الجمهورية العربية السعودية

الكاتب : م. م. مؤيد جبار حسن

باحث في قسم الدرسات السياسية / مركز الدرسات الاستراتيجية- جامعة كربلاء

تشرين الثاني/ 2017

الزمان: 4/تشرين الثاني /2017 ، المكان : فندق "ريتز كارلتون" بدأت عجلة الاحداث تدور بقسوة وحزم ، تم خلالها اعتقال واحتجاز عدد غير محدد من الامراء ورجال الاعمال الكبار، على خلفية التورط في فساد مالي ضخم.

هذا ما نراه من الجبل الجليدي وما خفي كان اعظم، لكن بالعودة الى ما قبل هذا الحدث الجلل، نلاحظ جملة أمور ترتبط جميعها بتغيير كامل في بنية المملكة، وابتدأت بتاريخ 23-كانون الثاني-2015 عندما تولى الملك سلمان (عمره وقتها ثمانون عاما) الحكم خلفا للملك المتوفي عبد الله بن عبد العزيز. وفي عهد الملك الجديد حصل الكثير من الامور ومنها: دمج الوزارت ، الغاء العديد من الهيئات، وشن حرب ضد الحوثيين في اليمن، لكن أهم واخطر عمل قام به هو تعيين ابنه الامير محمد وليا للعهد ووزيرا للدفاع ، وسيكون للاخير دورا محوريا في الاحداث التي توالت على الرياض.

ففضلا عن الازمة الاقتصادية التي تنخر في اقتصاد المملكة نتيجة تناقص اسعار النفط، هناك الحرب على الارهاب (داخليا) والحرب مع اليمن (خارجيا)، مما يرتب تكاليف باهضة تقع على عاتق الاقتصاد السعودي الذي يعاني من عجز مالي بلغ 98 مليار دولار في ميزانية 2015 وهو الأكبر في تاريخ المملكة. كما توقعت الحكومة السعودية حدوث عجز بقيمة 87 مليار دولار في موازنة عام 2016[1].

كما ان القادة في السعودية بداؤا يحاولون السعي الى ارضاء الشعب من خلال رفع درجة الرفاهية مثلا، عبر تأسيس الهيئة العامة للترفية منتصف عام 2016، لتكون الموازي الطبيعي لهيئة اخرى تم سحب البساط من تحتها وهي هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر (سيئة الصيت). وذكرت وسائل إعلام سعودية أن مجلس الشورى هناك سيصوت قريبا على مقترح بضم هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لوزارة الشؤون الإسلامية، مرجحة أن يؤدي ذلك الى الحد من سلطاتها على الأرض.[2] كذلك الضغوط الاقتصادية التي دفعت الرياض الى سياسة تقشف تتضررت جرائها الطبقة المتوسطة وأيضا الطبقة الفقيرة. إذ تشير آخر الإحصاءات (2012) إلى أن نسبة الفقر بلغت في المملكة حوالي 12 بالمائة، وهي الأدنى في العالم العربي، كما أثار الموضوع أيضا جدلا واسعا في شبكات التواصل الاجتماعي.[3] كما اشار سابقا ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، في لقاء مع وكالة "بلومبرغ" الاقتصادية، إن المملكة كانت ستصل إلى "الإفلاس التام" في أوائل العام 2017 لو لم تغير سياساتها الاقتصادية.[4] وهو ما قام به الاخير ، بمباركة البيت الابيض .

وكما يرى د.شملان يوسف العيسى ان المملكة اليوم تسابق الزمن في تحسين أوضاعها الاقتصادية بعد انخفاض أسعار النفط بتنويع مصادر الدخل. وحتى تتحقق الطموحات الاقتصادية ، يتطلب إجراءات وتغيرات اجتماعية وثقافية تواكب هذا التغيير، وهذا ما تسير عليه السعودية اليوم.[5] فالمملكة ليس دولة عادية في الجزيرة العربية وانما لها ثقلها الكبير في المنطقة ، وأي ضرر يصيبها لن يكون في مصلحة الولايات المتحدة وأسرائيل ، لذا يجب ان تقوم واشنطن بمساعدة الرياض للنهوض من كبوتها وتصحيح مسارها الملكي الذي لم يعد يجدي نفعا مؤخرا.

وما ليلة السكاكين الطويلة السعودية الا بداية التغيير الاكبر الذي سيطال بنية النظام الحاكم هناك، والذي نرى انه سيتحول الى نظام اخر تتركز فيه القوة بيد شخص الامير الشاب محمد بن سلمان ، والتخلي عن الصيغة الملكية في تولي الحكم ، ونبذ الاقتران مع التيار الوهابي ، الذي اصبح باليا ومنبوذا على المستوى الجماهيري .

هذا التحول الكبير لن يكون سهلا ، لكن بمساعدة الرئيس ترامب سوف تُذلل الصعاب، وما تغريدات الاخير الداعمة لاجراءات بن سلمان البوليسية الاخيرة ضد حيتان المال والاعمال من امراء وشركات ، الا كارت اخضر للتغيير. الذي يظهر ان شكله الخارجي مالي ويهدف الى كسر ظهر الفساد ، الا ان غايته سياسية تتعدى اصلاح نظام الحكم العتيد في المملكة الى استبداله بصيغة قد تكون جمهورية تكون فيها الاولوية في الحكم لابناء المؤسس سعود ، مع مشاركة شعبية واطلاق حريات كبيرة ، لتعود السعودية كما كانت عليه قبل ثورة الاسلامية في ايران عام 1979 ، "إلى الإسلام الوسطي المعتدل والمنفتح على العالم وعلى جميع الأديان وجميع التقاليد والشعوب".[6]

الطريق ليس معبدا امام الامير الشاب الطموح، فهناك الصقور من الاسرة الحاكمة ومن المذهب الوهابي المتشدد، الذين لن يسكتوا عن انهاء وجودهم وسيواجهون ذلك مع الجماعات والقبائل التي تساندهم. ومن الطبيعي ان يقاوم اي تغيير مهما كان صغيرا فما بالك بهكذا انقلاب في بناء هرمي تحكمه الاعراف والتقاليد وموازين القوى الدينية والاسرية، بالاضافة الى الاملاءات الخارجية السرية.

اما الحكومة العراقية الحالية ، فعليها ان تتوخى الحيطة والحذر في هكذا تحولات تصيب احدى دول الجوار المهمة، كالسعودية. فالصواريخ الذي توجهت صوب الرياض ،مؤخرا، لم يصنعها الحوثيون في مغارات الجبال حيث يتمترسون. الحرب بين الاطراف في المنطقة ليست طائفية وانما حرب مصالح ومناطق نفوذ، وحين تتخلى السعودية عن الوهابية وتصبح دولة قومية بامتياز ، سوف لن تنتهي الحرب بل سينكشف عري المتحاربين ، لان الحرب ستستمر ، حتى لو زار الملك عتبات كربلاء وقبل شبابيك الطاهرين ، وان عرج المرشد على مرقد الامام الاعظم وتكتف وصلى. لذا سيكون الحياد التام هو التصرف العراقي الصحيح، الا في الحالات التي تمس المصلحة الوطنية. فقد آن لبغداد ان تنزوي لتعالج جراحها بعيدا عن محيطها المضطرب الملوث بالدماء والصراعات، كما فعلت الولايات المتحدة قبل الحرب العالمية الاولى.

 


[1] هيئة الاذاعة الدولية الالمانية (دويتشه فيله) ، الرابط: https://goo.gl/QGgWVA

[2] قناة الجزيرة الاخبارية، الرابط: https://goo.gl/dha3k2

[3] هيئة الاذاعة الدولية الالمانية (دويتشه فيله) ، الرابط: https://goo.gl/QGgWVA

[4] قناة روسيا اليوم، الرابط: https://arabic.rt.com/news/820361-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%A5%D9%81%D9%84%D8%A7%D8%B3-2017/

[5] د.شملان يوسف العيسى، الرابط: https://goo.gl/Az5P66

[6] قناة روسيا اليوم، تصريح محمد بن سلمان، الرابط: https://goo.gl/i4sdZU

مقالات ذات صلة