اقتصاد

EECONOMIC

انسحاب امريكا من اتفاق باريس للمناخ هل هو بداية النهاية لهذا الاتفاق ام مناورة لكسب الوقت؟

د. فراس حسين الصفار  رئيس قسم ادارة الازمات  مركز الدراسات الاستراتيجية – جامعة كربلاء

د. فراس حسين علي الصفار

رئيس قسم ادارة الازمات

مركز الدراسات الاستراتيجية – جامعة كربلاء

حزيران-يونيو 2017

تحت شعار "امريكا اولاً" أعلن الرئيس الامريكي دونالد ترامب الخميس 1/6/ 2017 انسحاب بلاده رسمياً من اتفاق باريس للمناخ المبرم نهاية 2015 بالعاصمة الفرنسية باريس تحت إشراف الأمم المتحدة. ليوفي بوعوده الانتخابية التي قطعها على نفسه، وتكون المرة الثانية بعد الغاء اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ التي ينفذ ترامب ما وعد به في الجانب الاقتصادي، قائلاً: "اعتبارا من اليوم، ستكف الولايات المتحدة عن تنفيذ مضمون اتفاق باريس ولن تلتزم بالقيود المالية والاقتصادية الشديدة التي يفرضها الاتفاق على بلادنا". معتبراً اتفاق باريس يضر بالمصالح الاقتصادية الامريكية. وأن الاتفاق سيكلف الولايات المتحدة خسارة ثلاثة تريليونات دولار من اجمالي ناتجها القومي و6.5 مليون وظيفة بينما تعامل منافسيها الاقتصاديين من أمثال الصين والهند بمحاباة أكثر. موضحاً أن الامتثال للاتفاق سيسبب بحلول 2040 انخفاضا في إنتاج الورق بنسبة 12 بالمئة وبنسبة 23 بالمئة في صناعة الاسمنت وبنسبة 38 بالمئة في قطاع الحديد والصلب و86 بالمئة في قطاع الفحم و31 بالمئة في الغاز الطبيعي.]1 [

ان اتفاق باريس يضع قيودا على الاقتصاد الامريكي ويفرض عقوبات عليها بالمقابل تحصل الهند مثلاً على مليارات الدولارات بالرغم من تسببها بالتلوث البيئي على مدى أكثر من ثلاثة عشر سنة. واضاف ترامب ان الصين سوف يسمح ان يكون لها مناجم او مصانع، والهند ايضا سوف يسمح لها ان تضاعف انتاجها من الفحم في عام 2020 بينما لا يسمح لأمريكا بذلك، حتى اوروبا يمكنها ان تشيد مصانع الفحم عكس الامريكيين. هذا الاتفاق لا يتعلق بالبيئة وانما هناك بلدان تستفاد مالياً من هذا الاتفاق ويجعلها في موقف افضل لاسيما المنافسين الاقتصادين، بينما اقتصادنا يعاني من مشاكل كبيرة في ظل الالتزام ببنود الاتفاق، وتجعله في موقف سلبي. فضلاً عن ان ملاين الاسر الأمريكية يعانون من الفقر والحاجة وان اعادة توزيع ثروة امريكا على دول العالم في ظل معدل نمو 1% وطاقة نظيفة يعد امراً غير مقبول اقتصادياً، كما ان درجات الحرارة في ظل الالتزام باتفاق باريس ستنخفض بعُشرين من الدرجة المئوية بحلول العام 2100 نسبة ضئيلة جداً بينما 14يوم من الانتاج الصناعي الصيني سوف تفقد جميع الانجاز.

في مقابل ذلك يمكن لأمريكا استخدام اجمالي الطاقة وبدون اتفاق باريس لتحقيق معدل نمو 3 او 4 بالمئة ومن ثم تحقيق توزيع هذه المنافع الاقتصادية على الامريكيين، وسنقوم بتطبيق المعايير البيئية والحصول على مناخ افضل لأمريكا وبشكل منفرد لنكون اصدقاء للبيئة ولن نخسر الوظائف ومعدلات النمو المرتفع.

ما الذي اتفق عليه في باريس؟

يشير اصطلاح التغير المناخي أو ارتفاع درجة حرارة الأرض، إلى التأثيرات الضارة للغازات أو الانبعاثات التي تلوث الهواء التي تتسبب بها الصناعة والزراعة وتؤثر على الغلاف الجوي للأرض.

وتُعنى اتفاقية باريس بتقليل ارتفاع درجة حرارة الأرض الناجم عن هذه الانبعاثات الغازية. ويعد اتفاق باريس اول اتفاق عالمي بشان المناخ، اذ تمثل التحدي الاكبر في اعتماد اتفاق عالمي، يضع الإطار للانتقال إلى مجتمعات واقتصادات خفيضة الكربون وقادرة على مواجهة تغير المناخ، وقد وقع على الاتفاقية 195 دولة من بين الـ 197 بلدا الأعضاء في مجموعة الأمم المتحدة للتغير المناخي، بغياب سوريا ونيكاراغوا. ويقول لوران فابيوس، رئيس الدورة الحادية والعشرين لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ ان "مشروع الاتفاق يتفاوت بحسب المستوى الإنمائي للدول، وهو منصف ومستدام وحيوي ومتوازن وملزم قانونا"، ويتلخص اتفاق باريس (COP21) بشأن المناخ والتقدّم التاريخي الذي حقّقه في أربع نقاط أساسية:]2 [

  • ·الاتفاق المنصف الذي يتفاوت بحسب المستوى الإنمائي للدول:

يقرّ الاتفاق بأن مسؤولية التصدي لتحدي تغيّر المناخ هي مسؤولية مشتركة بين الدول ولكنها تتفاوت بحسب قدرات كل دولة واختلاف السياق الوطني لكل واحدة منها. ويراعي الاتفاق بوجه خاص مستوى التنمية والاحتياجات الخاصة للبلدان الأضعف. فبالإضافة إلى الالتزامات المالية للبلدان الصناعية، يتعيّن على هذه البلدان تيسير نقل التكنولوجيا، وعموما التكيّف مع الاقتصاد المنزوع الكربون.

أما في مجال الوضوح، ينشئ الاتفاق نظاما لمتابعة تنفيذ الالتزامات الوطنية، يتسم بقدر من المرونة فيما يخص البلدان النامية، من أجل متابعة تنفيذ الجهود التي تبذلها الأطراف.

  • ·الاتفاق الحيوي والمستدام:

يُتوخى من هذا الاتفاق احتواء ارتفاع معدل درجات الحرارة بوضوح دون الدرجتين المئويتين مقارنة بمستويات درجات الحرارة في الحقبة ما قبل الصناعية، ومواصلة تنفيذ الخطوات الرامية إلى الحد من ارتفاع درجات الحرارة إلى 1,5 درجة مئوية.

ولتحقيق هذه الغاية، ينصّ الاتفاق على أن تراجع جميع البلدان التزاماتها كل خمس سنوات بغية خفض انبعاثات غازات الدفيئة التي تتسبب بها. ويجب أن تسجّل كل مساهمة من المساهمات المقرّرة المحدّدة وطنيا تقدما مقارنة بالمساهمة السابقة.

كما التزمت الأطراف في الاتفاق بالوصول إلى ذروة انبعاثات غازات الدفيئة على المستوى العالمي في أقرب وقت لكي يتسنى تحقيق التوازن بين الانبعاثات والتعويض عنها في النصف الثاني من القرن. كما التزمت الدول بزيادة جهودها فيما يخص التخفيف وخفض انبعاثات غازات الدفيئة.

  • ·الاتفاق العالمي والملزم قانونا:

التزمت الدول المائة والخمس والتسعون الأطراف في المفاوضات برسم استراتيجيات إنمائية لا تتسبب إلا في انبعاثات طفيفة من غازات الدفيئة في الأجل الطويل. وتنطبق بعض القواعد الملزمة قانونا على الدول الأطراف، مثل التزام البلدان المتقدمة بتقديم الدعم المالي للبلدان النامية من أجل تنفيذ الاتفاق

  • ·اليات التطبيق:

فُتح الباب للدول للتوقيع على الاتفاق في 22 نيسان/أبريل 2016 في نيويورك، لكي يدخل حيّز النفاذ في عام 2020. وحدّد القرار المرافق للاتفاق الذي اتخذه مؤتمر الأطراف في دورته الحادية والعشرين عدة مراحل لمواكبة تطبيق الاتفاق والتحضير لتنفيذه، وهي: مراجعة المساهمات في عام 2018، وتعبئة الأموال لبلوغ أرضية المائة مليار دولار في السنة بحلول عام 2020. وصادقت 157 دولة على الاتفاقية، بإشراف من الأمم المتحدة، وظلت فترة التوقيع على المصادقة متاحة حتى يوم 21 من أبريل 2017.

ويقرّ الاتفاق بأنشطة الجهات الفاعلة غير الحكومية، التي تعبّأت فعلا، مثل نداء باريس (lien) الذي التزمت فيه ثمانمائة منشأة ومستثمر ومدينة ومنطقة في العالم بتجاوز عتبة الطموح المُعلن في اتفاق باريس بشأن تغيّر المناخ.

كيف يمكن الانسحاب من الاتفاق؟

يحق للدول الانسحاب من خلال ما يأتي:

اولاً: الانسحاب من الاتفاق وفق المادة 28 من اتفاق باريس اذ نصت المادة على الاتي:

1-    يجوز لأي طرف أن ينسحب من هذا الاتفاق في أي وقت بعد مضي ثلاث سنوات من تاريخ بدء نفاذ الاتفاق بالنسبة الى ذلك الطرف بإرسال إخطار كتابي الى الأمين العام للأمم المتحدة.

2-    يبدأ نفاذ اي انسحاب من هذا القبيل عند انقضاء سنة واحدة من تاريخ تلقي الأمين العام للأمم المتحدة للإخطار بالانسحاب أو في أي تاريخ لاحق يُحدَّد في الاخطار بالانسحاب.

3-    أي طرف ينسحب من الاتفاقية يعتبر منسحباً من هذا الاتفاق.

ثانياً: الانسحاب من خلال الانسحاب من اتفاقية المناخ الاطار العام الصادرة من الأمم المتحدة ، والتي بدورها ستعتبره منسحبا من اتفاق باريس.

بخصوص امريكا الخيار الاول ان تنسحب وفق المادة 28 من اتفاق باريس، وبالتالي فأنها صادقت على الاتفاق في نوفمبر عام 2017، ومن ثم تحتاج الى اربعة سنوات للخروج اي بعد نهاية ولاية الرئيس ترامب، الخيار الاخر وهو الاكثر تطرفاً ان يطلب ترامب من الكونغرس الانسحاب من معاهدة الاطار العام لاتفاقية المناخ الصادرة من الامم المتحدة والموقع عليها عام 1992 التي تعد اتفاقية باريس جزءاً منها، ومن ثم يعد تلقائياً منسحبا من اتفاق باريس وفق المادة 28.

المؤيدون والمعارضون للانسحاب

انقسم الداخل الامريكي بين مؤيد ومعارض للانسحاب فبينما يؤيد اغلب الجمهوريون قرار الانسحاب، اذ دعم القادة الجمهوريون في الكونغرس وصناعة الفحم الأمريكية هذه الخطوة، وأعلن زعيم الغالبية الجمهورية في مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل، دعمه لترامب "في توجيهه لضربة مهمة أخرى لاعتداء إدارة أوباما على أعمال وانتاج قطاع الطاقة المحلي". بالمقابل يعار ض اعضاء الحزب الديمقراطي هذا التوجه لاسيما الرئيس السابق اوباما وجون كيري، فضلاً عن حكام ثلاث ولايات أمريكية، وهي واشنطن وكاليفورنيا ونيويورك، وشركات اكسن موبيل وابل وغوغل الذين أكدوا تمسكهم باتفاقية باريس للمناخ. اما على مستوى العالم فقد جاءت ردود الافعال جميعها ضد قرار الانسحاب الامريكي من الاتفاقية، لاسيما من الدول الصناعية السبع والاتحاد الاوربي.

النتائج المترتبة على الانسحاب

إن انسحاب الولايات المتحدة ستضيف 3 مليارات طن من ثاني اكسيد الكربون في الاجواء سنويًا بحسب تقديرات لمراكز الابحاث حول المناخ . وسترفع درجات الحرارة ما بين 0.1 الى 0.3 مئوي في نهاية القرن. كما ان انسحاب الولايات المتحدة قد يشجع اطرافاً أخرى مثل الصين والهند بالتخلي عن التزاماتهما في حماية البيئة، وهما من كبار الملوثين للبيئة. وفي دراسة أجراها معهد ماساشوسيتس للتكنولوجيا MIT في ابريل 2016، اشارت الى ان تنفيذ اتفاق باريس سيبطئ الاحتباس الحراري العالمي بين 0.6 درجة مئوية و 1.1 درجة مئوية بحلول عام 2100. واذا لم نفعل أي شيء تحذر الدراسة قد ترتفع درجات الحرارة 5 درجات مئوية. بالمقابل قدرت مجموعة سيتي غروب ان العالم سيفقد 44 ترليون دولار من اجمال الانتاج العالمي خلال نصف قرن كنتيجة للاحتباس الحراري.

يقول محللون إن انسحاب الولايات المتحدة سيجعل من الصعب على العالم التوصل إلى الأهداف التي حددها لنفسه في اتفاقية باريس، فالولايات المتحدة تسهم بنسبة نحو 15 في المئة من انبعاثات الكاربون في العالم، بيد أنها في الوقت نفسه مصدر مهم لتقديم التمويل والتكنولوجيا للدول النامية لدعم جهودها لمكافحة ارتفاع درجات الحرارة. ]3[

وتعد الولايات المتحدة الامريكية ثاني أكبر ملوث بالعالم بعد الصين، وفي ظل الاتفاق تعهدت الولايات المتحدة بخفض انبعاثات الغازات لديها من 28% الى 26% عام 2025.

الخلاصة

اعتقد ان الرئيس الامريكي يرغب في كسب الوقت والتنصل من الالتزامات المالية المترتبة على امريكا في الوقت الحاضر على امل نقل الاعباء المالية لفترة لاحقة واجراء زياد في انتاج الوقود الاحفوري، لاسيما زيادة البقع الاستكشافية ومنصات الحفر وزيادة صناعة الفحم ومد خطوط النقل الاستراتيجي للربط بين مصادر الطاقة والانتاج وما ترتب على ايقافه من زيادة التكاليف على الموردين المحليين وهو ما أعلن عنه صراحة خلال حملة الانتخابية.

من جانب اخر يحاول ترامب ايجاد دعم من الشركات العملاقة وعمال المناجم والطاقة لمواجه الوضع السياسي الداخلي القلق الذي يمر به حالياً، مع التأكيد لبقية المجتمع الامريكي ان هدفه هو الولايات المتحدة الامريكية وليس العالم وهي شعارات تشابه ما أطلقه هتلر من شعارات اثناء توليه قيادة المانيا قبل الحرب العالمية الثانية!!.

الهوامش

1-      (ترامب يعلن انسحاب أميركا من اتفاقية باريس للمناخ) مقال منشور على الرابط :

https://www.alhurra.com/a/donald-trump-climate-/367735.html

2-      (تلخيص اتفاق باريس بشأن المناخ والتقدّم التاريخي الذي حقّقه في أربع نقاط أساسية) مقال منشور على الرابط: http://www.diplomatie.gouv.fr/ar/politique-etrangere-de-la-france/climat/paris-climat-2015-cop21/cop21-l-accord-de-paris-en-4-points-cles/

3-      (زعماء عالميون يعبرون عن خيبة أمل نتيجة انسحاب أمريكا من اتفاقية مكافحة تغير المناخ) مقال منشور على الرابط : http://www.bbc.com/arabic/world-40122742

مقالات ذات صلة