اقتصاد

EECONOMIC

الاقتصاد الامريكي وتحديات رفع سعر الفائدة الفيدرالي

د. حسين أحمد السرحان / رئيس قسم ادارة الازمات مركز الدراسات الاستراتيجية

بقلم: الدكتور فراس الصفار

رئيس قسم إدارة الازمات في مركز الدراسات الاستراتيجية-جامعة كربلاء

كانون الأول 2016

   يستمر الترقب والانتظار من قبل الأسواق العالمية لنتائج الاجتماع الاخير لعام 2016 للبنك الاحتياطي الفيدرالي الامريكي الذي يستمر يومي 14 -13ديسمبر/ كانون الاول الجاري، والذي سوف يكشف من خلاله صانعي السياسة النقدية لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي عن توقعاتهم لوتيرة النمو فضلاً عن معدلات البطالة والتضخم ومستقبل أسعار الفائدة المرجعية قصيرة الآجل للأعوام الثلاثة المقبل في الولايات المتحدة الامريكية، وسيتم الإعلان عن نتائج الاجتماع من قبل رئيسة الاحتياطي الفيدرالي جانيت يلين، حيث يتوقع أن نشهد رفعاً للفائدة الأمريكية خلال هذا الاجتماع بنحو 25 نقطة أساس لأول مرة في عام 2016 وعقب عام من أول تشديد للسياسة النقدية من قبل الاحتياطي الفيدرالي في تسعة أعوام. كما يمثل هذا الاجتماع بداية عهد الرئيس المنتخب حديثاً دونالد ترامب.ويؤكد الخبراء الاقتصاديون ان هذه الزيادة ستؤدي لرفع سعر الدولار، الذي سيستمر بذلك خلال عام 2017 كما تشير اليه السياسة الاقتصادية لترامب. حيث صرح الأخير بأن دولارا أمريكيا قويا سيكون هو الاتجاه العام في الفترة المقبلة لتعزيز السيولة داخل البلاد بهدف دفع تحديث البني التحتية وتنمية الاقتصاد الأمريكي. ([1])وأعرب عن عزمه اعتماد خطط تحفيزية لاقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية تتضمن التوسع في الإنفاق على البنية التحتية وخفض الضرائب على الشركات فضلاً عن تخفيف قيود التشريعات على المصارف.بيد أن هذه السياسات المختلطة ستؤدى في النهاية إلى تناقضات خطيرة وتراكم مستمر للديون الأمريكية على نحو يهدد أمن الاقتصاد العالمي. ([2])

من جانب اخر اختمت مؤشرات الأسهم الأمريكية ثاني جلسات الأسبوع على اللون الأخضر لنشهد مستويات قياسية جديدة مع إغلاق مؤشر داو جونز الصناعي على مشارف 20,000 نقطة في ظلال موجة الصعود التي تشهدها وول ستريت في أعقاب فوز المرشح الجمهوري دونالد ترامب. وسجلت المؤشرات الرئيسية مستويات اغلاق قياسية جديدة وسط ترقب في الاسواق لقرار الاحتياطي الفيدرالي بخصوص معدل الفائدة. اذ ارتفع مؤشر "داو جونز" الصناعي 114.7نقطة الى 19911نقطة، وهو الاغلاق القياسي السادس عشر منذ انتخابات الرئاسة الأمريكية، كما ارتفع مؤشر "نازدك" (+51 نقطة) الى 5464، بينما ارتفع مؤشر "S&P" الذي يضم 500 شركة (+ 14.7 نقطة) الى 2271.7. ([3])

ومع تقدير خبراء الاقتصاد في الولايات المتحدة بأن الديون الأمريكية سترتفع بواقع 10 تريليونات دولار أمريكي في الأعوام الأربعة الأولى من رئاسة ترامب لتصل إلى حوالي 30 تريليون دولار أمريكي بحلول عام 2020، قال تشو شي جيان الباحث البارز بمركز دراسات العلاقات الصينية الأمريكية التابع لجامعة تشينغهوا في بكين إن الديون الضخمة للولايات المتحدة ستفرض ضغوطا مالية كبيرة على الحكومة الأمريكية والاقتصاد الأمريكي، وهذا قد يؤدى بدوره إلى أزمة مالية غير مسبوقة. ([4])

وسجلت الحكومة الفيدرالية عجزاً في الموازنة بلغ 137 مليار دولار خلال نوفمبر/تشرين الثاني الماضي مقارنة بنفس الفترة عام ٬2015وذلك بحسب بيانات صادرة عن وزارة الخزانة الأمريكية، واشارت البيانات الى انخفاض الإيرادات الحكومة بنسبة 2 % الشهر الماضي مقارنة بعام 2015 إلى 200 مليار دولار٬ كما تراجع إجمالي ضرائب الشركات بحوالي ثلاثة مليارات دولار٬ بينما ارتفعت ضرائب الدخل بملياري دولار. ويعد نوفمبر/تشرين الثاني هو ثاني شهر في العام المالي للحكومة الفيدرالية٬ وسجلت الولايات المتحدة عجزاً في موازنتها للعام المالي المنتهي في سبتمبر/ أيلول قدره 587 مليار دولار٬ بارتفاع قدره 148 مليار دولار٬ واعتبر هذا الارتفاع هو الأول في خمس سنوات. ([5]) وفي الواقع، يرجع ارتفاع الديون الأمريكية إلى أسباب عدة منها على سبيل المثال لا الحصر الأزمة الاقتصادية وعوامل تقليدية مثل الإنفاق الحربي، غير أن ثمة عوامل جذرية له تكمن في وجود خلل نظامي بالولايات المتحدة. وقد أثارت المخاطر الكبيرة لتراكم الديون الأمريكية حالة من الترقب والحذر في أنحاء العالم، إذ شهدت السندات العامة الأمريكية التي كانت تعتبر من أكثر الممتلكات أمنا في العالم، بيعا متواصلا بسرعة قياسية من قبل البنوك المركزية لبلدان العالم حيث تفيد الإحصاءات الصادرة عن وزارة الخزانة الأمريكية بأن البنوك المركزية لدول العالم باعت 393.1 مليار دولار أمريكي من السندات الأمريكية في الفترة ما بين يناير وسبتمبر الماضيين، مسجلة بذلك مستوى قياسيا من حيث السرعة والحجم منذ عام 1978. ([6]) وهناك عناصر محددة يمكن استخلاصها من البيان الذي سوف يصدر عن اللجنة باعتبارها صانعة السياسات المالية والنقدية في مجلس الاحتياطي الفيدرالي.

لا شك أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي سوف يرفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة لتحقيق المزيد من التقدم على طريق بلوغ هدف المجلس المزدوج المتمثل في بلوغ التوظيف المستويات المطلوبة٬ بتراجع معدل البطالة إلى 6.4 % وهذه الخطوة باتت مبررة بعد تحقيق معدلات قصوى واقتراب معدلات التضخم من 2% ٬كما أنها معززة بالرغبة في تبرير توقعات السوق الخاصة برفع أسعار الفائدة والتجاوب مع ما يجري خارج الولايات المتحدة من تطورات إيجابية قلصت معوقات النمو وخاصة في أوروبا٬ على الرغم من نتائج الاستفتاء الإيطالي الأسبوع الماضي.كما إن الميل إلى تبني توقعات السوق الإيجابية بشكل كامل سيكبحه الانخفاض الأخير في معدل الزيادة في أجور ساعة العمل. مفتوحا أمام إمكانية رفع أسعار الفائدة أكثر من مرة في عام 2017. بالاعتماد على مؤشرات القوة التي تظهرها عناصر الأداء الاقتصادي الرئيسية للعام القادم٬ كما تعتمد على الاتجاه الصاعد الجديد للنمو والتضخم المرتبطين بالإشارات الصادرة عن الرئيس المنتخب دونالد ترامب حول سياساته الاقتصادية. ومن الاعتبارات المهمة هنا الدرجة التي تسمح بها السياسة المالية الجديدة بتطبيع السياسة النقدية في ظل الإنفاق على مشاريع البنية التحتية.ولأول مرة منذ فترة طويلة٬ لا تتراجع «النقاط الزرقاء» التي تحصي بها لجنة الأسواق المفتوحة توقعات أعضاء مجلس الاحتياطي الفيدرالي الخاصة بمسار أسعار الفائدة المستقبلي٬ بدرجة كبيرة. بل إنها سوف تبقى على حالها دون تغيير على نطاق واسع٬ في حين ستستمر توقعات السوق في اتجاهها التصاعدي مع مرور الوقت. ورغم كل ذلك سوف تتسم إشارات الاحتياطي الفيدرالي بتشديد السياسة النقدية بشيء من الحذر والدقة ولأسباب وجيهة. فصنّاع القرار المالي في الولايات المتحدة الأمريكية يفضلون الانتظار حتى تتكشف معالم خطط الإدارة الجديدة على الصعيدين الاقتصادي والمالي قبل أن يتحولوا إلى اعتماد تغيير في نبرة توجيه الأسواق نحو المستقبل وهي النقطة التي تبقى شديدة الاعتماد على البيانات الاقتصادية. وأظن كما يعتقد الكثيرون أن مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي لا يزالون في المراحل الأولية من استيعاب التطورات السياسية وتطورات السوق غير المتوقعة التي طرأت الشهر الماضي. ولا شك أن محافظي البنوك المركزية يتطلعون بشغف إلى انفراج أكبر يسهل تطبيع السياسة النقدية التي تنطوي في حال استمرارها على مخاطر عدم الاستقرار وعلى عدد من الأضرار الجانبية والعواقب غير المقصودة. ولكن نظراً للتنفيذ٬ فلا بد أنهم حريصون على عدم التحرك إلا في الوقت المناسب وليس لحاجتهم لمعرفة الطريقة التي تترجم بها شعارات ترامب الانتخابية إلى برنامج قابل استباقيا.([7])

 


[1] (الفيدرالي الامريكي: توقعات بزيادة سعر الفائدة في اخر شهر في العام) مقال منشور على الرابط : http://arabic.euronews.com/2016/12/13/federal-reserve-meets-interest-rate-hike-expected

[2] (وول ستريت تختتم الجلسة على مستويات قياسية جديدة والأنظار على اجتماع الفيدرالي) مقال منشور على الرابط: http://www.fxnewstoday.ae/international-markets169933

[3](المؤشرات الامريكية تحقق اغلاقات قياسية قبيل صدور قرار الفيدرالي) مقال منشور على الرابط: http://www.al-iqtisad.net/main.asp?cat=view&DS=usa&id=15870

[4](خبراء صينيون: الديون الأمريكية الضخمة كارثة تهدد الاقتصاد العالمي) مقال منشور على الرابط : http://arabic.news.cn/2016-12/13/c_135902259.htm

[5] الحكومة الأمريكية تسجل عجزاً في الموازنة خلال نوفمبر مقال منشور على الرابط: http://www.al-iqtisad.net/main.asp?cat=view&DS=usa&id=15860

[6](خبراء صينيون: الديون الأمريكية الضخمة كارثة تهدد الاقتصاد العالمي) مقال منشور على الرابط :

http://arabic.news.cn/2016-12/13/c_135902259.htm

[7](اجتماع الاحتياطي الفيدرالي لن يسفر عن تغير جذري) مقال منشور على الرابط :http://www.al-iqtisad.net/main.asp?cat=view&DS=usa&id=15852

مقالات ذات صلة