المسألة الكردية بعد وفاة الطالباني

الدكتورسعدي الابراهيم  باحث في قسم ادارة الازمات  مركز الدراسات الاستراتيجية – جامعة كربلاء

د. سعدي الابراهيم

باحث في قسم ادارة الازمات

مركز الدراسات الاستراتيجية بجامعة كربلاء

صحيح ان السيد جلال الطالباني قد توفي جسديا في الثالث من اكتوبر 2017، الا ان وفاته السياسية قد حدث منذ ان تولى السيد مسعود البرزاني رئاسة الاقليم ...

--------

مام جلال كما يسميه محبوه، بدأ العمل السياسي منذ فترة ليست بالقصيرة، وارتفع شأنه بعد النكسة التي تعرضت لها الحركة الكردية بزعامة (الملا مصطفى البرزاني) زعيم حزب (الديمقراطي الكردستاني) في سبعينيات القرن الماضي، لما نجح النظام السياسي العراقي في ان يوقف الدعم الاقليمي للتمرد الكردي وبالأخص الايراني، اثر توقيعه لاتفاقية الجزائر مع شاه ايران عام 1975 . حيث دعمت بعض الدول تكوين تيار رديف ينافس البرزاني او يأخذ مكانه، بغية احياء الحركة الكردية وضمان استمرارها، فكان الطالباني هو الشخصية المرشحة للعب ذلك الدور، عبر تأسيسه لحزب (الاتحاد الوطني الكردستاني).

الجناح الاول من الحركة الكردية الذي يمثله (الملا مصطفى البرزاني) ومن بعده (مسعود)، لم يرق لهم هذا الدور الذي قدر للطالباني ان يلعبه، واعتبروه انشقاق يهدد مستقبل الحركة الكردية، وبقيت هذه النظرة تخيم على العلاقات ما بين الجانبين الى يومنا الحاضر .

ما يميز الطالباني عن غيره، هو ثقافته الواسعة، وميوله اليسارية الحداثية التي تقفز احيانا على الانتماءات القبلية والعشائرية، مع ان انتمائه القومي بقي ثابتا لم يتغير حتى بعد ان صار رئيسا للعراق، فقد بقيت هويته الكردية طاغية على الهوية العراقية الوطنية.

شيء اخر تميز به الطالباني هو زهده بالمناصب السياسية في بغداد، تلك التي لم يصلها الا وهو في ارذل العمر، فضلا عن بساطته وروحه المرحة التي اضافت الكثير (للنكتة) السياسية، ونقلتها من الشارع الى اروقة الحكم، حتى ان الطالباني نفسه كان يردد ما يقوله الشعب من نكات ونوادر عنه وعن طريقة حكمه، وهذه سابقة جديدة لم تشهدها الانظمة السياسية في العراق ولا في عالم الجنوب .

وعودة على ذي بدء فأن الطالباني وتياره السياسي وبالرغم من الانسجام الخارجي مع البرزانيين الا ان هناك خلافات كبيرة بينهما ، كان الطالباني هو الطرف الخاسر في النهاية، فالمتغيرات التي شهدها العراق بعد عام 2003، قد فرضت على القوى السياسية الكردية ان تقوم بتقسيم ادوارها، ومن سوء حظ الطالباني ان يختار العمل في بغداد، بينما بقي مسعود يعمل في الاقليم، وبما ان الاخير بقي متمسك بانتمائه القبلي والقومي التقليدي، وبما ان العقلية الكردية تميل الى هذا الاتجاه، فقد ازدادت شعبيته، فضلا عن قربه من الشارع في شمال العراق، الذي ظهر وكأنه هو الاب الروحي للقضية الكردية والزعيم الاوحد المدافع عنها . ساعده في ذلك التزام الطالباني بالعمل على تمثيل الدولة العراقية اجمع، وابتعاده عن الشارع الكردي بسبب مشاغل العمل كرئيس للجمهورية العراقية.

ومما زاد من قوة البارزاني على حساب الطالباني ايضا، هو اصراره على اجراء الاستفتاء الاخير للانفصال عن العراق والذي جرى في 25 ايلول 2017، وتراخي الطالباني وتياره وحذرهم من المضي في هذه الخطوة، الامر الذي زاد من شعبية السيد مسعود، الذي اظهرته شاشات التلفاز وكأنه بطل قومي يريد ان يوجد دولة من العدم وسط بيئة رافضة.

اما عن النتائج التي قد تترتب على الحركة الكردية بعد رحيل الطالباني ، فمن الممكن اختصارها في الاحتمالات الاتية :

1 – انفراد السيد مسعود البرزاني في زعامة الحركة الكردية دون منازع حقيقي، خاصة اذا ما تمكن من ان يحفظ ماء وجهه واخرج الاقليم من ازمة الاستفتاء .

2 – قد تدفع وفاة الطالباني بقية الساسة الاكراد على المغامرة في اعلان الانفصال عن العراق، خاصة البارزاني الذي لن يرحب بالموت قبل ان يكون زعيما للدولة الحلم .

3 – ظهور شخصيات سياسية جديدة تحاول ان تملأ الفراغ الذي سببه رحيل الطالباني، وقد تنافس الزعامات الجديدة البرزاني على قيادة القضية الكردية، بالأخص اذا وجدت الدعم العراقي والخارجي .

4 – من المحتمل ان تزداد قوة التنظيمات السياسية الاخرى في الاقليم، مثل حركة التغيير، على اعتبار انها تخلصت من احد اقطاب الحركة الكردية وباتت الابواب امامها مفتوحة للعب دور اكبر .

5 – قد تتغير سياسة حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، فالكثير من العناصر لم تكن مقتنعة بالطريقة التي يسير عليها الحزب لكنها كانت تصطدم بالرمزية التي يمثلها الطالباني، اما بعد وفاته فلن تجد هناك معوقات كبيرة للبوح برؤاها الخاصة .

اذن، لن يكون لرحيل الطالباني انعكاسات حقيقية على القضية الكردية، بقدر ماهي انعكاسات رمزية قد تصب في صالح السيد مسعود البرزاني، باستثناء اذا ما غير حزب الاتحاد الوطني من سياساته داخل الاقليم، او ظهرت شخصيات جديدة لتملئ الفراغ الذي خلفه رحيل الطالباني.

مقالات ذات صلة