هل تتحول كردستان إلى مهاباد الثانية؟

م.م. علي مراد العبادي

مركز الدراسات الاستراتيجية -جامعة كربلاء

تشرين الأول-اكتوبر 2017

يبدو إن الحلم الكردي بإنشاء دولته المستقلة لم يتوقف عند أية حدود فبالنسبة للكرد يعتبرون الأمر بمثابة المشروع المقدس لهم والهدف الأسمى فيما يعده البعض لا سيما معارضو الدولة الكردية بمثابة النزعة الانفصالية التي لا يلبث الكرد بالإعلان عنها والرغبة الدائمة بالتمرد بأية رقعوا ينتشرون فيها ، فيما يذكرنا الاستفتاء الذي إقامته حكومة إقليم كردستان في شمال العراق في يوم 25/9 ، والذي حصل على تأييد شعبي بحسب نتائج مفوضية الانتخابات التابعة للإقليم والذي شمل محافظات أربيل ودهوك والسليمانية إضافة إلى المناطق المتنازع عليها والتي تشمل محافظة كركوك ومناطق سهل نينوى إضافة إلى خانقين وبعض مدن صلاح الدين ، الأمر الذي ادخل البلاد في أزمة جديدة ما بين المركز والإقليم باعتبار الأمر غير دستوري وإقليم كوردستان جزء من العراق ويخضع للقوانين الاتحادية المصيرية والدستور لا يسمح بمثل هكذا خطوة ، والسؤال المحوري هل تمضي كردستان بإعلان الدولة أم أنها سوف تخضع للضغوط الدولية والمحلية ام سيكون مصيرها كمصير المحاولات الكردية السابقة بإعلان الاستقلالية والتي باءت جميعها بالفشل لا سيما جمهورية مهاباد.

جمهورية مهاباد والتي تأسست في شمال غرب إيران حول مدينة مهاباد التي أصبحت عاصمتها، وكانت دُويلة قصيرة مدعومة سوفييتياً كجمهورية كردية أُنشأت سنة 1946 ولم تدم أكثر من 11 شهراً، وظهرت هذه الدويلة كنتيجة للأزمة الإيرانية الناشئة بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية، فبالرغم من أن إيران أعلنت الحياد أثناء الحرب العالمية الثانية إلاّ أن قوات الاتحاد السوفيتي توغلت في جزء من الأراضي الإيرانية وكان مبرر جوزيف ستالين لهذا التوغل هو أن شاه إيران رضا بهلوي كان متعاطفاً مع أدولف هتلر ، ونتيجة لهذا التوغل، هرب رضا بهلوي إلى المنفى وتم تنصيب أبنه محمد رضا بهلوي في مكانه، ولكن الجيش السوفييتي استمر بالتوغل بعد أن كان يسيطر على بعض المناطق شمال إيران، وكان ستالين يطمح إلى توسيع نفوذ الاتحاد السوفيتي بصورة غير مباشرة عن طريق إقامة كيانات موالية له ، فيما استغل بعض الأكراد في إيران هذه الفرصة وقام قاضي محمد مع مصطفى البارزاني بإعلان جمهورية مهاباد في 22 يناير 1946 ولكن الضغط الذي مارسه الشاه على الولايات المتحدة التي ضغطت بدورها على الاتحاد السوفيتي كان كفيلاً بانسحاب القوات السوفيتية من الأراضي الإيرانية وقامت الحكومة الإيرانية بإسقاط جمهورية مهاباد بعد 11 شهرا من إعلانها وتم إعدام قاضي محمد في 31 مارس 1947 في ساحة عامة في مدينة مهاباد انسحب مصطفى البارزاني مع مجموعة من مقاتليه من المنطقة ، وهذه المحاولة هي ليست الأولى بل سبقتها محاولات عدة منها إعلان مملكة كردستان أو جمهورية كردستان الحمراء أو جمهورية آرارات وجميعها فشلت وتم القضاء عليها .

صحيح إن ظروف كردستان اليوم ليست مهاباد السابق أو بقية المحاولات الكردية فكردستان اليوم هي شبه دولة أصلا حتى دون الإعلان عنها فهذا الإقليم هو يحظى بحكم ذاتي منذ التسعينات كما وانه حصل على إقليم بصلاحيات دولة بعد عام 2003 وله رئيس وبرلمان وحكومة وله الحق بالتصرف بالموارد إضافة إلى ما يحصل عليه من مكاسب سياسية واقتصادية إزاء مشاركته بغداد سلطاتها أيضا أصبح الإقليم يتمتع بنفوذ سياسي كبير وعلاقات دبلوماسية مع دول عدة وتبادل تجاري كبير لا سيما مع تركيا وإيران ، كما وان رئيس الإقليم مسعود بارزاني قد نمى الروح الانفصالية والنزعة القومية لدى الكرد ويقمع معارضيه وما قرار منع رئيس البرلمان في الإقليم من مزاولة عمله وطرده لحركة تغيير إلى اثباتاً لذلك ، المشكلة الأخرى استغل البرزاني ضعف حكومة بغداد طيلة الأعوام السابقة وكان دائماً يلوح بالانفصال للحصول على مكاسب وورقة الاستفتاء او كركوك كانت الأكثر تأثيراً لحصول على ما يطمح وهذا الأمر تتحمله كافة الكتل السياسية لا سيما الشيعية منها باعتبارها صاحبة الحلف الاستراتيجي مع الكرد وما حصل اليوم نتيجة واضحة لضعف إدارة الملف الكردي طيلة الأعوام السابقة كما وان الكرد كانوا قد وظفوا أزمة تنظيم داعش وانسحاب الجيش ليفرضوا سلطة الأمر الواقع عبر الانتشار والسيطرة على كافة مدن المادة 140 المتنازع عليها وإخضاعها لسلطة الإقليم بحجة حمايتها ومن سيطرة التنظيم إلا إن جوهر الأمر وكما صرح البارزاني إن المادة 140 تعتبر ملغية بعد سيطرة الأكراد على مناطقها.

فالنتيجة حتى وان فرضت بغداد عقوبات اقتصادية أو تقرر السيطرة على المناطق المتنازع عليها فالأمر بكلا الحالتين لا يؤدي إلى نزاع مسلح مباشر وما حققه الكرد حتى ألان يتلاءم مع طموحهم وفي حالة التراجع والخضوع للضغوط الدولية والمحلية ربما سيكون مرحلة انتقالية أي إلغاء صوري أو شكلي أو تأجيل إعلان الدولة الكردية بشروط يدفع ثمنها بقية العراقيين وبنفس الوتيرة سوف يندفع الكرد للتحرك الخارجي للحصول على مكاسب الاعتراف المستقبلي عبر تقديم أرضا وموقعاً حيوياً ، ومع ذلك فإدارة التعامل مع أزمة الانفصال حتى اللحظة تحسب للسيد العبادي كونه يتصرف دستورياً ودبلوماسياً ويجيد الخطاب الداخلي والخارجي وهي خطوات تتسم بالتصعيد التدريجي بعيداً عن الانفعال سوف تتأتي بنتائج طيبة وهذا ما يترقبه الجميع.

مقالات ذات صلة