الخيار الثالث في كركوك

 م. م. حسين باسم  باحث في قسم الدراسات السياسية  مركز الدراسات الاستراتيجية-جامعة كربلاء

م. م. حسين باسم

باحث في قسم الدراسات السياسية

مركز الدراسات الاستراتيجية-جامعة كربلاء

تشرين الاول/ 2017

نشر معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى مقالا للكاتب البارز "مايكل نايتس" بعنوان "أولويات الولايات المتحدة في مواجهات كركوك" وذلك أمس الأول بتاريخ 13 تشرين الأول/أكتوبر 2017. وقد إرتكز المقال على وجهة نظر أساسية مفادها بإن "توترات كركوك توفر فرصة واسعة لبدء الحوار بعد الإمتناع عن إجرائه". وذلك في إعقاب التزام حكومة بغداد المركزية بالإمتناع عن إجراء أي حوار مع القوى الكردية من دون قبولهم بالغاء نتائج أستفتاء يوم 25 أيلول/سبتمبر غير الدستوري.

وقد اوضح "نايتس" بأن التوتر الجاري في كركوك بين بغداد وأربيل، ولاسيما مع اقتراب نهاية المهلة التي أعطتها الحكومة المركزية العراقية لقوات "البيشمركة" للانسحاب إلى مواقعهم قبل عام 2014 في محافظة كركوك مساء السبت ينطوي على ثلاث سيناريوهات محتملة:

السيناريو الأول:

قد تستأنف قوات الحكومة المركزية في بغداد تقدمها بعد الموعد النهائي، ثم تتوقف أو تتراجع إذا تصدت لها قوات البيشمركة ومنعتها من دخول القواعد العسكرية وحقول النفط في كركوك.

السيناريو الثاني:

أن تنجح القوات الحكومية في السعي نحو أهدافها.

ويوضح "نايتس" وجهة نظره تجاه الإحتمالان السابقان قائلاً: ويمكن لأي من هذه السيناريوهات الأولية أن يولد أزمة كبرى؛ ذلك أنه سواء نجحت القوات الحكومية أم فشلت، فمن المرجح أن تُسفك الدماء خلال المواجهة، الأمر الذي قد يدفع إلى مواجهة أكبر حجما.

السيناريو الثالث:

أما السيناريو الثالث، فيفترض "نايتس" بأنه ومن حسن الحظ يوجد هناك خيار ثالث أكثر جاذبية، ومفاده هو: منذ استفتاء استقلال «إقليم كردستان العراق» في 25 أيلول/ سبتمبر، لم تكن بغداد مستعدة للدخول في مفاوضات غير مشروطة مع «حكومة اقليم كردستان»، وطالبت أربيل بالتخلي علناً عن التصويت بطريقة ما قبل العودة إلى طاولة المفاوضات. ومع ذلك، توفر أزمة كركوك ذريعة واضحة لبغداد لإجراء محادثات طارئة مباشرة، ودون فقدان ماء الوجه بشأن التنحي عن طلب التخلي عن التصويت (على الأقل في المدى القصير). ويمكن أن تركز هذه المحادثات على التسوية المقترحة من قبل «الاتحاد الوطني الكردستاني» وهي: فكرة الإدارة المشتركة المؤقتة في كركوك.

ومن خلال السيناريو الثالث ينتهي "نايتس" الى أمكانية أن يؤدي هذا التوجّه إلى تهدئة الأزمة بعض الشئ، ويخفّف من حدّة التوترات العسكرية في كركوك.

في الواقع، لا يُخفي "نايتس" بأن إقتراحه آنف الذكر ينطلق من وحي مصلحة الولايات المتحدة في العراق القائمة على الإستقرار بين بغداد وأربيل في مواجهة "داعش" ، ولذلك وضع "نايتس" مقاله تحت عنوان : "أولويات الولايات المتحدة في مواجهات كركوك". ومن ثم، لم تستند وجهة نظر "نايتس" الداعمة للإستقرار على أساس الحق والشرعية التاريخية، وإنما أستندت عوضا عن ذلك على أساس "المصلحة" في مواجهة "داعش" وما تقتضيه تلك المواجهة من إستقرار وعدم سفك الدماء فيما بين القوات الحكومية العراقية وقوات البيشمركة.

وفي هذا الصدد، نحن نؤمن بأولوية الحلول السلمية في فض النزاعات ولكن ليس عبر المداهنة وتقديم المصلحة على الحق والشرعية. إذ أن كركوك وكافة المناطق المتنازع عليها، إنما تم التنازع عليها سابقا –إداريا فقط- وفي ظل وضع إتحادي يؤكد عراقيتها أولا وأخرا. أما وفي ظل الظروف الراهنة، ومع سعي القوى الكردية للإنفصال عن الإطار الإتحادي للعراق بالإستناد الى مبادئ حق تقرير المصير، فمن غير الممكن التخلي عن الحق والشرعية التاريخية في مناطق عراقية تحت ذريعة التنازع الإداري حولها!! وهذا هو الحال في كركوك وباقي المناطق المتنازع عليها.

كما إن دعوة ومقترح الأستاذ "نايتس" وإن كانت من وحي المصلحة الأمريكية في العراق، فإنها تنسجم مع رؤيتنا في تقديم السبل السلمية والودية في فض النزاعات. ولكن، لابد أن تتحلى هذه السبل بالإنصاف وان لا تذهب بماء وجه الحكومة المركزية في بغداد. وهنا أجد بأن مقترح الأستاذ "نايتس" الداعي لإجراء "محادثات طارئة مباشرة ترتكز على فكرة الإدارة المشتركة المؤقتة في كركوك" لا تتمتع بالإنصاف من جهة، وتذهب بماء وجه الحكومة العراقية من جهة أخرى. وذلك، لأن كركوك وكافة المناطق المتنازع عليها هي مناطق عراقية صرفة، من واجب الحكومة العراقية حمايتها والحفاظ عليها. وأن أي مداهنة وتهاون في الحفاظ على الحق –حتى وإن كان لدواعي تحقيق مصالح أخرى - سيذهب بماء وجه الحكومة المركزية في بغداد. وهنا ومع إقتراب موعد الإنتخابات في العام 2018، أحب أن الفت نظر صانع القرار في بغداد بأن رصيدكم السياسي هو في وسط وجنوب العراق، وليس في كردستان.

ختاما، أجد بأن مقترح الأستاذ "نايتس" الموسوم بـ "الخيار الثالث" على هيئته الحالية غير قابل لحل التوترات الجارية في كركوك وباقي المناطق المتنازع عليها. ولكن، ومن أجل تفعيل دعوته المقترحة توخيا لتحقيق الحلول السلمية مستقبلا، أجد بأن مراعاة الحق والشرعية التاريخية والحفاظ على ماء وجه الحكومة المركزية يقتضي إرفاق "مُلحقاً أضافيا" الى دعوة الحكومة العراقية بالتنازل من جانبها والقبول بـ "الإدارة المشتركة المؤقتة في كركوك" وهي قيام الكُرد - بالتوازي مع ذلك - بتقديم التنازل من جانبهم وذلك عبر إتاحة المجال للحكومة المركزية بممارسة مهامها السيادية على أراضي كردستان العراق، إبتداءً من مسك المنافذ الحدودية البرية والجوية وإنتهاءً بإدارة والأشراف على أصول ومصادر الثروة العامة. على أن يتم الإتفاق بأن هذه الفرصة التي يقبل بها كل من الحكومة المركزية والقوى الكردية بإنها "إتفاق مؤقت" حتى الإنتهاء من أزمة الإستفتاء والتوصل الى حل يقوم إما على بقاء الإقليم ضمن إطار الدولة الإتحادية أو الاستقلال عبر السبل السلمية والمعمول بها في إطار القانون الدولي. وإن المبرر لفكرة "المُلحق الأضافي" يستند الى أن أقليم كردستان العراق وبالرغم من معضلة الإستفتاء، ما يزال قطعة جغرافية ضمن دولة العراق الإتحادية، لم تنفصل عن العراق بعد، ولم تحظى بقبول البيئة الإقليمية والدولية، ولم تحصل على مقعد داخل الأمم المتحدة. وبهذا الشكل يتم الحفاظ على ماء وجه كِلا الطرفين، ونزع فتيل الأزمة المسلحة، ويمهد لحلول تتسم بالركون للعقل والهدوء بعيدا عن التشنج وفرض الأمر الواقع.

مقالات ذات صلة