استراتيجية ترامب اتجاه إيران بين الغموض والرفض

ميثاق مناحي العيساوي باحث في مركز الدراسات الاستراتيجية جامعة كربلاء

م. م. ميثاق مناحي العيساوي

باحث في قسم الدراسات السياسية

مركز الدراسات الاستراتيجية- جامعة كربلاء

تشرين الأول/ 2017

يبدو أن إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، كانت مدركة لحجم التحديات في صياغة الاتفاق النووي على شكل معاهدة ثنائية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران؛ وذلك لأن أبرام المعاهدة وفقاً للقانون الأمريكي يتطلب تصديق من مجلسي الشيوخ والنواب معاً. والرئيس أوباما أنذاك، كان يدرك صعوبة حصول ذلك؛ لذا لجأ إلى عقد الاتفاق النووي بشكله الحالي. وبما أن الكونغرس لم يكن راضياً على الرئيس أوباما في حينها، طلب من الأخير بأن يراجع بنود الاتفاق كل ثلاثة أشهر؛ لينظر في مصداقية طهران والتزامها ببنود الاتفاق من عدمها. وكان الرئيس ترامب قد صادق على الاتفاق في مناسبتين قبل أن يرفض التصديق عليه في المرة الثالثة؛ وذلك ليس بسبب عدم التزام طهران ببنود الاتفاق، وإنما لسبب عدم قناعة الرئيس ترامب بهذا الاتفاق، فقد كان رافضا له ووعد بتفكيكه خلال دعايته الانتخابية قبل أن يصبح رئيساً للولايات المتحدة. وبهذا الرفض اعلن الرئيس الأمريكي عن استراتيجيته الجديدة لمعالجة الانتهاكات الإيرانية "على حد وصفه". هذه الاستراتيجية تتضمن فرض عقوبات اضافية على إيران، وحرمانها من الحصول على سلاح نووي، كما ستستهدف برامج إيران الصاروخية "الباليستية"، وفرض حضر على الحرس الثوري الإيراني ومسؤوليه، فضلاً عن تهديد الرئيس بإلغاء الاتفاق النووي والانسحاب منه.

وعلى ما يبدو بأن هناك غموض يكتنف هذه الاستراتيجية التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الجمعة 13 تشيرين الاول/ اكتوبر2017. وبالرغم من ذلك، إلا أنها كانت واضحة في نقطتين: الأولى، عدم توقيع الرئيس على الاتفاق النووي، ورميه للكرة بملعب الكونغرس. النقطة الثانية، فرض عقوبات على الحرس الثوري الإيراني. إلا أنه حتى هاتين النقطتين ربما تكونا غير مجديتين لاستراتيجية ترامب إمام طموح طهران؛ وذلك بسبب التعقيد الذي يكتنف النقطة الأولى المتعلقة برفض الاتفاق أو الانسحاب منه أو إعادة التفاوض عليه. فالمجتمع الدولي واطراف الاتفاق بشكل عام رافضه إعادة التفاوض عليه. وهذا ما جاء على لسان فريديريكا موغيريني "منسقة العلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي" التي رأت بأن ترامب لا يملك صلاحية إلغاء الاتفاق. فضلاً عن ذلك، فأن موقف الطاقة الذرية من إيران حيال التزامها ببنود الاتفاق موقف سليم جداً. أما بالنسبة للموقف الأمريكي الداخلي المتعلق بموقف المؤسسات الرسمية المعنية بصنع القرار الأمريكي، فمؤكد أن هذه المؤسسات لا تريد أن تضع الولايات المتحدة بمواجهة سياسية وإعلامية إمام شركائها الأوروبين والمجتمع الدولي، وبالتالي فأن الــ (60) يوم التي وضعها الرئيس الأمريكي إمام الكونغرس للنظر في مستقبل الاتفاق النووي، قد تشهد تقلبات كبيرة، وربما قد تتأثر بالمواقف وردود الافعال الدولية، أو قد تكون عبارة عن استقراء لهذه المواقف حيال نوايا الرئيس من الاتفاق النووي، وربما تكون بالفعل كما ارادها ترامب بمثابة الضربة التي سيوجهها الرئيس للاتفاق النووي ولجهود المجتمع الدولي، إلا أن كل تلك الاحتمالات لا يمكنها أن تحدث شرخاً بين طهران والمجتمع الدولي.

أما بالنسبة للنقطة الثانية المتعلقة بالعقوبات التي فرضتها وزارة الخزانة الأمريكية على الحرس الثوري الإيراني، فعلى ما يبدو بأنها ليست ذات قيمة حقيقة على أرض الواقع؛ وذلك لعدة أسباب: منها ما يتعلق بتعاملات الحرس الثوري الإيراني المالية، والتي تتم غالباً مع بنوك بعيدة عن الرقابة الأمريكية وربما لا تتعامل معها بالمطلق، أو قد تكون بنوك داعمة للسياسة الإيرانية كالبنوك الصينية أو الروسية أو غيرها من البنوك القريبة من طهران سياسياً. فضلاً عن ذلك، فأن انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي سيوتر العلاقات بين واشنطن وأوروبا، ولهذا ربما تكون البنوك الأوروبية متاحة إمام تعاملات الحرس الثوري، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فأن هذه العقوبات لا يمكنها التأثير على نشاط الحرس الثوري الإيراني لسببين: الاول، يتعلق بعدم جدوى سياسة العقوبات التي انتهجتها واشنطن اتجاه إيران منذ سنوات، كما أن هناك عقوبات في الأصل كانت مفروضة على الحرس الثوري منذ العام 2007، إلا أنها لم تقوض حركته السياسية وناشطه الإقليمي في المنطقة. أما السبب الثاني، فهو يتعلق بالمساحة الجغرافية والايديولوجية التي يمتد فيها الحرس الثوري والتي تمكنه من ممارسة نشاطه السياسي والعسكري الإقليمي بأريحية كبيرة بعيداً عن التأثير الأمريكي.

من خلال ذلك، يبدو بأن الرئيس الأمريكي بهذه الطريقة يستخدم سياسة العصا لكنه لم يستخدم الجزرة! والسؤال هنا ما هي الجزرة التي سيستخدمها الرئيس الأمريكي في اقناع إيران بتغيير تصرفاتها أو اقناعها بإعادة التفاوض على بعض بنود الاتفاق؟. ونتيجة لذلك يمكن وصف الاستراتيجية التي اعلنها الرئيس الأمريكي اتجاه إيران، بأنها غامضة وغير واضحة، فضلا عن ذلك، فأن المجتمع الدولي وشركاء الولايات المتحدة الأمريكية في أوروبا واطراف الاتفاق النووي، رافضين لهذه الاستراتيجية، ويرفضون كذلك إعادة التفاوض حول بنود الاتفاق النووي، كما أن عدم وضوح الطرق والآليات التي ستنتهجها الإدارة الأمريكية ضد طهران، تجعل من هذه الاستراتيجية أكثر غموضاً.

مقالات ذات صلة