الحكومة العراقية واطروحة الاقليم السني

د. سعدي الابراهيم

باحث في قسم ادارة الازمات

مركز الدراسات الاستراتيجية بجامعة كربلاء

بالرغم من ان المطالبة بتشكيل الاقاليم هو حق دستوري، الا انها تحولت الى ورقة سياسية ترفعها القوى السياسية السنية كلما ضعف موقفها امامها الحكومة ...

---------------

كانت القوى السياسية العراق هي الجهة الاكثر معارضة للمواد التي تنص على الفيدرالية في دستور العراق الدائم لعام 2005 . ورفضت هذه القوى في الوقت نفسه الدعوات التي اطلقتها بعض القوى السياسية الشيعية امثال دعوة السيد (عبد العزيز الحكيم) لأنشاء اقليم في الجنوب والفرات الاوسط . على اعتبار انها تشكل خطرا على وحدة العراق واستقراره في المستقبل. وانعكس ذلك الرفض على الشارع السني اجمع، الذي سرعان ما انخرط ابناءه بتشكيل الفصائل المسلحة لمقاومة القوات الامريكية، فضلا عن استقطاب الجماعات المتطرفة من خارج البلاد وعلى رأسها القاعدة .

الا ان تغيرا جذريا في الموقف السياسي السني من الفيدرالية قد حدث مع خروج القوات الامريكية من العراق، اذ سرعان ما تبدلت الادوار، فتبنت القوى السياسية الشيعية الموقف السني القديم الرافض للأقاليم واخذت القوى السنية الموقف السياسي الشيعي المطالب بتشكيلها . واذا ما اردنا ان نحدد الاسباب التي ادت الى هذا التبادل في المواقف ، فمن الممكن ان نلخصها بالاتي :

1 – سيطرة الجماعات المتطرفة القادمة من الخارج على الموقف السني، وهي جماعات لا تقف معارضتها وعدائها للقوات الامريكية فحسب، بل يمتد الى الدولة العراقية بكل مؤسساتها التي تشكلت عقب عام 2003.

2 – فشل القوى السياسية الشيعية في ان تفصل ما بين المقاومة السنية للقوات الامريكية، وما بين الجماعات المتطرفة القادمة من خارج البلاد . الامر الذي ادى في النهاية الى ان يتحالف البعض من القوى النسية مع الخارج الرافض للدولة العراقية والتغيير الذي حدث فيها .

3 – المحاصصة السياسية، والتحالفات التي اقامتها القوى السياسية الشيعية مع الساسة الكورد، قد اظهرت بأن القوى السنية معزولة وليس لها تأثير حقيقي على القرار السياسي العراقي، الامر الذي دفع البعض من القوى السياسية السنية لأن تفكر بتشكيل اقاليم تعوضها عن خسارتها السياسية في بغداد .

4 – الصراعات المذهبية الاقليمية، تمكنت في النهاية من ان تشق الصف السياسي العراقي، وتشق الشارع فيما بعد، وباتت هناك حدود افتراضية لا تنتظر سوى الاعتراف الرسمي بها .

لم تدرك القوى السياسية الشيعية هذه النقاط الا بعد فوات الاوان، حيث ذهب البعض من القوى السياسية السنية والبعض من المواطنين السنة باتجاه التصعيد، الذي جاء منسجما مع المتغيرات التي شهدتها المنطقة الاقليمية المحيطة (الربيع العربي) حيث صارت بعض المناطق بيئة خصبة للجماعات المتطرفة التي تحمل افكار هدامة ضد الدولة وضد المكونات الاخرى في البلاد . هذه الاخطاء كلفت العراق خسائر طائلة بالارواح والاموال بعد ان سيطرت الجماعات المتطرفة (داعش) على اغلب المناطق السنية في البلاد، وتطلبت عملية تحرير الاراضي اكثر من ثلاثة سنوات ، هدمت بسببها الكثير من المدن مع انتشار الامراض الاجتماعية الاخرى : التهجير والبطالة والفقر والايتام والارامل .

ان المرحلة الحرجة التي هددت وجود الدولة العراقية والتي امتدت من حزيران 2014 وحتى عام 2016، كان من المفترض ان تكون درسا كافيا كي تتعلم القوى السياسية العراقية من اخطائها السابقة، وان يتعلم الشعب العراقي ايضا ان الاستعانة بالخارج او الاستماع الى الفكر المتطرف لن يزيد اموره الا سوءا .

في الحقيقة هذا التجربة قد اتت اؤكلها ، وباتت العقلانية والحذر سمة واضحة على اداء القوى السياسية السنية والشيعية، حتى صارت عبارة (لا ترجعونا الى ايام داعش) عبارة يرددها الشارع كلما ظهر خطاب سياسي طائفي او دعوات للمعارضة او الوقوف بوجه الدولة .

اذا كانت تجربة (داعش) قد اثمرت عن وجود رأي عام سياسي وشعبي رافض للصراعات الطائفية، ورافض لأي نداء يشق الصف الوطني ، اذن لماذا تطالب بعض القوى السياسية السنية بتشكيل اقليم ؟

ربما ان الاجابة عن مثل هذا السؤال تكمن في النقاط الاتية :

1 – الضغط السياسي الكردي على المكون السني عامة، وعلى الساسة السنة خاصة ، اذ يتخذ اغلب الساسة السنة من الاقليم ملاذا امن لهم ولعوائلهم ولمصالحهم الاقتصادية ، وبالتالي تستخدم القوى السياسية الكردية هذه الورقة للضغط عليهم في سبيل ان تكون مواقفهم داعمة لإقليم كردستان في توجهه نحو الانفصال، او على الاقل في سبيل اضعاف الحكومة الاتحادية وتشتيت رؤيتها .

2 – الكثير من القوى السياسية السنية، قد حسم موقفها قضائيا، اي ان هناك ملفات تثبت تعاونها مع الارهاب، او على الاقل عدم رفضها له، هذه القوى لن يكون بأماكنها العودة الى العمل السياسي في بغداد ، وبالتالي قد هي تبحث عن فرصة لها في الاقاليم.

3 - تأخر الاجراءات الحكومية في ارجاع المناطق المحررة الى اوضاعها الطبيعية، الامر الذي خلق نوع من التذمر لدى الاهالي صار بمثابة الضوء الاخضر لبعض القوى السياسية السنية للمطالبة بالإقليم .

4 – بالرغم من تحسن العلاقات العراقية مع الدول العربية وتركيا، الا انها لم توضع على اسس ثابتة لحد الان ، الامر الذي يجعل العراق دولة غير مأمونة الجانب من قبلها وبالتالي فلا تجد ضير من ان تدعم تشكيل اقاليم فيها .

اما عن الاليات التي ينبغي ان تتبعها الحكومة العراقية للتعامل مع مثل هذه الدعوات، فمن الممكن ان تتمثل بالاتي:

1 – التفريق ما بين القوى السياسية السنية الوطنية، او لنقل المعتدلة والمنسجمة مع الدولة العراقية والحكومة الحالية، بغية تقليل تأثرها وعزلها .

2 – التفريق ما بين القوى السياسية السنية والشارع السني، فالواقع يشير الى وجود بونا شاسعا ما بينهما، وذلك نتيجة لإخفاق الساسة السنة في تحقيق مطالب الشارع، خاصة بعد ان ادت سياساتهم الخاطئة الى ان دخول (داعش) الى المدن السنية . ومن خلال هذا التمييز سيتم التعرف على التوجهات الحقيقية للشارع السني .

3 – الإسراع بإعادة الحياة الى المدن المحررة، وامتصاص غضب الشارع وسخطه جراء نقص الخدمات والمشاكل الاخرى التي خلفتها سيطرة الجماعات المتطرفة على المدن السنية .

4 – الدخول مع الدول المجاورة في معاهدة اقليمية، وبالأخص العربية منها، لغرض كسبها الى جانب العراق او على الاقل ضمان حيادها وعدم لعبها دور المحامي عن سنة العراق .

5 – دعم ظهور قوى سياسية سنية جديدة، تكون اكثر انسجاما مع الدولة واكثر تمثيلا للشارع السني .

6 – ابقاء القوات العراقية المسلحة في المناطق السنية، والعمل على تقوية علاقتها بالأهالي هناك، ودمجهم في الاجهزة الامنية، كون عدم الاستقرار الامني قد يساعد على عودة الجماعات المتطرفة التي قد تقود الشارع السني باتجاه معاكس لرغبة الحكومة .

7 – اشراك القوى السياسية السنية بشكل اكبر في القرار السياسي، بغية تفويت الفرصة على الجهات التي تتذرع بوجود تهميش واقصاء للسنة يبرر لها الذهاب باتجاه الاقاليم .

8 – اجبار اقليم كردستان العراق على افراغ اراضيه من القوى السياسية لتي تشكل خطر على وحدة العراق، ومن بينها الاطراف السنية التي كانت تتعامل او تغض الطرف عن (داعش).

9 – اتخاذ سياسات اقليمية محايدة، توازن ما بين ايران والدول العربية، لأن الاخلال بهذه العلاقة سيولد صراعات ما بين الطرفين يكون العراق ساحة له .

اذن، يبدو ان القوى السياسية التي تطالب بتشكيل اقليم للسنة في العراق، لا تنطلق من ارادة شعبية حقيقية، وانما هو استمرار لمواقفها السابقة الرافضة لعراق ما بعد عام 2003. وهنا ينبغي على صانع القرار السياسي العراقي ان يميز ما بينها وما بين الشارع السني، وما بين القوى السياسية السنية الحقيقية ذات الاطر الوطنية. فضلا عن ضرورة ضمان حياد الدول الاقليمية عبر التوقيع على معاهدة ضامنة لوحدة العراق.

مقالات ذات صلة