ترامب يُغير بوصلة البيت السياسي السعودي

 

م. م. ميثاق مناحي العيساوي

باحث في قسم الدراسات السياسية/ مركز الدراسات الاستراتيجية-جامعة كربلاء

تشرين الثاني/ 2017

على الرغم من عدم اتفاق المختصين واصحاب الشأن بالتطورات السياسية التي تجري في المملكة العربية السعودية، والصورة الضبابية التي تحيط بالبيت السياسي السعودي بعد تولي ولي العهد محمد بن سلمان زمام الأمور في المملكة، يكاد يتفق الجميع بأن الأخير يسير بخطوات سياسية عابرة للرؤية السعودية التقليدية ومتوافقة مع الرؤية السياسية للإدارة الأمريكية الحالية. فالخطوات الأخيرة التي اقدم عليها ولي العهد السعودي لايمكن أن تستند الى رؤية شخصية للأمير الشاب دون أن تستند إلى دعم واستشارة أمريكية. فخبراته السياسية وصغر سنه أقل بكثير من أن يُقدم على هكذا قرارات سياسية.

وأن التغيير في النهج السياسي السعودي ما كان ليحدث لو لم يكن ترامب رئيساً للولايات المتحدة. فالزيارة الأولى للرئيس الأمريكي الى السعودية والمنطقة على هامش القمة الأمريكية – الإسلامية لمكافحة الإرهاب، حملت في طياتها الكثير، لاسيما بعد الصفقات الكبرى التي أبرهما الرئيس ترامب على المستويين السياسي والاقتصادي مع المملكة. فهذه الزيارة وضعت الخطوط العريضة للنهج السياسي لمحمد بن سلمان والتي اخذت ملامحها تتبلور شيئاً فشيئاً. فخطوات ولي العهد الأخيرة التي كانت بمثابة الانقلاب على اعراف المملكة "الدينية والتاريخية"، كتلك الدعوات التي اعتمد فيها على تقليل النفوذ الديني وتحجيم دور الدعاة والعزف على وتر حقوق المرأة من خلال السماح لها بقيادة السيارة أو الدخول للملاعب الرياضية، واللجوء إلى سياسة مغايرة عن السياسات التقليدية السابقة التي وضعت المملكة كراعية للتطرف والإرهاب. فضلا عن ذلك، لم يكتفِ محمد بن سلمان بتنحية سلفه محمد بن نايف "الموضوع تحت الإقامة الجبرية" بل عمد إلى تصفية كل الاسماء والشخصيات المحسوبة عليه؛ وذلك من خلال اصداره مذكرة القاء قبض على 18 أمير و38 رجل أعمال بتهمة محاربة الفساد، وتجميد كل حساباتهم البنكية.

ولهذا أيضا لايمكن اخراج استقالة رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري من نظرية الاتفاق الأمريكي – السعودي، وفتح أول خطوط المواجهة مع إيران بشكل مباشر أو غير مباشر، بعيداً عن الدور الروسي والأوروبي اللذان يعيقان الإدارة الأمريكية في سوريا وفي مسألة نسف الاتفاق النووي. وبهذه الخطوات الجريئة فقد قدم ولي العهد محمد بن سلمان اوراق تثبيت اعتماده بشكل رسمي للإدارة الأمريكية بأنه رجل الولايات المتحدة خلال العقود القادمة " في حال سارت الرياح بما تشتهي السفن". وهذا ما يطمح له بالفعل ولي العهد من خلال خلافة والده، وسيطرته على ثروة المملكة بشكل مطلق. وهو ما أشار إليه المغرد السعودي المشهور بأسم "مجتهد" إلى أن حملة الاعتقالات الأخيرة لم يكن القصد من وراءها محاربة الفساد وإنما كان يقف خلفها هدفين رئيسيين: الأول، تمثل بحلم الأمير الشاب بأن يصبح أغنى رجل في التاريخ، أما الثاني، فقد تمثل بإزالة العقبات الرئيسة التي تقف إمام طموح الأمير المتعلقة بتصفية خصومه السياسيين الذين يمثلون عقبة اساسية في طريقه للوصول الى الحكم والمجد الملكي في تاريخ المملكة.

وعليه، ربما تشهد الأيام القادمة الكثير من المفاجئات في البيت السياسي السعودي سواء فيما يتعلق بسياسة الاقصاء وتصفية الخصوم التي يتبعها الأمير محمد بن سلمان أو فيما يتعلق بالمواجهة الإقليمية ضد إيران، لاسيما بعد أن أجبر رئيس الحكومة اللبناني سعد الحريري على تقديم استقالته من الرياض، وإعلان الحرب الإعلامية ضد طهران وحلفائها في المنطقة، بمباركة واستشارة أمريكية واضحة. وهناك خشية من أن المواجهة السياسية والإعلامية بين الولايات المتحدة الأمريكية والسعودية من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى، قد تمتد شرورها إلى الأراضي العراقية، لاسيما بعد أن أعلن الكونغرس الأمريكي عن نيته في دراسة مقترح مقدم من بعض النواب الأمريكيين يفضي بوضع بعض فصائل الحشد الشعبي العراقي على لائحة الإرهاب المعادي للنهج السياسي الأمريكي.  

مقالات ذات صلة