استفتاء الانفصال في ضوء الدستور العراقي الدائم لعام 2005

م.م اياد جعفر علي أكبر الاسدي

باحث مشارك في قسم الدراسات القانونية – مركز الدراسات الاستراتيجية

تشرين الثاني-نوفمبر -2017

س/ هل يحق للكرد في شمال العراق اجراء استفتاء الانفصال في ضوء الدستور العراقي الدائم لعام 2005؟

       يعد الدستور حجر الاساس في الدولة القانونية المعاصرة واحد الضمانات الهامة لترسيخ تلك الدولة ، فهو يحتل المرتبة الاعلى (اي قمة الهرم القانوني) وهو التشريع الأعلى في الدولة الذي يسمو على جميع التشريعات الاخرى اذ يتضمن مجموع القواعد القانونية التي تصدرها السلطة التأسيسية لتنظيم السلطات في الدولة وتحديد اختصاصاتها وعلاقتها بالأفراد وضمان الحقوق والحريات وعلى هذا فان السلطات بالدولة ملزمة بالتقيد بأحكام الدستور والا اعتبرت اعمالها غير مشروعة اوغير دستورية ، وهو ما يسمى بمبدأ المشروعية أي سيادة احكام القانون و خضوع الحكام والمحكومين له ، كما ان وجود هذا الدستور لا يكفي لتحقيق الاستقرار في الدولة ما لم يكن لجانبه قضاء محايد ومستقل يسهر على سلامته من اي خروقات تحدث هنا اوهناك والمتمثل في العراق بالمحكمة الاتحادية العليا.

 

ما ذكرناه مقدمة تمهيدية للموضوع الاساس الذي نحن بصدده والمتعلق بتكييف وتقييم أستفتاء الانفصال الذي اجرته حكومة اقليم كردستان يوم 25 /ايلول /2017 وهل يحق لحكومة الاقليم اجراءه وما هو سندها القانوني بذلك ؟

اولا: لم يشرْ الدستور العراقي لعام 2005 في أي مادة من مواده الى مسألة الانفصال لأي محافظة او اقليم سواء أكان ذلك بصورة مباشرة او غير مباشرة بل بالعكس أكد وفي اكثر من موطن على وحدة العراق وسيادته وممكن الاشارة لهذه المواد الدستورية التي تؤكد الوحدة وكما يلي:

1-: م/1 من الدستور نصت على أن ((جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة نظام الحكم فيها جمهوري نيابي (برلماني )ديمقراطي وهذا الدستور ضامن لوحدة العراق )).

2-م/117 /اولا (( يقر هذا الدستور عند نفاده اقليم كردستان وسلطاته القائمة أقليما اتحاديا))، وهنا يلاحظ أن هذا النص الدستوري أقرَ اقليم كردستان بحدوده عام 2003 وهو الشكل الاتحادي النهائي للإقليم .

3-م/ 116 من الدستور نصت على أن (( يتكون النظام الاتحادي في جمهورية العراق من عاصمة واقاليم ومحافظات لامركزية وادارات محلية )).

اذ يلاحظ هنا أن الدستور الاتحادي العراقي نص على الوحدة ولم ينص على الانفصال شأنه شأن العديد من الدساتير الفيدرالية التي اخذت هذا الاتجاه (كدستور الولايات المتحدة الامريكية والمكسيك والبرازيل والهند ونيجيريا)، ومنها من نص صراحة على عدم جواز الانفصال مثل الدستور الاسباني حيث جاء فيه (عدم قابلية تجزئة الامة الاسبانية والوطن الاسباني)

4-م/50 نصت على أن يؤدي عضو مجلس النواب اليمين قبل المباشرة بعمله اداء القسم بالصيغة (   اقسم بالله العظيم .......أن احافظ على استقلال العراق وسيادته واسهر على سلامة ارضه وسمائه ...........الخ) وكذلك اليمين الذي يوديه رئيس الدولة ورئيس الوزراء في الحفاظ على وحدة العراق وخلاف ذلك يكون أي منهم مرتكبا لجريمة الحنث باليمين.

ثانيا : هل ورد ذكر الاستفتاء بمعنى الانفصال في الدستور العراقي؟ للإجابة نقول ان كلمة الاستفتاء دستوريا وردت في ثلاث مواد او مواطن وهي :

1-م/126 /رابعا(( لا يجوز اجراء اي تعديل على مواد الدستور من شأنه أن ينتقص من صلاحيات الاقاليم التي لا تكون داخلة ضمن الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية الا بموافقة السلطة التشريعية في الاقليم المعني وبموافقة أغلبية سكانه باستفتاء عام )). وهذا النص يشمل جميع الاقاليم كردستان وغيره، على فرض وجود أكثر من اقليم مستقبلا، فهو خاص بالصلاحيات الدستورية الممنوحة للأقاليم حيث لا يجوز الانتقاص منها الا بإجراءات خاصة وهذا المصطلح هنا لا يعني الانفصال.

2-م/131 من الدستور نصت على ان (كل استفتاء وارد في هذا الدستور يكون ناجحا بموافقة اغلبية المصوتين عليه مالم ينص على خلاف ذلك وهو لا يعني الانفصال وانما خاص بالحالات المذكورة بالدستور وهي حالة (انتقاص الصلاحيات التي مرَ ذكرها، وقضية كركوك، وعند تشريع قانون اتحادي.

4-م/142 من الدستور نصت على (تطرح المواد المعدلة من قبل مجلس النواب وفقا لما ورد في البند ثانيا من هذه المادة على الشعب للاستفتاء عليها ويكون الاستفتاء على المواد المعدلة ناجحا بموافقة اغلبية المصوتين واذا رفضه ثلثا المصوتين في ثلاث محافظات او اكثر)، اذا كلمة الاستفتاء لا تعني الانفصال وحتى لو طلب الاقليم ذلك من مجلس النواب فلا يجوز الا بتعديل الدستور وفقا للإجراءات المرسومة فيه ، جدير بالذكر ان الكرد الذين صوتوا على الدستور قد وجدوا ان النظام الفيدرالي الحالي هو الاقرب لمصالحهم وقوميتهم ضمن عراق واحد موحد بعد ان حصلوا على الحكم الذاتي منذ عام 1970 وعام 1991 .

ثالثا: موقف القضاء الاتحادي العراقي من الاستفتـاء الذي جرى في كردستان يوم 25/9/2017.

قلنا في مطلع المقالة بأن وجود دستور في الدولة بشكل عام والدولة الاتحادية الفيدرالية بشكل خاص لا يكفي لقيام الدولة القانونية المعاصرة واستقرارها دون وجود جهة تراقب تنفيذ هذا الدستور وتمنع اي خرق محتمل وقد عقدت اغلب الدول هذا الاختصاص للقضاء في الدولة ، باستثناء فرنسا التي عقدت الاختصاص لمجلس سياسي يسمى (بالمجلس الدستوري ) وفي العراق عقد لاختصاص للقضاء الاتحادي والمتمثل بالمحكمة الاتحادية العليا لكي تحافظ على التوازن بين الحكومة الاتحادية والاقليم او الاقاليم والرقابة على دستورية القوانين الاتحادية وقوانين الاقاليم بالنسبة بالدستور الاتحادي.

وتبرز اهمية القضاء الاتحادي الفيدرالي في الدولة الفيدرالية من ان المنازعات الناشئة عنها لا يمكن حلها بالطرق الدبلوماسية كون ان طبيعة العلاقات ليست دولية وانما ذات طبيعة دستورية داخلية وكما لا يمكن حلها بالطرق الادارية لأن النظام الفيدرالي لا يجعل الدولة الاتحادية اعلى من الاقليم وانما يضمن استقلالها الداخلي، من هذا يتضح أن الاسلوب القضائي هو الحل الامثل ، وقبل التطرق لموقف القضاء الاتحادي العراقي من استقتاء الانفصال لابد لنا ان نذكر بعض الامثلة لحالات انفصال عرضت على القضاء الاتحادي وكان له كلمة الفصل في الامر، وهي :

1-    قرار المحكمة الاتحادية الامريكية جاء فيه (ان اتحاد الولايات المتحدة الامريكية غير قابل للهدم ) وذلك اثناء الحرب الاهلية 1861-و1865 عندما حاولت احدى عشر ولاية الانفصال .

2-    قرار المحكمة العليا في المكسيك عندما اجهضت محاولة انفصال احدى الولايات في عام 1938 .

3-    قرار المحكمة العليا في كندا عام 1998 الذي اصدرته بمناسبة استفتاء اجرته ولاية (كيبك) للانفصال عن كندا اذ ان 80% من سكان الولاية يتحدث باللغة الفرنسية و20 % يتحدث الانكليزية علما ان اللغتين هي الرسمية في الاقليم وقد جرت محاولتين استفتاء انفصال حيث قررت المحكمة العليا (( ان اي طلب لانفصال اقليم كيبك عن بقية اقليم كندا يتطلب التفاوض بشأن شروط الانفصال ليس بين الحكومة الاتحادية واقليم كيبك فقط ولكن مع جميع حكومات المقاطعات والاقليات في كيبك ايضا بالإضافة الى مناقشة المبادئ الاساسية التي تنظم الفيدرالية والديمقراطية والدستورية وحكم القانون فالانفصال يتطلب بالنهاية التفاوض على تعديل القوانين الاساسية (الدستور ) التي لم تنص على الانفصال)) من هنا يتضح بان حكم المحكمة العليا الكندية رسم طريق واستراتيجية لاي انفصال يمكن ان ينشا في المستقبل لا يمكن ان يكون من جانب واحد فالحكومة الاتحادية والولايات الاخرى ملزمة بالتفاوض بحسن نية حول مسائل من قبل الاغلبية المطلوبة للانفصال وحدود الاقليم المنفصل وضمان حقوق الاقليات ومسائل اخر ى يجب الاتفاق عبيها قبل اجراء الاستفتاء الانفصال والتي تتضمن حتما تعد يل الدستور .

نعود لموقف المحكمة الاتحادية العليا حيث نلاحظ بأن المحكمة الاتحادية العليا كانت قد اتخذت قرارها بالعدد :91و94و96 /اتحادية/2017 والمؤرخ 18/9/2017           بعنوان امر ولائي (( بايقاف اجراء ات الاستفتاء الذي كانت حكومة الاقليم اجرته في 25/ايلول / 2017 )) متجاهلة قرار المحكمة الاتحادية العليا ، وهذا الواقع يعكس دلالة خطيرة جدا تدل على ان حكومة الاقليم تريد اتباع سياسة فرض الامر الواقع من جهة وضرب الدستور عرض الحائط ، مما يتطلب اجراءات سريعة لحسم الامر قضائيا امام المحكمة الاتحادية العليا لبيان الموقف الدستوري من قرار الاقليم في ضوء الدعاوى المقامة ومل تقدم اعلاه من اسباب تم توضيحها تصلح كحيثيات لقرار المحكمة الاتحادية العليا لحسم الموضوع ورفض الاستفتاء انتصارا لوحدة العراق وحفاظا على الدستور ، كذلك اجراءات صارمة من الحكومة الاتحادية لتنفيذ قرار القضاء الاتحادي، والاستعانة بالمجتمع الدولي والامم المتحدة في فرض سيادة القانون والدستور في ظل المواثيق الدولية ...فمشكلة حكومة الاقليم حاليا هي الغطاء القانوني والشرعي الذي تفتقد اليه وتحاول ايجاد مبررات غير مقنعة لتحقيق مصالح ومكاسب وتفتيت وحدة العراق ... لذا ننتظر من قضائنا الاتحادي قول كلمة الفصل التاريخية في موضوع دستورية الانفصال .

مقالات ذات صلة