قراءة في استفتاء اقليم كردستان المرتقب

الدكتورسعدي الابراهيم  باحث في قسم ادارة الازمات  مركز الدراسات الاستراتيجية – جامعة كربلاء

د. سعدي الابراهيم، باحث في قسم ادارة الازمات

مركز الدراسات الاستراتيجية-جامعة كربلاء

أيلول-سبتمبر2017

من سوء حظ رئيس الوزراء حيدر العبادي ان تثار موضوعة الانفصال في عهده، هذه المشكلة التي اجبرت الحكومات العراقية السابقة على استعمال القوة لأجهاضها.

-----------------------------------------

شغل موضوع الاستفتاء المزمع القيام به في اقليم كردستان العراق، بال الكثير من المعنيين بهذا الشأن، سواء في العراق او في محيطه الاقليمي او الدول الكبرى في العالم وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية.

وبالرغم من العناد الذي تبديه القوى السياسية الكردية في رفض اي محاولة لتأجيل الاستفتاء او الغاءه، الا ان المعطيات الداخلية والاقليمية تشير الى عدم امكانية الاقليم الذهاب بعيدا في مساعيه الانفصالية. ومن تلك المعطيات، الاتي:

اولا – الموقف العراقي الرافض للانفصال:

على الرغم من ضعف الدولة العراقية، والفساد المالي والاداري الذي ينخر سياستها، وتشتت موقفها السياسي بسبب المحاصصة وسوء الاداء، الا انها اظهرت شيء من التماسك والانسجام فيما يتعلق بموقفها من الطرح السياسي الكردي الرامي للانفصال، وهناك شيء من الحكمة والعقلانية في طريقة تعامل رئيس الوزراء العراقي الحالي (حيدر العبادي) مع هذا الملف، فهو من جهة يظهر بمظهر اللامبالي بالأمر، ومن جهة ثانية يعول على الدول الاقليمية والولايات المتحدة ان تجبر القوى الكردية على الانصياع لبغداد.

ثانيا – الموقف التركي – الايراني -السوري:

إذا حجبنا الموقف السوري بسبب الظروف التي يعيشها النظام هناك، فأن الموقف التركي والايراني، واضح وهو يتمثل برفض البلدين لموضوعة انفصال اكراد العراق، على اعتبار ان هذا الحدث يعتبر نذير شؤم بالنسبة لأمنهما القومي، كون شرارة العدوى قد تنتقل الى الهويات الفرعية في كل بلد، وقد يتكرر مشهد المطالبة بالفدرالية والانفصال فيهما ايضا.

ثالثا -الموقف الدولي:

يمكننا ان القول ان المواقف الدولية غير مهمة، مقارنة بالموقف الامريكي الذي يعتبر مفصلي في هذه المسألة، فهذه الدولة تحاول ان تكسب الجميع الى جانبها، خوفا من ان تضر المتغيرات السريعة بمصالحها، فهي من جهة لا تريد ان تعم الفوضى في شمال العراق، قبل ان تغلق ملف داعش. ومن جهة اخرى لا تريد ان تدفع بعلاقاتها مع تركيا وإيران الى التوتر قبل ان تنهي الملف السوري واليمني.

لكن، إذا كانت هذه هي المواقف الحقيقية من موضوعة الاستفتاء، فعلى ماذا تستند القوى السياسية الكردية في اصرارها على الانفصال الذي يسبقه الاستفتاء؟، وبطريقة اخرى هل تنطلق القوى السياسية الكردية من الفراغ؟ ام ان هناك امور غير معلنة، هي التي تدفعهم للعناد؟

ان الاجابة على التساؤلات اعلاه من الممكن ان توضح عبر الاتي:

الاحتمال الاول:

قد تكون عملية الاستفتاء مجرد ورقة ضغط على الحكومة في بغداد، للاستجابة لمطالب القوى السياسية الكردية بالأخص المالية منها، وقد تكون تركيا وإيران والولايات المتحدة الامريكية على علم بهذا الشيء لذلك لا تحاول ان تتدخل بقوة في الامر.

الاحتمال الثاني:

ان تكون القوى السياسية الكردية قد ضمنت وجود مساعدات دولية كافية تضمن حياة الدولة الجديدة في حالة الانفصال، وهذه الوعود قد تأتي من الاطراف الاتية:

1 – الدول الخليجية:

فهذه الدول تسعى لخلق دولة سنية تكون مصدر عدم استقرار لإيران.

2 – اسرائيل:

اسرائيل لازالت تخشى من ان تكون هناك صحوة عربية قومية، قد تعيد الى الاذهان الحروب المتكررة معها، ولذلك فأن زرع دولة قومية كردية قرب المنطقة العربية، قد يقلل من هذه المخاطر.

3 – الولايات المتحدة الامريكية:

قد تكون الولايات المتحدة الامريكية هي التي اعطت الضوء الاخضر لإقليم كردستان كي يذهب باتجاه الانفصال او على الاقل اثارته وابقاءه يغلي، سعيا منها لجعل الدولة الكردية المنتظرة، ورقة ضغط على تركيا وإيران والعراق وسوريا، وهي حليف مضمون بشكل كبير جدا، كونها ستبقى بحاجة للمساعدة والدعم الامريكي الى الأبد.

4 – رئيس اقليم كردستان:

لن يستطيع رئيس اقليم كردستان (مسعود البرزاني) ان يبقى لفترة طويلة على رأس الاقليم، فقد تثار قضية احتكاره للسلطة، وقد تتدخل الدول الاقليمية وتبعده عنها، لذلك يسعى للإسراع بالانفصال لعله يبقى لفترة اطول بحجة الفترة الانتقالية التي تعيشها كل دولة جديدة، هذا من جهة، ومن جهة ثانية فأن تقدمه في السن بات يؤرقه، خوفا من ان يحرم من تسجيل الانجاز العظيم المتمثل بحلم تشكيل الدولة باسمه، لذلك يسعى للإسراع في هذا الملف.

الاحتمال الثالث:

ان يكون الاقليم فعلا قد وصل الى طريق مسدود في علاقته مع بغداد، فالمشاكل التي تعاني منها الحكومة الاتحادية والسلوكيات غير المسئولة التي قام بها ساسة الاقليم، ربما انها قد انعكست سلبا على الاحوال المعاشية في الاقليم، وباتت الامور تشكل خطر على مستقبله، وبالتالي أصبح الاقليم امام خياران: اما ان يبقى ضمن العراق وينهار اقتصاديا، واما ان ينفصل ويواجه التحديات نفسها التي سيتلقاها في حال بقاءه. بمعنى الخطر ينتظره في كلا الحالتين وبالتالي فهو لا يبالي بالتهديدات الداخلية والخارجية التي تحاول اجباره على التراجع عن نية الاستفتاء.

إذا قبلنا بالتحليل اعلاه، فما هو المستخلص منه، بمعنى ما هو المتوقع في الفترة القادمة؟ هل سيقدم الاقليم على اجراء الاستفتاء؟ وإذا فعل ذلك، هل سيقوده الى الانفصال عن العراق؟

هنا سنجد بأن هناك احتمالان، هما:

اولا – تأجيل الاستفتاء شرط الحفاظ على ماء الوجه:

قد ينتظر الساسة الاكراد اللحظات الاخيرة، ليعلنوا التأجيل، وهذا الانتظار لعله ان يدفع بغداد للاستجابة لمطالبهم، خاصة المالية منها.

ثانيا – اجراء الاستفتاء دون الاخذ به:

قد تتم عملية الاستفتاء بشكل شكلي مثل كل مرة، حيث ستكون ورقة ضغط اشد خطورة على بغداد، كونها توفر الدعم الشعبي لأي قرار تتخذه حكومة الاقليم في المستقبل.

اذن، في كل الاحوال لا توجد جدية لدى القوى السياسية الكردية للانفصال عن العراق في الوقت الحاضر، لكن قد يكون الاستفتاء او حتى مجرد التلويح به هو خطوة نحو الانفصال في المستقبل المتوسط على الاقل.

مقالات ذات صلة