موقف القانون الدولي من استفتاء اقليم كردستان العراق

بقلم: د. محمد سلمان محمود

رئيس قسم القانون الخاص - كلية القانون-جامعة ميسان

باحث مشارك في قسم الدراسات القانونية – مركز الدراسات الاستراتيجية - جامعة كربلاء

تشرين الاول-اكتوبر 2017

ان القانون الدولي يقر بمبدأ حق الشعوب بتقرير مصيرها، وهذا ما تم ذكره في ميثاق الامم المتحدة واهدافها، اذ جاء في الميثاق في فصله الأول البند الثاني من المادة الأولى والتي نصت على: « إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس إحترام المبدأ الذي يقتضي بالمساواة في الحقوق بين الشعوب، وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها،

 

وكذلك إتخاذ التدابير الأخرى الملائمة لتعزيز السلم العام.وفي السياق ذاته جاءت المادة الخامسة والخمسون من الفصل التاسع الخاص بالتعاون الدولي والاقتصادي والاجتماعي، إذ نصت على: (رغبته في تهيئة دواعي الاستقرار والرفاهية الضروريين لقيام علاقات سليمة ودية بين الأمم، مؤسسه على احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب، وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها). وكذلك أوصت الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها (637/7) عام 1952، بأن: (يجري التحقق من رغبات الشعوب عن طريق الاستفتاء أو أية وسيلة ديمقراطية أخرى سليمة ويفضل أن يتم تحت إشراف الأمم المتحدة). وأكدت الجمعية العامة في العديد من قراراتها على أن الإعلان العالمي لحق الشعوب في تقرير المصير يتحدد بالقواعد القانونية المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة، وفي العهدين الدوليين الخاصين بحقوق الإنسان، وكذلك في إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة الوارد في قرار الجمعية العامة (1514)، الدورة (15)، المؤرخ 14 كانون الأول/ ديسمبر 1960.

وتشير الجمعية العامة باستمرار إلى القرارات ذات الصلة التي إتخذﺗﻬا لجنة حقوق الإنسان في الدورة الحادية والستين المنعقدة عام 2005 والدورات السابقة، بشأن انتهاك حق الشعوب في تقرير المصير وغيره من حقوق الإنسان نتيجة لأعمال التدخل والعدوان والاحتلالات العسكرية الأجنبية.

لكن المبدأ اعلاه لم يتم ترسيخه ولم يحدد اليات تطبيقه، ومع ذلك ان احترام الامم المتحدة وقواعد القانون الدولي العام لمفردة السيادة يعلو على مبدا تقرير المصير، وهذا ما تنص عليه اغلب المعاهدات والاتفاقيات الدولية الجماعية والثنائية المنظمة للعلاقات الدولية والاقليمية والمصادق عليها في الامانة العامة للامم المتحدة.

أذن المعروف أن القاعدة المؤسِّسة للقانون الدولي إنما تقوم على مبدأ سيادة الدولة، التي نص عليها ميثاق الأمم المتحدة واعترافه بالحق الحصري للدول بفرض سلطتها وممارستها صلاحياتها على أراضيها وسكانها، ويبدو ان الوارد عن حق تقرير المصير في ميثاق الامم المتحدة يعالج حالات الاستعمار ودعم حركات التحرر الوطني المناهضة له ولا يتعدى دعم انفصال او انشطار جهة او جماعة من دولة موحدة ذات سيادة نتيجة خلافات سياسية واقتصادية اطلاقا.

غير أن مبدأ السيادة تعرض للكثير من التحديات بسبب المطالب المتصاعدة بإدراج قوانين حقوق الإنسان ضمن النظرة الشاملة للقانون الدولي. ويعني ذلك بالدرجة الأولى أنه لا يمكن التغاضي عن انتهاكات حقوق الإنسان، وأن على القانون الدولي أن يهتم بها أكثر حتى لا يتستر المنتهكون وراء الحصانة التي يوفرها لهم مبدأ سيادة الدولة، وهذا ما يعد ثغرة تستطيع من خلالها الشعوب والقوميات والمكونات والاقليات ان تعتدّ به للمطالبة بالاستقلال او الحكم الذاتي. ولكن في هذه الحالة يتم تبرير منطق التدخل لإعطاء الأولوية لحقوق الإنسان على السيادة مما يعرض الجهة الطالبة للانفصال لارتهان مبدأ السيادة الساعية اليه .

اذ في كل الحالات الواردة في المجتمع الدولي التي بررت الانفصال للشعوب والقوميات مورس بحقها مبدأ التدخل والوصاية الدولية بطريقة دائمة ، بدون ان تسترشد القوى الدولية النافذة والداعمة في ذلك بمبادئ العدالة والقانون الدولي. اذ حولت مبررات التدخل ومنح الاستقلال من ضرورات حقوق الانسان وحقن الدماء الى الاحتجاج المدفوع باعتبارات الصراع السياسي، ولا علاقة له بحماية حقوق الأقليات وغيرها من التصورات المثالية.

ومع الأسف تطغى المقاربة الانتقائية في تطبيق القانون الدولي، والنظرة التمييزية في الاهتمام بحقوق الإنسان على أي اعتبارات أخرى وهذه الحالة حصلت في كوسوفو عام ٢٠٠٨، اذ لخص سيرغي لافروف وزير خارجية روسيا هذه الانتقائية وقارن بين كوسوفو وفلسطين وسأل مجموعة الثماني في وقتها :"لماذا هذه السرعة في منح كوسوفو الاستقلال بينما فشلتم طيلة الأربعين عاماً الأخيرة في دعم استقلال الفلسطينيين".

ويمكن الجزم ان القانون الدولي يتضمن اشكالية ثنائية هما دعم حق سيادة ووحدة الدول بما لا لبس فيه وهي حالة داخلية، وحق تقرير المصير للامم والشعوب وهي حالة خارجية مغايرة، لكن كل القرارات الصادرة عن الامم المتحدة حول حق تقرير المصير تعالج حالات تصفية الاستعمار والمستعمرات وترقيتها مما يؤكد ان حق تقرير المصير قد انتهى العمل به؛ لان فقد السبب يقتضي انتهاء المسبب ، وعلى العكس لايمكن انتهاء حق الدول في الحفاظ على سيادتها ووحدة اراضيها لانه حق ثابت مستقر لا يزول الا بزوال الدولة ذاتها.وهذا ينسحب على واقعة هذه المقالة التي تتحدث على موقف اقليم كردستان العراق من الاستفتاء الشعبي في الانفصال وتكوين دولة جديدة، فالاحتجاج بمبادئ القانون الدولي منقوص بل منعدم الاصل ولا تخريجة له ، وحتى في سياق السوابق التاريخية لم نجد حالة تشكل اعمالا للمطالبة بالانفصال عن طريق الاستفتاء الشعبي.

اما على صعيد التكييف في دستور 2005 العراقي لاجراء الاستفتاء في اقليم كردستان العراق من اجل الانفصال وتشكيل دولة جديدة فمحسوم دستوريا وواقعيا فهو ليس موضع خلاف بل مخالفة دستورية وقانونية تهدد استقرار العراق، وتجعل انفصال الاقليم حالة شاذة تعيب على الدستور والعملية السياسية برمتها في العراق فلا توجد ظروف تعزز هذا الاستفتاء، رغم ان ظروف عام ١٩٩١ كانت انسب بكثير لاعلان مثل هذه الخطوة رغم انها محفوفة بمخاطر اقليمية رادعة مستمرة الى الان وترفض الانفصال الكردي عن العراق.

ولابد ان تتحرك الحكومة العراقية وفقا لسياقات قضائية وتحتج عند المحكمة الاتحادية العليا، وان ياخذ القضاء دوره كما حصل في كندا، اذ ارادت الحكومة الكندية اعلان استقلال اقليم كيبيك انسياقا لحركة انفصالية تريد اعلان الفرنكفونية، واعلنت المحكمة ان الحكومة لاتملك هذا الحق وهي ملزمة بالتقيد بالحفاظ على وحدة اراضي كندا وانه لايجوز تطبيق حق تقرير المصير على حالة كيبيك وبررت ذلك بعدم تضمن القانون الدولي مايسمى حق افضلية من الشعب في الانفصال عن وطنها بارادتها المنفردة.

وفي السياق ذاته يمكن التطرق الى حالة عرض النزاع واعلان الانفصال امام الامم المتحدة فيما يخص حالة دولة المغرب والصحراء الغربية، فقد جنحت الامم المتحدة في حل مشكلة الصحراء بالحكم لصالح المغرب واقتضت الحفاظ على وحدة التراب الوطني وبقاء الصحراء المغربية تحت سيادة دولة المغرب ، مستندة الى انسجام الحكم مع القانون الدولي واستبعاد تطبيق مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها على ظاهرة نزعة الانفصال لان القانون الدولي يرفض هذا الخيار.

يبقى ان نقول ان من اهم عناصر قيام الدولة المعاصرة ليست فقط الارض والشعب والحكومة انما كذلك السيادة والاعتراف الاقليمي والدولي.

مقالات ذات صلة