اتفاق القلمون بين التوافق السياسي والتناقض الأيديولوجي

م. م. ميثاق مناحي العيساوي باحث في قسم الدراسات السياسية

مركز الدراسات الاستراتيجية/ جامعة كربلاء

5/ أيلول / 2017

يبدو بأن لغة الصفقات في الحروب العسكرية ضد التنظيمات الإرهابية أصبحت سياسة واقعية ومكاسب سياسية تنتهجها بعض الدول المنغمسة في صراعات منطقة الشرق الأوسط، لاسيما من قبل الاطراف الدولية المسؤولة عن إدارة الصراع السوري. فالاتفاق الأخير الذي أبرمه حزب الله اللبناني مع تنظيم داعش، ومن قبله ما سُمي باتفاق عرسال لا يخرج عن الإرادة الدولية والإقليمية الفاعلة في المنطقة (روسيا، الولايات المتحدة الاميركية، إيران). هذه الاتفاقات لا يمكن أن تخرج عن سياسة ابرام الصفقات السابقة التي تمت بين حزب الله وبعض التنظيمات الإرهابية ومنها " جبهة النصرة"، سواء كانت تلك الصفقات داخل الحدود اللبنانية أو خارجها " في الأراضي السورية". فقبل عدة اشهر غادر عناصر " جبهة النصرة" من لبنان الى مدينة ادلب السورية بموجب اتفاق مع حزب الله، فضلاً عن الاتفاقات التي تمت برعاية روسية – أمريكية في مناطق خفض التصعيد أو غيرها من الاتفاقات لوقف اطلاق النار في سوريا.

لكن ومع ذلك، فأن صفقة حزب الله مع تنظيم "داعش" تثير بعض التساؤلات، لاسيما وأن الحرب العسكرية ضد تنظيم "داعش" شارفت على الانتهاء بعد تحرير محافظة نينوى بالكامل ومحاصرته في سوريا، وقد يكون للتطورات الإقليمية والمواقف الدولية شأنً في ذلك، قد تُرضي طرف على حساب طرفً آخر. فهذه الصفقة تأتي في ظل التسويات والتطورات الملحوظة في الأزمة السورية والانهيار العسكري في قدرات تنظيم "داعش" الإرهابي في العراق وسوريا، واصرار القيادة الكردية العراقية على اجراء الاستفتاء وانفصال كردستان عن العراق، فضلاً عن التحركات السياسية التي شهدتها الساحة العراقية على الصعيد الخارجي ومحاولة اعادة انتاج البيئة السياسة العراقية بشكل متوازن وارجاع العراق إلى عمقه العربي، وبناء علاقاته الخارجية بعيداً عن سياسة التدخل بالشأن الداخلي وفرض إرادة إقليمية محدده.

ولهذا نرى بأن ردود الافعال حول هذه الصفقة انقسمت بين محورين، بين محور مؤيد ومساند للمحور الإيراني- الروسي مع حزب الله، وبين محور رافض ومناقض لتوجهات المحور الأول يمكن أن نسميه بالمحور العربي – الأمريكي.

سياساً، قد تكون الصفقة مربحه للطرفين أو مربحة لطرف على حساب طرف آخر، وقد يكون حزب الله الخاسر الأكبر من هذه الصفقة، على الرغم من تحقيقه لمكسب عسكري دون الدخول في اتون الحرب، إلا أنها "عقائدياً" تعكس التناقض الايديولوجي بين الفكر والممارسة العملية لكلا الطرفين. فالصفقة مخالفة لعقيدة تنظيم "داعش"، ومخالفة أيضا لمبادئ "حزب الله" اللبناني. فعقيدة تنظيم داعش التي كتبها أبو يزيد المغربي نقلاً عن أبو بكر البغدادي نفسه، لا تبيح الاتفاقات مع العدو ولا تقبل بالانسحاب من المعارك وتحّرم مبادلة الأسرى. فيقول المغربي في الفصل الرابع عشر " كل جماعة أو شخص يعقد اتفاقية مع المحتل الغازي فأنها لا تلزمنا في شيء بل هي باطلة مردودة". وما يدلل على ذلك المعارك الذي خاضها التنظيم الإرهابي ضد قوات الأمن العراقي على مدار السنوات الماضية والتي تعكس تلك الايديولوجية المتطرفة للتنظيم (المتعلقة في رفضها المطلق للتفاوض والانسحاب ومبادلة الأسرى). كذلك الحال بالنسبة لمبادئ حزب الله الرافضة للتفاوض مع التنظيمات الإرهابية. فخطاب زعيم الحزب السيد حسن نصر الله في العام 2016 الذي حيا فيه انتصارات الجيش العراقي وقوات الحشد الشعبي رافضاً فيه قبول الصفقة الأمريكية بإخراج عناصر تنظيم "داعش" من الموصل باتجاه الأراضي السورية. كان دليلا واضحا وصريحا على عدم القبول بفكرة التفاوض والتحاور مع التنظيمات الإرهابية. فكيف تمت تلك الصفقة المشبوهة بين داعش وحزب الله في ظل العقيدة الدينية والسياسية لطرفي الاتفاق؟.

دلالات الاتفاق والغرف التي طبخ فيها، لا تُدلل على أنه اتفاق بين تنظيمين عسكريين غير مرتبطين بقيادة دولتية رسمية " فواعل من غير الدول"، وإنما هناك مؤشرات على أن الاتفاق تم بجهود دولية عالية المستوى ويخفي وراءه العديد من الاتفاقات الضمنية ضمن توافقات سياسية بين المحاور الدولية والإقليمية المسؤولة عن إدارة الصراع في المنطقة. ولا يمكن استبعاد الدب الروسي من خفايا هذا الاتفاق، لاسيما وأن الاتفاق تم بمباركة إيرانية واضحة. وقد يكون الهدف الروسي – الإيراني من هذه الصفقة توسيع نفوذهما الإقليمي في المنطقة من خلال النظام السوري وحزب الله ومواجهة التحالف الدولي المشكل لمحاربة تنظيم "داعش" في سوريا والعراق وتقويض مساعيه في فك الصراع المسلح في المنطقة من جانب واحد.

مقالات ذات صلة