اقتصاد

EECONOMIC

اتفاقية نافتا ما بين تفاوض وانسحاب

م.م. عبير مرتضى حميد السعدي

باحثة في قسم أدارة الازمات

مركز الدراسات الاستراتيجية – جامعة كربلاء

تشرين الأول-أكتوبر 2017

نافتا (NAFTA) أو اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (North American Free Trade Agreement)، هي معاهدة لإنشاء منطقة تجارية حرة ما بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. وقعت اتفاقية التبادل الحر لأمريكا الشمالية في ديسمبر 1992 وأصبحت سارية المفعول في يناير سنة 1994، وتعد احدى اهم اتفاقيات التجارة الحرة في مجالات الضرائب وحماية الملكية الفكرية وحماية الاستثمارات، والتي استمرت ما يقارب 23 سنة، هذه الاتفاقية مهددة اليوم بالزوال او بالتفاوض ببقائها.

فقد هدد الرئيس دونالد ترامب في وقت سابق بتمزيق الاتفاقية، بالرغم من اقتناعه أن انهاء اتفاق نافتا سيكلف الاقتصاد الأمريكي مليارات الدولارات المستثمرة في المكسيك وكندا. لذا فمن المرجح أن يتم تعديل بعض الاحكام في الاتفاقية عوض عن التخلي عنها .

وقد أشار معهد السياسات الاقتصادية في واشنطن أن من اهم الأسباب التي دعت إلى التفكير في اعادة هيكلة اتفاقية نافتا ناتجة عن مشاكل العمل وفقدان العاملين لحقوقهم ووظائفهم فضلاً عن العديد من الاسباب الاخرى التي ادت الى خسائر اقتصادية واجتماعية للاطراف المتقاعدة ويرى المختصون في الشأن الدولي أن التعديل في الاتفاقية سوف يخدم مصالح كل أطراف الاتفاقية كونها تسببت منذ قيامها بما يأتي:

  1. فقدان ما يقارب مليون عامل امريكي لوظائفهم بسبب نقل المصانع إلى المكسيك وكندا، إما المتبقي من العاملين فقد فقدوا اعمالهم كون العمال المكسيكين المهاجرين يدفع لهم المستثمرون الامريكيون اكثر بقليل من دولار واحد في الساعة للقيام بوظائف كان العمال الأمريكيون يقومون بها، بينما تشير التقديرات إلى أن الاقتصاد الأمريكي يفقد ما يقرب من 9000 وظيفة لكل مليار دولار من السلع المستوردة من الخارج.
  2. قلة فرص العمل اذ اصبحت المنافسة على الوظائف المتبقية كبيرة جدا مما تسبب في انخفاض الاجور بنسب كبير، كما أصبحت مكثفة للغاية وهذا وضع ضغوطا هبوطية على الأجور. لتصل اغلب اجور العاملين في الوقت الحاضر إلى 27.520 دولار سنويا أو أقل من ذلك.
  3. عند المقارنة بين فترة الثمانينيات من القرن المنصرم نجد أن 20% من الوظائف في الولايات المتحدة هي في مجال التصنيع إما اليوم فقد وصلت إلى مايقارب 9% فقط، بالرغم من تزايد معدلات السكان إلى الضعف.
  4. في عام 1950، كان أكثر من 80 %من الذكور لديهم وظائف، إما في الوقت الحاضر فقط 65% من الذكور في الولايات المتحدة لديهم وظائف. وقد اشارت الدراسات أيضا أن واحد من أصل ستة ذكور الذين تتراوح اعمارهم بين (25 إلى 54) ليس لديهم وظيفة في هذه المرحلة، وان عدم توفر وظائف لتلك الاعمار يعني أن هناك معدلات بطالة وفقر مرتفعة، وعدم توفر وظائف للكبار يعني أن الاطفال يعيشون في مستويات فقر وصلت إلى واحد مقابل خمسة اطفال في عام 2014.  
  5. اما فيما يخص الهجرة فقد زاد عدد المهاجرين غير الشرعيين الذين يعيشون في الولايات المتحدة أكثر من الضعف منذ تنفيذ اتفاقية نافتا.
  6. قبل اتفاق نافتا بسنة، كان لدى الولايات المتحدة فائض تجاري مع المكسيك، وكان العجز التجاري مع كندا 29.6 مليار دولار فقط. وفى العام الماضى، واجهت الولايات المتحدة عجزا تجاريا مشتركا مع المكسيك وكندا بقيمة 177 مليار دولار . وقد قُدر أن خفض العجز التجاري الأمريكي الكلي الى النصف من شأنه أن يخلق 5 ملايين فرصة عمل في الولايات المتحدة.
  7. زيادة عدد المهاجرين للولايات المتحدة فقد أدى تصدير كميات هائلة من الذرة الأمريكية المدعومة من الحكومة إلى المكسيك إلى تدمير أكثر من مليون وظيفة مكسيكية، وساعد على زيادة الارتفاع المستمر في عدد المهاجرين غير الشرعيين القادمين إلى الشمال.
  8. فقدت الولايات المتحدة أكثر من 56.000 مرفق للتصنيع منذ عام 2001، اغلبها في مجال تصنيع السيارات الأمريكية والتي قارب انتاجها في خارج الولايات المتحدة الأمريكية من 70% والكثير منها تم انشاؤه في المكسيك.

وبالرغم من كل المشاكل التي وردت سابقا إلا أن سيناريو الانسحاب من الصعب ترجيحه، إذ يرى البعض أن الشروع بالخروج من اتفاقية نافتا سيكون له أثر اقتصادي واجتماعي شبيه بأثر خروج بريطانيا من الاتحاد الاوربي اذ يمكن أن يؤدي إلى عواقب غير محمودة على الاقتصاد الأمريكي سواء كانوا عمال أو منتجين أو مستهلكين. ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى تداعيات سلبية تؤثر على الاقتصاد العالمي بشكل كبير ويغير من المسار الاقتصادات بشكل جذري .

بينما أشار الممثل التجاري الأمريكي روبرت لايتهايزر الى ان هناك تفاوضات كبيرة ستهدف إلى توسيع فوائد التجارة للمستثمرين الأجانب وتعزيز حقوق الملكية الفكرية وتحديث قواعد اتفاقية نافتا لتسهيل حركة التجارة الرقمية للسلع والخدمات والوصول إلى الشركات الصغيرة والمشتريات الحكومية. بالإضافة إلى ذلك، تسعى الإدارة أيضا إلى إدماج معايير العمل والبيئة في صلب الاتفاق.

بينما ترى بعض الدراسات أن القيام بتعديل في اتفاقية نافتا ليس بأمر هام بقدر ما أن تحل المشكلة الكبيرة التي تواجه التجارة الأمريكية وهي ارتفاع قيمة الدولار. وان على الولايات المتحدة تنفيذ سياسات لإعادة توازن الدولار الأمريكي وبالتالي إعادة التوازن إلى التجارة العالمية، وذلك من خلال: -

  • إعادة التوازن في التجارة مع الصين والاتحاد الأوروبي واليابان وغيرها من المتلاعبين بالعملات والتي لديها أكبر فوائض تجارية في العالم، وليس مع المكسيك وكندا الذان يعانيان من عجز تجاري عالمي ولا يسهمان في اختلالات التجارة العالمية
  • تخفيض قيمة الدولار إلى ما لا يقل عن 25% إلى 30 %.
  • قيام الولايات المتحدة بشراء الأصول الأجنبية بدلا من شراءها أصول اجنبية بأصول امريكية. وقيامها أيضا بوضع رسوم الدخول إلى الأسواق او ما يعرف (MAC)، ستجعل تدفق رؤوس الأموال الاجنبية إلى الداخل ويرفع من قيمة الدولار الأمريكي.
  • التهديد بفرض التعريفات الجمركية بمعدلات كبيرة على البلدان ذات الفوائض التجارية العالمية الكبيرة من أجل إقناعهم بالمشاركة في عملية تقليل قيمة الدولار عن طريق إعادة تقييم عملاتهم.

وبالرغم من أن كلا السياستين السابقتين لها أثر بارز في خفض الدولار الأمريكي واعادة التوازن في التجارة العالمية إلا أنه أظهرت البحوث التي أجراها مؤخرا جو غانيون Joe Gagnonn أن سياسة العملة هي أكثر فعالية بكثير من سياسة التعريفات الجمركية للحد من العجز التجاري والسيطرة على قيمة الدولار، لوجود أثر واسع لقيمة العملة على كل من الواردات والصادرات.

مقالات ذات صلة