العراق دولة ولّادة للحروب، أين ستكون الحرب القادمة؟

الدكتور ياسر المختار

باحث في قسم الدراسات القانونية – مركز الدراسات الاستراتيجية- جامعة كربلاء

تشرين الاول 2017

على مر التاريخ، والعراق بلد الحروب وتصفية الحسابات، يقول باترك كوكبيرن وهو صحفي بريطاني مخضرم في كتابه (داعش عودة الجهاديين): أن العراق في حالة طوارئ مزمنة. ويقول الكاتب سعد البزاز في كتابه (حربٌ تلد أخرى) الذي صدر بعد احتلال القوات العراقية للكويت عام 1990، تطرق من خلاله الى ظروف الحَرب، وتوقع تجدد الحروب في العراق واستمرارها، لأن قَدر هذا البلد، بحكم موقعه، ودوره في المنطقة، أن ينتهي من حرب ليدخل في أُخرى.

يأتي ذلك في ظل الحرب التي يتصاعد لهيبها في شمال العراق، بين قوّات الجيش العراقي ، وقوات البِيشمركة التابعة لحكومة إقليم كردستان على أكثر من جبهة، أحدثها جبهة زاخو قرب الحدود التركية، في محاولة للسيطرة على المعابر الرئيسية، سواء تلك المؤدية إلى بغداد أو نظيرتها إلى تركيا.

كنا نأمل أن تكون هذه الأيام هي أيام الفرح والابتهاج في كل مناطق العراق بعد انحسار خطر (الدولة الإسلامية) التي وحدت كل الخلافات في العراق ومع دول الجِوار تحت راية محاربتها، ولكن للأسف يبدو أن العراقيين سواء في شمال العراق أو وسطه أو جنوبه، لن يستطيعوا التقاط أنفاسهم بعد 14 عاماً من الحَرب سَواء ضد الاحتلال الأمريكي وتنظيم القاعدة أو تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

قواعد الاشتباك الآن انتقلت الى ما بين الحلفاء (حكومة بغداد وقيادة الاقليم جناح برزاني) الذين كانوا يقاتلون داعش في جبهةٍ واحدة، وبالتّحديد حول منطقة كركوك الغنيّة بالنفط والواقعة خارج حدود مناطق الحكم الذاتي الكردي، والتي سيطرت عليها قوات البِيشمركة عام 2014، بعد انكسار القوات العراقية في الموصل وسيطرت داعش عليها.

جاءت سيطرة القوات العراقية على كركوك كَرد على الاستفتاء الذي أصر على إجرائه رئيس إقليم كردستان مسعود برزاني، وكان مقامرة أدّت إلى نتائج عكسية تماماً، خاصة بعد تجاوزه كل الخطوط الحمر، وجعل كركوك ضمن المناطق التي شملها الاستفتاء. حكومة كردستان العراق كانت تعاني من الإفلاس وهي تصدر نفط كركوك، وتستفيد من عوائده، فكيف سيكون حالها الآن بعد خسارتها لها، ومواجهة حِصار خانق من العراق ودول الجوار: تركيا وإيران؟

ليس من المستبعد أن تظهر حرب بعد انحسار الدولة الإسلامية التي انتهت بخسارتها لعاصمتيها في العراق (الموصل)، وسورية (الرقة)، يمكن ان تكون إحداها في كركوك والمعابر الحدوديّة بين كردستان وتركيا وإيران، وثانيها بين قوات الحشد الشعبي والقوات الأمريكية في العراق التي يزيد تِعدادها عن خمسة آلاف جندي في ظل التوتر المتصاعد بين الجانبين هذه الأيام.

إن زيارة وزير الخارجية الاميركي ريكس تيلرسون الى بغداد قبل أيام أثارت غضب بعض فصائل الحشد الشعبي، عندما طالب بخروج ما سماه الميليشيات الإيرانية من العراق، في إشارة واضحة إلى هذه الفصائل، فردَّ عليه السيد قيس الخزعلي، أمين عام حركة (عصائب أهل الحق): ((بأن على الولايات المتحدة ووزير خارجيّتها ريكس تيلرسون الاستعداد لإخراج قوّاتها من العراق بعد انتهاء العُذر الذي جاءت لمُقاومته، أي الدولة الإسلاميّة)).

إذا وَضعنا في الاعتبار التحشيد الأمريكي ضد إيران هذهِ الأيام، وعَزم الرئيس دونالد ترامب إلغاء الاتفاق النووي إذا لم يتم تَعديله، ووَقف التجارب الإيرانية الباليستية، فإن علينا أن لا نَستبعد حرباً بالنيابة بين أمريكا وإيران على أرض العراق، وتهيئة المناخات أو الحاضنات لعودة (داعش) بطريقة أو بأُخرى.

السيد محمد محمدي كلبايكاني، مدير مكتب المرشد الإيراني الأعلى السيد علي خامنئي، قال عند افتتاح مجموعة مساجد: ((أن جُهود اللواء قاسم سليماني، رئيس فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني وبتوجيهاتٍ من المُرشد “أحبط خُطط تأسيس إسرائيل ثانية في إقليم كردستان العراق)).

كلام السيد كلبايكاني ربما يكون صحيحاً بالنظر إلى ما يجري على الأرض في الوقت الراهن، ولكننا لا نعتقد أن المؤامرة الإسرائيلية الأمريكية قد وُئِدت كُليا، ولا بُد من الحذر في جميع الأحوال.

مقالات ذات صلة