اقتصاد

EECONOMIC

الاقتصاد واثره في نتائج الانتخابات الايرانية

د. فراس حسين الصفار  رئيس قسم ادارة الازمات  مركز الدراسات الاستراتيجية – جامعة كربلاء

د. فراس حسين الصفار

رئيس قسم ادارة الازمات

مركز الدراسات الاستراتيجية – جامعة كربلاء

مايو-ايار 2017

يمثل الاقتصاد المحلي حجر الزاوية في اي انتخابات رئاسية لما له من دور مهم في حياة المجتمع، اذ ان طبيعة ونوعية السياسات العامة للدولة وتوجهات الحكومة المستقبلية احد اهم عناصر الفوز في اي انتخابات، فغالباً ما يركز المرشحون للرئاسة في اي بلد على الواقع الاقتصادي الحالي واهم المشاكل التي يعاني منها والحلول التي يمكن صناعتها من خلال مجموعة من السياسات والاجراءات التي يمكن تطبيقها في الاقتصاد المحلي لتحقيق الرفاه.

والمراقب للانتخابات الايرانية الاخيرة يلاحظ دور الاقتصاد في فوز المرشح الرئاسي مع عدم اغفال دور العوامل الاخرى، لكنها بدرجة اقل من العامل الاقتصادي، فكما هو معلوم من طبيعة نظام الحكم في ايران انه يخضع لولاية الفقيه، ومن ثم اغلب التوجهات الخارجية والعسكرية والامنية تكون ذات استراتيجية موحدة لجميع الرؤساء وبمرونة قليلة جداً؛ كونها تعبر عن مصلحة الامة الايرانية ولا يجوز الخروج عنها، بالمقابل يعد العامل الاقتصادي اكثر مرونة ويمكن التعامل معه بما لا يؤثر على توجهات المرشد الاعلى، اذ ان طبيعة الاقتصاد توشر عدم امكانية الجزم بفوائد برنامج اقتصادي معين او سياسة عامة معينة مقابل الضرر الذي يصيب الاقتصاد من تلك السياسة او البرنامج فهي تعتمد على مجموعة كبيرة من المؤشرات التي تختلف باختلاف الزمان والمكان ودائماً ما يكون هناك رابحين وخاسرين من هذه السياسات، فضلاً عن ان النتائج الاقتصادية تحتاج الى زمن طويل نسبياً لمعرفة النتائج الحقيقية.

ففي الانتخابات الاخيرة كان فوز الرئيس روحاني متوقعاً من قبل بعض المراقبين نتيجة الزخم الذي حصل عليه من الولاية الاولى له، والاتفاق النووي مع الخمسة زائد واحد، والتحسن الاقتصادي خلال تلك المدة، ويؤشر هذا الفوز على وجود رغبة كبيرة في الشارع الايراني في الاستمرار في سياسات روحاني الاصلاحية، والانفتاح على العالم مقابل توجهات منافسيه المحافظين الداعمة للمحافظة على المكاسب التي تحققت من تطوير الاقتصاد المحلي والاعتماد على الذات في انتاج قوة اقتصادي وانتاجية كبيرة مع دعم الطبقات الفقيرة والمعدومة، ان هذا الاختلاف في البرامج الاقتصادية عملت على ترجيح كفه مرشح على حساب المرشح الاخر، فاغلب الناخبين هم من الشباب الراغبين بالانفتاح على العالم الخارجي وهو نفس التوجه الذي كان لدى الشعب السوفيتي ابان الحكم الشيوعي والذي ادى عدم الاستجابة له الى انهيار الاتحاد السوفيتي السابق، مع ما لدى الدولتين من خصوصية ونظام حكم.

لقد استلم الرئيس روحاني الحكومة خلال الانتخابات الاولى عام 2013 والاقتصاد يعاني من الركود التضخمي (اي وجود الركود الاقتصادي والتضخم في ان واحد)، اذ بلغ معدل النمو في الناتج المحلي الاجمالي 7% عام 2012، بالرغم من الايرادات النفطية القياسية في تلك المدة وان التضخم بلغ مستوى 35%، مع انهيار في قيمة العملة الوطنية بمقدار الثلثين، كما كان الاقتصاد يعاني من الشلل تحت وطأة العقوبات الدولية. كذلك هبطت صادرات النفط وإنتاج السيارات (وهي الصناعة التحويلية الأولى في إيران) بمقدار الثلثين، وسط مطالبات العاملين في مجال الصناعة بأجورهم المتأخرة بعد أن ضاقوا ذرعا بهذه الأوضاع، كما ان انهيار اسعار النفط منتصف العام 2014 بنسبة 70% جعل الامر اكثر صعوبة .[1]

شن روحاني آنذاك حملة ضد السياسات الاقتصادية التي انتهجها الرئيس السابق محمود احمدي نجاد، ووعد بأن يعطي أولوية للوظائف والإنتاج على إعادة التوزيع، وتعهد بالسيطرة على التضخم، من خلال وقف ضخ الأموال الحكومية، ووقف تنفيذ معظم المشاريع الاقتصادية، أملاً منه في انهاء العقوبات الاقتصادية الدولية واعادة دمج الاقتصاد المحلي بالاقتصاد الدولي واستحصال الاموال المجمدة لدى الغرب واستطاع في العام 2015 تحقيق ذلك من خلال الاتفاق مع روسيا وامريكا والصين والمملكة المتحدة وفرنسا والمانيا جنباً الى جنب مع الاتحاد الاوروبي بوقف برنامج ايران النووي مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية، وعلى الرغم من دخول هذا الاتفاق حيز التطبيق عام 2016، الا ان الاستثمارات الاجنبية لازالت حذره بالتعامل مع ايران؛ نتيجة استمرار العقوبات غير النووية والقيود المصرفية من قبل وزارة الخزانة الامريكية.[2]

وفق أي معيار منطقي، يمكن القول بأن روحاني وفّى بما وعد به: فقد هبط معدل التضخم لأقل من 10% للمرة الأولى خلال ثلاثة عقود، واستقر سعر الصرف على مدار الأعوام الأربعة الماضية. لكن، لسوء حظ روحاني، يشعر كثير من الإيرانيين الآن بالإحباط بعد أن كانوا يتوقعون أن تؤدي هذه النجاحات إلى تحسين مستويات معيشتهم وفرصهم الوظيفية.

لا شك في أن الاقتصاد بدأ في النمو مجددا بعد انكماش استمر عامين، إلا أن حجم هذا التعافي الحالي ومدى ثباته واستمراريته أمر مختلف عليه. فنظرا لاعتماد هذا النمو المستجد في غالبه على مضاعفة إنتاج النفط، فإنه لم يسفر عن زيادة في دخول معظم الأسر، ولم يخلق فرصا وظيفية جديدة. وتوضح البيانات أن المتوسط الفعلي لنفقات الأسر خارج طهران (المعدل وفقا لنسب التضخم) انخفض خلال أول عامين من حكم روحاني، بينما ارتفعت نسبة الفقر. ففي العام المالي 2015-2016، زاد عدد من يعيشون تحت خط الفقر بمقدار مليون شخص تقريبا مقارنة بعددهم قبل تولي روحاني مقاليد الحكم. لكن هذه النتائج لا تصل بالضرورة لدرجة وصف وعود روحاني بالكاذبة. فعندما احتشد الناخبون خلف دعوة روحاني لخفض التضخم، ربما لم يدركوا أن إبطاء معدل ارتفاع الأسعار سيعني أيضا إبطاء نمو الدخول. ولم يقتصر العجز عن فهم هذه الحقيقة على العوام غير المتخصصين، إذ إن أحد مستشاري روحاني الاقتصاديين تباهى في البداية بتحسن أحوال الناس بنسبة 20% لأن معدل التضخم هبط بمقدار عشرين نقطة مئوية. علاوة على ذلك، فقد اتبع روحاني سياسة مالية جامدة أدت إلى تعميق الركود وتأخير التعافي، حيث أبقى معدل الاستثمار الحكومي في الأصول الثابتة عند 5% تقريبا من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ضعف ما كان عليه إبان رئاسة أحمدي نجاد، لكن لا يزال في النهاية منخفضا للغاية، إذ يُعدّ الاستثمار الحكومي في الأصول الثابتة المحرك التقليدي للنمو الاقتصادي في إيران، ولم تكن نسبته تقل عن 20% من الناتج المحلي الإجمالي في أوقات الرخاء.[3]

ليس من السهل ان يتحقق الاستقرار في الاقتصاد الكلي والنمو الاقتصادي في وقت واحد، ويزداد الامر صعوبة عندما يتم اعطاء الاولوية لتحقيق الاستقرار، وذلك بسبب المعاناة الاقتصادية وردة الفعل الاجتماعية التي يمكن ان تنتج في بعض الحالات، لقد اختار الرئيس روحاني الاستقرار في الاقتصاد الكلي على حساب النمو الاقتصادي ما يعكس التوجه بشكل جزئي نحو اعتماد الليبرالية الجديدة في فريقه الاقتصادي. ولعل الأهم من ذلك الانجازات المهمة التي استطاع تحقيقها بالرغم من ان التقدم فيها كان بطيئاً، لقد ركز منافسي الرئيس روحاني في الانتخابات الاخيرة على موضوع النمو غير المتوازن في الناتج المحلي والفقر ، وقال رجل الدين البارز إبراهيم رئيسي، وهو أقوى منافس لروحاني: "الهوة بين الأغنياء والفقراء تتسع فيإيران.. المساعدات النقدية الشهرية للفقراء يجب زيادتها إلى 3 أضعاف"، في إشارة إلى الإيرانيين من محدودي الدخل في المناطق الريفية. ويبلغ الدعم النقدي الشهري حالياً حوالي 14 دولاراً.[4] الامر الذي ادى الى تحويل الانتخابات إلى شيء من استفتاء على سجله الاقتصادي، لكن حجم الفوز يوحي بأن الجمهور وعلى الرغم من قلقة الشديد بشأن حالة الاقتصاد الايراني، الا انه لديه بعض الأمل في نهجه الاقتصادي.

في الوقت الحالي يحتاج الرئيس روحاني الى الاستمرار في تحقيق التقدم الاقتصادي والبحث عن الحلول الممكنة لمواجهة التحديات الهيكلية المتجذرة في الاقتصاد الإيراني، وكذلك حل القيود المفروضة على الأطر المؤسسية والقضائية والقانونية للجمهورية الإسلامية. [5]

التحدي الهيكلي الأول يكمن في اعتماد إيران المفرط على قطاع النفط: فعلى الرغم من التخفيضات الأخيرة في عائدات النفط، الا ان عائدات هذا القطاع لا تزال تمثل أكثر من 70٪ من إجمالي الصادرات، والحل يكمن في تحقيق نمو اقتصادي مستدام وشامل، مع عدم اغفال التنويع الاقتصادي بعده أمر بالغ الأهمية.

التحدي الهيكلي الثاني هو ديموغرافي: اذ ان غالبية سكان إيران من الشباب، ويمكن أن يكون هذا العامل دافعا قويا للنمو، ولكن للاستفادة من هذه الميزة هناك حاجة ملحة لخلق فرص عمل، ومن ثم الحد من البطالة بين الشباب، والتي بلغت 29.4٪ عام 2014 (عندما بلغ إجمالي البطالة 12.8٪).

من جانب اخر، يقول الخبير في الشؤون الإيرانية في المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية كليمان ثيرم إن "المؤسسات غير المنتخبة ستحاول منع روحاني من تطبيق برنامجه الإصلاحي"، وأضاف "بالتالي، فإنه سيركز على الجانب الاقتصادي. وإذا تحسنت معيشة السكان فسيكون في وضع أقوى للدفع قدما بإصلاحات هيكلية للحقوق المدنية". ولن تكون عملية تحسين الاقتصاد أمرا سهلا. فبالرغم من الاتفاق النووي مع القوى العالمية، لا تزال واشنطن تفرض مجموعة من العقوبات التي تمنع البنوك العالمية والمستثمرين الأجانب من الاستثمار في ايران. كما هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال حملته الانتخابية بتمزيق الاتفاق النووي، وإن كان لم يعد يأتي على ذكر ذلك، لكنه لا يوفر فرصة لانتقاد إيران، وهو مؤخرا قام بزيارة إلى السعودية، الخصم الإقليمي لإيران وقع فيها صفقة أسلحة بقيمة 110 مليارات دولار وصفت بأنها تستهدف "التأثير الإيراني السيء" في المنطقة، ومع ذلك، فإن الحكومات الأوروبية والآسيوية عازمة على التمسك بالاتفاق النووي والاستفادة الكاملة من فرص الاستثمار المربحة في إيران.[6]

اخيراً، ما يحدد الجمهورية الإسلامية في النهاية هو بنيتها المؤسسية الفريد من نوعها، اذيمكن القول: إن الدولة الإيرانية  تشكل النظام الديني الوحيد في العالم، مما يتطلب التوفيق بين مطالب الاقتصاد سريع التغير في القرن الحادي والعشرين والقيم التقليدية للقادة الروحيين ورجال الدين. ونظرا للتحديات التي تواجه ايران فان الاقتصاد يحتاج الى تحديثه ضمن حدود دولة دينية، ومن المرجح أن تكون عمليات التكيف الهيكلي والتكامل العالمي عمليات طويلة الأمد.

 


[1] (هل يغرق الاقتصاد الايراني روحاني) مقال منشور على الرابط:http://www.aljazeera.net/news/ebusiness/2017/5/17/

[2] (مأمورية روحاني الاولى .. تقييمات وتوقعات) مقال منشور عل الرابط: http://www.aljazeera.net/knowledgegate/opinions/2017/5/15

[3] (هل يغرق الاقتصاد الايراني روحاني) مقال منشور على الرابط:http://www.aljazeera.net/news/ebusiness/2017/5/17/

[4] (سقوط روحاني في مناظرة  انتخابية بسبب فشل الاقتصاد الإيراني) مقال منشور على الرابط: https://al-ain.com/article/iran-economy-rouhani-elections

[5](رحلة ايران الاقتصادية الطويلة) مقال منشور على الرابط: https://www.project-syndicate.org/commentary/iran-rouhani-election-economy-by-hassan-hakimian-2017-05

[6] (إيران: العلاقات مع واشنطن ومعارضة التيار المحافظ ... تحديات بانتظار الرئيس روحاني) مقال منشور على الرابط: http://www.france24.com/ar/20170521

مقالات ذات صلة