كيف سيستغل العراق المواقف الرافضة لانفصال إقليم كوردستان؟

ميثاق مناحي العيساوي باحث في مركز الدراسات الاستراتيجية جامعة كربلاء

ميثاق مناحي العيساوي

قسم الدراسات السياسية/ مركز الدراسات الاستراتيجية-جامعة كربلاء

تشرين الأول/ أكتوبر 2017

أثارت قضية استفتاء إقليم كردستان العراق الكثير من الجدل على المستويين الداخلي والخارجي، وبغض النظر عن تداعيات الاستفتاء والنتائج التي تمخض عنها، تبقى مسألة المواقف الدولية والإقليمية الفيصل في مستقبل مشروع الدولة الكردية. وقد يتسائل البعض عن أي المواقف التي من الممكن أن تعول عليها الحكومة العراقية في أجهاض أي سيناريو مستقبلي لانفصال شمال العراق؟

على الرغم من أن المواقف الدولية كانت رافضة بشكل عام لمشروع الانفصال، سواء فيما يتعلق بالموقف الأمريكي أو الأوروبي، فضلاً عن الموقف العربي والأسيوي، إلا أن أغلب هذه المواقف غير ثابتة ‘‘أن لم تكن جميعها‘‘ ولا يمكن التعويل عليها بالنسبة لحكومة بغداد. فالموقف الأمريكي المتأرجح جاء متناغماً مع مصالحه القومية سواء فيما يتعلق بمصالحه السياسية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط أو فيما يتعلق برؤيته السياسية والعسكرية للصراع في المنطقة والحرب ضد تنظيم "داعش". فالجميع مدرك للمواقف الرسمية السابقة للإدارات الأمريكية المتلاحقة من القضية الكردية، وما يمثله الحليف الكردي في الإدراك السياسي والاستراتيجي الأمريكي على المدى البعيد. فالمواقف الأمريكية الرسمية داعمة للأكراد بشكل علني، لاسيما بعد عام 2003، والجميع يتذكر نائب الرئيس الأمريكي جون بايدن، وعراب فكرة مشروع تقسيم العراق في عهد الرئيس جورج بوش الأبن، وكذلك لا ننسى مواقف الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس باراك أوباما من الحليف الكردي، سواء فيما يتعلق بتوجهاتهم الانفصالية أو فيما يتعلق ببداية الحرب ضد تنظيم "داعش" الإرهابي عندما هاجم التنظيم أربيل في أب/ اغسطس 2014. وهي في الغالب مواقف مشجعة لتوجهات القيادة الكردية على الحكومة الاتحادية، وداعمة لتوجهات السيد مسعود البارزاني في التمرد على باقي الفرقاء السياسيين، سواء داخل الإقليم أو في الحكومة الاتحادية، على الرغم من انتهاء ولايته الرئاسية كرئيس لإقليم كردستان. هذه المواقف اعطت السيد البارزاني وعائلته السياسية بشكل خاص، والاحزاب الكردية بشكل عام، حرية أكبر في المناورة السياسية ضد الحكومة المركزية في التحايل والانقلاب على الدستور العراقي والتصرف خارج إرادة الحكومة المركزية وعدم الالتزام بقراراتها المركزية. ولهذا لا يمكن لحكومة بغداد التعويل على الموقف الأمريكي؛ لأنه موقف ركيك غير ثاب ومتأرجح ولا يملك وسائل ضغط قوية وفعّالة من شأنها أن تشكل رادع قوي على توجهات الكرد الانفصالية. كما هو الحال بالنسبة للموقف الأوروبي بشكل عام، فالدول الأوروبية شأنها شأن الولايات المتحدة الأمريكية لا تمتلك وسائل ضغط قوية على صانع القرار الكردي أو قد تكون داعمة بشكل غير علني لمشروع الانفصال. فالدول الفاعلة داخل الاتحاد الأوروبي مثل المانيا وفرنسا، فضلاً عن بريطانيا ‘‘التي خرجت من الاتحاد‘‘، أظهرت في مرات عدة دعمها لتوجهات القيادة الكردية سواء فيما يتعلق بعمليات دعم قوات البيشمركة وتسليحها خارج إطار الحكومة المركزية ووزارة الدفاع العراقية أو فيما يتعلق بمواقفها السياسية الساندة لتوجهات القيادة الكردية وسياستها المتبعة ضد الحكومة المركزية. فهذه الدول لم تمارس أي سياسة ضغط قبل 25 ايلول/ سبتمبر 2017 اتجاه إقليم كردستان بل ساعدته في التمرد على الحكومة المركزية في وقت سابق، كما هو الحال بالنسبة للموقف التركي والروسي. فتركيا كانت أول الداعمين للسيد مسعود البارزاني في تمرده على المركز من خلال بيع النفط والاستيلاء على ايرادات المنافذ الحدودية والخروج عن طاعة بغداد، وقد صنعت منه غولاً تهدد به الحكومة العراقية من خلال العلاقة التي ربطته بالرئيس التركي.

أما بالنسبة للموقف العربي والخليجي على وجه التحديد، فهو موقف داعم لوحدة العراق في الظاهر، لكنه قد يكون رافض له في الباطن. فالسعودية والأمارات قد اعلنت موقفها الرافض بشكل علني، إلا أنهما تسعيان إلى تقسيمه؛ وذلك من أجل مناكفة تركيا المنافس الإسلامي للسعودية، فضلاً عن ذلك فأن السعودية ترغب بدولة كردية فاصلة بين العراق وإيران وحليفة للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل. ولا يختلف الحال كثيراً بالنسبة للرؤية القطرية، فالدوحة عادة ما ترحب بفكرة تقسيم دول المنطقة إلى دويلات صغيرة؛ وذلك من أجل أن تتساوى دول المنطقة في المساحة الجغرافية مع مساحتها الجغرافية.

وعلى الرغم من عدم ثقة الحكومة العراقية بكل المواقف الدولية والإقليمية الرافضة لفكرة التقسيم، إلا أنه يمكنها التعويل على الموقفين الإقليميين "إيران وتركيا" بشكل كبير في تقويض أي مشروع مستقبلي بشأن انفصال شمال العراق وإعلان الدولة الكردية، لاسيما بعد 25ايلول/ سبتمبر 2017. فتركيا وإيران على الرغم من علاقتهما القوية بشمال العراق (المتمثلة بعلاقة الأولى بأربيل وعلاقة الثانية بالسليمانية) إلا أن أنقره وطهران لا تسمحان بإقامة دولة كردية في شمال العراق، فالأمر بالنسبة لهما قضية أمن قومي وتهديد مجتمعي للمجتمعين الإيراني والتركي. وعليه، على صانع القرار العراقي والحكومة العراقية ووزارة الخارجية العراقية والدوائر المعنية بصنع السياسة الخارجية أن تؤطر لسياسة خارجية جديدة تعمل بموجبها على تعضيد العلاقات الخارجية مع تركيا وإيران، مختلفة عن سياسة ما قبل 25ايلول/ سبتمبر، وأن تجعل من فكرة انفصال شمال العراق قضية عامة ومشتركة بين العراق والدول الإقليمية، وأن تكثف جهودها الدبلوماسية في إعادة العلاقات الخارجية مع تركيا وتلطيف الاجواء على المستوى البعيد؛ لأن كسب الموقف الإقليمي المجاور لشمال العراق، معناه كسب عراق موحد حتى وأن تغيرت الإدارات في المستقبل البعيد؛ لأن الطبيعة الجغرافية للأراضي الكردية التي تفتقد للعمق الاستراتيجي، لا تسمح للأكراد بالمناورة الدولية دون موافقة الدول المجاورة للإقليم، فضلا عن ذلك، فأن فقدان الممر المائي نحو الخليج والمتوسط والبحر الاسود، وغياب الاتصال المباشر مع العالم الخارجي تبقى من أهم نقاط ضعف المشروع الكردي التي ستكون نقاط قوة بالنسبة لبغداد وأنقره وطهران. ولهذا سيبقى السؤال مطروحاً على صانع القرار العراقي هل ستعمل بغداد على دعم موقفها الرافض لمشروع التقسيم بخارطة طريق جديدة مع أنقرة وطهران دون التدخل بالشأن الداخلي أم ستكون الصور النمطية السابقة المرسومة في ذهن صانع القرار العراقي اتجاه تركيا عائقاً إمام العراق في مد جسور التعاون الاستراتيجي مع الدول المجاورة بشكل عام وأنقرة بشكل خاص؟  

مقالات ذات صلة