.

اخيرا, ان ما تعتقد به ايران من تفوق لها في المنطقة, او زيادة نفوذ, او في الاخر سيصب في صالح دول من خارج الاقليم, وان المتضرر منه هو دول المنطقة. لهذا على هذه الدول ان تقوم بإعادة رسم سياستها والتعاون في مجال مكافحة الارهاب والتطرف, ونبذ العنف لحل الخلافات, والتقليل من التسلح, وتحويل الاموال نحو التنمية ورفاهية الشعب, لان الاستمرار بسياسة العنف والحرب بالوكالة, واثارة النعرات القومية والطائفي ستقود حتما الى دمار كل المنطقة, وان النار المشتعلة قد تنتقل الى الدول التي اوقدتها, لان كل دول المنطقة غير محصنة او خالية من التنوع. كذلك ان دعوة الغرب او دول اخرى للتدخل في المنطقة ضد دولة ما سوف يكون له تأثير مدمر على كل المنطقة.

مقالات ذات صلة