الدور الجديد لحزب الله في المنطقة بعد اتفاق القلمون وجرود عرسال

م.م. حمد جاسم محمد الخزرجي، باحث في قسم ادارة الازمات

مركز الدراسات الاستراتيجية-جامعة كربلاء

ايلول-سبتمبر 2017

ظهر حزب الله على الساحة اللبنانية كقوة محلية في فترة الثمانينات، بعد تدهور الاوضاع السياسية والاقتصادية في لبنان نتيجة الغزو الاسرائيلي عام 1982، وشن حزب الله حملة حرب المقاومة لإسرائيل في جنوب لبنان، على إثرها انسحبت إسرائيل من لبنان في 24 ايار 2000، وانهار جيش لبنان الجنوبي وهرب بعظهم الى اسرائيل واستسلم بعضهم. وتطور حزب الله إلى منظمة لها اهدافها وأصبح قوة كبيرة في ابنان، ومقاعد في الحكومة هو جزء من تحالف 8 آذار داخل لبنان، و‌محطة إذاعية و‌محطة تلفزيونية فضائية، وخدمات اجتماعية، وأصبح له انتشار عسكري واسع النطاق خارج حدود لبنان في سوريا والعراق واليمن. وحسب بعض المراقبين فان للحزب دعما من بعض الاطراف المسيحية في لبنان، وهي داعم له مقابل كتلة 14 اذار في البرلمان، وكان له دور في مواجهة اسرائيل عام 2006.

بالإضافة إلى العلاقات الاستراتيجية الوثيقة مع إيران وسوريا، فإن للحزب اتصالات مع العديد من الدول العربية والاسلامية، ورغم العداء الظاهر مع السعودية ودول الخليج، فقد زار نائب الامين العام للحزب السيد (نعيم قاسم) السعودية عام 2006، بخصوص الحكومة اللبنانية. كذلك قطر الدولة العضو في مجلس التعاون الخليجي والتي قامت بوساطة ناجحة بين الأطراف اللبنانية أنهت بها أزمة خطيرة تتعلق برئاسة الجمهورية وتشكيل الحكومة منتصف 2008، وأيضا للحزب نفوذ في السودان الذي كان بحاجة للتأييد الرسمي والشعبي في مواجهة ملاحقة قادته دوليا، ووجد في حزب الله مؤيدا له في هذا الشأن حيث للحزب نفوذ كبير في الشارع العربي والإسلامي، وفي المغرب العربي ، وتأييدهم للحزب في مقاومته لإسرائيل، كما أن الحزب يلتقي مع جميع حركات المقاومة الفلسطينية وله معها علاقات طيبة تتجاوز التعاطف، وتصل في بعض الأحيان إلى الدعم العسكري واللوجستي، وبالرغم من الدعم السياسي والمالي الذي يتلقاه حزب الله من إيران فإن أمينه العام السيد (حسن نصر الله) يقول "أن ذلك لا يعني أن الحزب هو حزب إيراني على أرض لبنانية"، ويعضد كلامه بالقول "إن أمين عام الحزب لبناني، وكل كوادر الحزب لبنانية، ويمارس نشاطه على أرض لبنانية، ويدافع ويقدم شهداء في سبيل تحرير الأرض اللبنانية، وكل هذا كما يقول معايير كافية على أن الحزب لبناني وليس إيرانيا".

لقد تطور دور الحزب بشكل كبير في سوريا بعد الدعم الذي قدمه للحكومة السورية من دعم عسكري كان له كبير في ثباتها بوجه الاضطرابات التي حدثت في سوريا منذ العام 2011، والتي لازالت مستمرة الى الان، هذا الدور لم يقتصر على القتال الى جانب النظام والدعم العسكري، بل تعداه الى نوع من التوافق مع النظام السوري حول بعض القضايا الداخلية والاقليمية وفرض بعض التسويات مع المجموعات الارهابية سواء في سوريا او لبنان، بدون اعتراض من جانب حكومتي الدولتين، بل هناك توافق تام مع الحكومة السورية حول الامر، على الرغم من ان بعض التسويات كانت لمصلحة لبنان وحزب الله، الا ان تحرير بعض المناطق الاستراتيجية هو هدف مركزي للحكومة السورية ايضا.

بعد هجوم الجيش السوري ومقاتلي حزب الله على منطقة القلمون الغربي، وهجوم الجيش اللبناني على عناصر داعش في البقاع من الجانب الاخر، قرر عناصر داعش الارهابي تسليم انفسهم للقوات السورية وحزب الله ضمن اتفاق يضمن انتقالهم البو كمال في دير الزور، مقابل كشفهم مصير الجنود اللبنانيين الذين اختطفهم التنظيم قبل ثلاث سنوات، اذ ان وقف اطلاق النار قد تم في الساعة السابعة صباح الأحد 27 اب 2017، في إطار اتفاق شامل لإنهاء المعركة بالقلمون الغربي، اذ لم يتبقى للإرهابيين سوى تسليم انفسهم بعد ان اشتد عليهم الحصار من كل الجبهات ، سبق هذا الاتفاق اتفاق بين حزب الله جبهة النصرة (وفتح الشام حاليا) في جرود عرسال في 30 تموز، يقضي بخروج المسلحين التابعين للجبهة وعوائلهم الى مدينة ادلب السورية التي تسيطر عليها جبهة النصرة الارهابية، واطلاق اربعة موقوفين من الجبهة لدى السلطات اللبنانية مقابل الافراج عن ثلاث اسرى وخمس جثامين من حزب الله اللبناني، وهذا الاتفاق على الرغم من انه تم على الارض اللبنانية وبين حزب الله وجبهة النصرة الارهابية الا ان الحكومة السورية سمحت لعناصر النصرة وعوائلهم من الذهاب الى محافظة ادلب السورية عبر المناطق التي يسيطر عليها مقاتلي الجبهة، اذ ان هجوم حزب الله على جبهة النصرة في جرود عرسال تم في 19 تموز 2017، لإخراجهم من المنطقة التي كانت تعتبر منطقة خطر على طريق امدادات الحزب من لبنان الى سوريا.

على الرغم من نظرة بعض الجهات الى محدودية هذه العمليات، وانها تمت ضمن مناطق معينة في لبنان وسوريا، وهي لم تقود الى تغيير كبير في سير المعارك التي لازالت تدور في اكثر من مكان، واكثرها شراسة واهمية الان هي في شرق سوريا، الذي تتسابق كل الاطراف للسيطرة عليه لما يشكله من اهمية استراتيجية اضافة الى الاهمية الاقتصادية (الغاز والنفط)، اذ تحشد قوات سوريا الديمقراطية المدعومة امريكا للسيطرة على دير الزور والرقة، فيما تشن القوات الحكومية السورية مدعومة من ايران وحزب الله وروسيا هجوما لاستعادة هذه المناطق من يد تنظيم داعش الارهابي، الا ان اللافت للنظر ان اندفاع حزب الله في توسيع الحرب وانهاء تواجد المجموعات الارهابية على حدود سوريا ولبنان جاء في وقت كان اهتمام اغلب اطراف الصراع في سوريا على شرق البلاد والسباق للسيطرة عليها، لهذا فان هذه الحرب التسويات في جرود عرسال والقلمون لم تكن الاولى ولن تكون الاخيرة، وهي اعطت لحزب الله دورا مؤثرا محليا واقليميا ودوليا من عدة نواحي، منها:

1-    انها دفعت الحكومة اللبنانية الى التعامل مع سوريا والاتفاق على قضايا الامن وضبط الحدود بعد ان كانت الحكومة اللبنانية تتعامل مع سوريا من سياسة (الناي بالنفس) والابتعاد عن الازمة السورية، كذلك اجبرت الحكومة اللبنانية على تحريك الجيش ولأول مرة لقتال المجموعات الارهابية في لبنان بعد ان كانت بعض الاطراف في لبنان تنظر لهذه المجموعات بيضة القبان في مواجهة حزب الله في البلاد.

2-    ان عقد اتفاق بين حزب الله وجبهة النصرة وداعش، والذي قاد الى تحرير عدد من أسرى حزب الله والجنود اللبنانيين المختطفين، وخروج المسلحين وعوائلهم من لبنان الى سوريا، زاد من قوة ونفوذ حزب الله في الشارع اللبناني، حتى من جانب المعارضين له سابقا.

3-    أصبح حزب الله قوة اقليمية ودولية مساوية للأطراف الاخرى في المنطقة، ان عقد اتفاق مع مجموعات مسلحة مثل داعش والنصرة وفرض شروطه عليهم، بل استسلامهم كما حصل مع عناصر داعش في القلمون، ونقلهم الى مناطق في سوريا، وبموافقة الحكومة السورية واللبنانية على هذا الاتفاق امر جعل من حزب الله قوة فاعلة على الارض السورية، ومن الصعوبة في المستقبل عقد أي تسوية فيما يخص الازمة السورية بدون اخذ راي حزب الله في هذه الازمة.

4-    اظهر الوجه الحقيقي للإرهابيين المدعومين دوليا واقليميا، واظهر ضعفهم الحقيقي امام القوة العسكرية لحزب الله، ففي الوقت الذي كان فيه الارهابيين متمركزين في الحدود السورية واللبنانية ويشكلون خطرا كبيرا على امدادات الحزب من لبنان الى سوريا، وانهم مركز متقدم لدول مبرى اقليمية من خلال نقل المعلومات اليهم، كذلك لما قاموا به من قتل وتفجير للسيارات المفخخة ونقل السلاح الى داخل لبنان، لم تتحرك الحكومة اللبنانية في مواجهة هذه المجموعات متحججة بضعف الجيش وعدم توفر الامكانات، ولكن قيام حزب الله بإنهاء تواجد هذه المجموعات في جرود عرسال قد حفز اللبنانيين للضغط على الحكومة لتحريك الجيش وانهاء الارهاب في البلاد، وهو ما تم بالفعل في معركة جرود راس بعلبك، وتحريره كامل الارض من داعش الارهابي.

5-    ان نقل عناصر داعش الى شرق سوريا وهي منطقة تجمع لعناصر داعش الارهابي تشبه الى حد ما مدينة ادلب التي تجمع عناصر النصرة وبعض الفصائل في شمال سوريا، هي لوضعهم في منطقة محددة لهم والخلاص منهم مستقبلا، اذ ان منطقة دير الزور والرقة هي الهدف القادم للتحالف الدولي والجيش السوري للقضاء على داعش، كذلك تامين الحدود اللبنانية السورية وانهاء أي تواجد للإرهابيين قد يشكل راس حربة ضد امدادات حزب الله الى سوريا، وامر لوجستي اخر وهو منع قوات سوريا الديمقراطية المدعومة امريكيا من السيطرة على مدينة دير الزور او مناطق شرق سوريا، لان ذلك سوف يقطع طريق الامداد من ايران الى سوريا عبر العراق، لهذا فان نقل عناصر داعش لإرهابي لشرق سوريا عملية عرقلة الاكراد من التقدم نحو دير الزور.

6-    منع أي تواجد أجنبي (امريكي) في هذه المنطقة بحجة محاربة الارهاب، اذ ذكرت بعض التقارير عن سعي امريكي خليجي لإضافة مناطق الحدود السورية اللبنانية الى قائمة مناطق تخفيف التوتر في سوريا، تمهيدا لانزال قوات امريكية في لبنان لمواجهة هذه المجموعات، والذي يعد في حالة تنفيذه عملية التفاف امريكي كبيرة ضد حزب الله والجيش السوري من الغرب، لهذا فان الحزب والجيش السوري وبضغط شعبي على الحكومة اللبنانية تم انهاء المجموعات الارهابية على الحدود لقطع الطريق على تدخل دولي محتمل.

على الرغم من ان عقد حزب الله اتفاقات مع بعض المجموعات المسلحة التي توصف دوليا بالإرهابية، قد حقق مكاسب له سواء داخليا في لبنان او اقليميا في المنطقة، من خلال تحرير مناطق ذات بعد استراتيجي له، وتوسيع نطاق سيطرته، وانهاء أي خطط امريكية مستقبلية ضده تنطلق من داخل لبنان، بحجة مواجهة الارهاب، فان هذه الاتفاقات قد تكون سلاح ذو حدين، خاصة اون هذه المنظمات هي مصنفة دوليا منظمات ارهابية، وان التعامل معها يعد من المحرمات الدولية، لهذا نبه بعض المحللين الى خطورة استمرار هكذا تسويات مع الارهابيين، لأنها قد تفتح الباب امام قيام دول ومنظمات اخرى على القيام بذات الامر بحجة تحرير رهائن، ولوجود سابقة امامها، وقد تقود الى قيام بعض الدول بفتح تحقيقات دولية واتهام الحزب بدعم الارهاب من خلال عقد اتفاقات معهم، كما ان هذه الاتفاقات قد تشجع مجموعات ارهابية اخرى الى توسيع عملياتها والقيام بنشاطات اجرامية ومن ثم اجبار بعض الدول على عقد اتفاقات معها تضمن لها الاستمرار والاعتراف، لهذا ان عقد اتفاقات محددة وفي اماكن معينة قد تكون لها فائدة لا ضير فيها، ولكن الاستمرار في مثل هذه الاتفاقات قد تكون له عواقب مستقبلية على الحزب وسمعته الجهادية في المنطقة.

مقالات ذات صلة