المواجهة أو الهروب : الخيارات الأمريكية في الشرق الأوسط

الكاتب: كينث بولاك (Kenneth M. Pollack)

ترجمة: نور حسين الرشدي

16 شباط/فبراير 2016

مراجعة وعرض: م. د. حسين أحمد السرحان

 

إنّ التحدي الأكبر للولايات المتحدة إذا ما تراجعت عن الشرق الأوسط، هو معرفة كيفية الدفاع عن مصالحها عندما تُهدد بسبب مشاكل كانت قد أوجدت لها حلولا سيئة، لأنها لم تحتو الانتشار للحروب الأهلية، وهو صعب جداً. والتراجع هنا، يعني خطر المجازفة بالانهيار القريب لمصر، والأردن، ولبنان، وتونس، وتركيا على الرغم من أن هذه الدول ليست منتجة للنفط، إلا أن عدم استقرارها يمكن أن يمتد إلى الدول المنتجة للنفط. وعلى المدى البعيد، ربما سيكون العالم قادراً على البقاء على وضعه الحالي إذا فقد أو خسر إنتاج النفط الإيراني، والعراقي، والكويتي أو الجزائري ولكن عند حد معين. لذا عدم الاستقرار سيؤثر على المملكة العربية السعودية.

     بداية يتعرض الكاتب إلى مسألة تشغل تفكير صانعي القرار حول العالم ألا وهي استقرار الشرق الأوسط، ويؤكد على أنه لم يشهد استقرار الأوضاع فيه إلا نادراً، ومع ذلك فألامر ليس بهذا السوء، فبالون الحروب الأهلية الممتلئ انفجر في العراق، وليبيا، وسوريا، واليمن، ونضجت الصراعات في مصر وجنوب السودان وتركيا، وأن الأشكال المختلفة لتمدد تلك الحروب الاهلية يهدد استقرار الجزائر، الأردن، لبنان، المملكة العربية السعودية، وتونس .

ويضيف الكاتب: أنَّ تصاعد حدة التوترات بين إيران والمملكة العربيه السعودية إلى مستويات أعلى سيزيد من شبح الحرب الدينية على نطاق أوسع، أما المواجهات بين إسرائيل والفلسطينين فقد شهدت تجددا للعنف ولكن على مستويات منخفضه، وقد تجاوزت الكويت، والمغرب، وعمان، وقطر والأمارات العربية المتحدة العاصفة لحد الآن ، إلا أنهم متخوفين مما يجري من حولهم .

فمنذ الغزوات المغولية في حوالي القرن الثالث عشر والشرق الأوسط يشهد فوضى عارمة، فضلاً عن ذلك فمن المستبعد أن تتضاءل على المدى القريب، وبغض النظر عن عدد المرات التي أصر فيها الأمريكان على أنهم جاءوا إلى شعوب الشرق الأوسط من أجل فهمهم وأيجاد حل لخلافاتهم واذا ما تم تركهم لحكوماتهم فإنها لن تفعل ذلك مطلقاً، وفي ظل غياب التدخل الخارجي، فأن حكومات المنطقة عادةً ما تختار الاستراتيجيات التي تؤدي إلى تفاقم الصراع وتغذي حالة عدم الاستقرار الدائم .

وتعد الحروب الأهلية بشكل خاص من المشكلات المستعصية وليس هنالك أي تدخل خارجي لحسمها، إذ استمرت على هذا الوضع لعقود من الزمن، فالحرب الكونغولية دخلت عامها الثاني والعشرين، وفي البيرو عامها السادس والثلاثين، والأفغانية عامها السابع والثلاثين وليس هنالك أي سبب يجعلنا نتوقع بأن الصراعات في الشرق الأوسط ستخمد من تلقاء نفسها، ونتيجةً لذلك فإن الرئيس الأمريكي المقبل سيواجه خيارات متعددة في الشرق الأوسط منها:

-         أما بذل المزيد من الجهود لتحقيق الاستقرار فيه.

-         أو الانسحاب منه بشكل كامل.

ونظراً للاضطرابات أصبحت المنطقة أمام كلا الخيارين، أما التصعيد أو التراجع، فان ذلك سيكلف الولايات المتحدة أكثر مما هو متوقع، فمن المؤكد أن تحقيق الاستقرار في المنطقة سيتطلب الكثير من الموارد، والطاقة، والاهتمام من قبل العواصم السياسية الذين يُعّدون من الداعمين لموقف الولايات المتحدة، وفي المقابل أن التخلي عن المزيد من السيطرة والالتزامات في المنطقة سيتطلب القبول بمخاطر أكبر، إذ إن تكلفة التصعيد ستسهل التحكم بها مقارنة مع مخاطر التراجع ، وبالنتيجة فأن أحد الخيارين سيكون أفضل من حالة الفوضى .

 

الإنسان، والدولة، والحرب الأهلية

     إن ادراك الخيارات الحقيقية التي تواجه الولايات المتحدة في الشرق الأوسط يتطلب فهم صادق لما يجري هناك، فمن المعروف أن مسؤولية ما جرى في المنطقة من مخاض عسير، ومشكلات معقدة يعود إلى الخرائط البغيضة لسايكس- بيكو، أما المشاكل الحقيقية فقد بدأت مع قيام الأنظمة الحديثة في الدول العربية، فبعد الحرب العالمية الثانية وإتجاه الدول العربية لأخذ حيزها، وسقوط معظم القوى الاستعمارية الأوربية واعتمادها على الأنظمة السياسية الأكثر حداثة سواء أكانت هذه الأنظمة جمهوريات علمانية أم ملكيات جديدة .

فلا نجد أي من هذه الدول عمل بشكل جيد؛ ويعود ذلك لسبب واحد هو أن اقتصاداتهم تعتمد بشكل كبير جدا على النفط، أما بشكل مباشر من خلال بيعه بأنفسهم أو بشكل غير مباشر من خلال التجارة، كذلك تعتمد على المساعدات والحوالات المالية للعاملين. هذه الاقتصادات الريعية تقدم القليل من الأعمال والكثير من الثروات لسكانها المدنيين الذين لايسيطرون عليها ولا ينتجوها، وتشجع النخب الحاكمة للتعامل مع مواطنيها كمعالين(غير مرغوب فيهم).

وقد أحدَثت أموال النفط أعمال فساد كبيرة، إلى جانب القطاع العام المتضخم وغير المهتم بطموحات الجماهير الكبيرة ما يزيد الأمور سوءاً، فبعد استقلال الدول العربية عن الأمبراطورية العثمانية والاستعمار الأوربي واكتسابهم للموروثات الاجتماعية والثقافية أصبح همهم هو الثروة والتفرد بالسلطة.

وهذا النموذج استمر لعقود متعددة قبل أن يبدأ بالإنهيار في أواخر القرن العشرين، وأصبحت أسواق النفط أكثر تقلباً مع إنخفاض الأسعار الذي استمر لفترات طويلة، ما خلق صعوبات إقتصادية حتى في الدول الغنية بالنفط كالجزائر والعراق والمملكة العربية السعودية، وقد جلبت العولمة إلى المنطقة أفكار جديدة عن العلاقة بين الحكومة والمحكومين، فضلاً عن التأثيرات الثقافية الأجنبية، وقد مارس العرب و (الإيرانيون أيضاً) ضغوطاً على حكوماتهم للمطالبة بحل مشاكلهم إلا أنها كانت تقابل بالإهمال والأضطهاد .

 

بدأ المخاض في الشرق الأوسط مع النظم العربية الحديثة

       يؤكد الكاتب أنه في العام 1990، تصاعد السخط الشعبي في جميع أنحاء الشرق الأوسط، إذ أزداد توسع جماعة الأخوان المسلمين وازدادت فروعها كمعارضة سياسية للأنظمة، إما الجماعات الآخرى فقد تحولت لتنفيذ عمليات عنف مخلة بالأمن في منطقة نجد في المملكة العربية السعودية والمجموعات الإسلامية المتمردة في مصر، وكان الهدف الأساسي للمجموعات الأرهابية وعلى اختلاف أماكنها هو السعي للإطاحة بالحكومات.

       وخلاصة ذلك أصبحت هذه الجماعات من أوائل المسؤولين عن أبعاد الداعمين الخارجيين عن تلك الحكومات ابتداءاً من الولايات المتحدة، إذ إن الكبت والإحباط والرغبة بالتغيير السياسي قد إنفجر أخيراً في الربيع العربي عام 2011، مع إندلاع أحتجاجات واسعة النطاق إندلعت في جميع الدول العربية تقريباً أسفرت عن الإطاحة وشل للنظام في خمس منها. لكن من الصعوبة أن تحقق هذه الثورات أهدافها وتحصل على حقوقها ، وينطبق ذلك بشكل خاص على العالم العربي ، إذ إن المستبدون في كل دولة يعملون بإتقان للتخلص من أي زعيم للمعارضة له شعبية يمكن أن يكون له المقدرة على توحيد الدولة بعد سقوط النظام، ولم تكن هنالك أي أفكار شعبية بديلة عن كيفية تنظيم شؤون الدول العربية الجديدة كما هو الحال في ليبيا، وسوريا، واليمن وكانت نتيجة ذلك هو فشل الدولة، وحدوث فراغ أمني وحرب أهلية .

فإذا كانت المشكلة الأساسية في الشرق الأوسط هو فشل النظام العربي في مرحلة ما بعد الحرب، فإن اندلاع حروب أهلية لا تقل من حيث الأهمية كمشكلة ثانوية، خاصةً وأن هذه الصراعات قد أنعكست على حياتها، لتصبح محركات لحالة عدم الاستقرار، والتي تعد من أكبر التهديدات الحالية التي تواجه شعوب المنطقة وباقي دول العالم. ومن ناحية أخرى، أن أسوء ما في الحروب الأهلية هو قابليتها على الأمتداد باتجاه دول الجوار، فأن أعداد كبيرة من اللاجئين ستعبر الحدود لكنها ليست أقل خطورة من أعداد الأرهابيين والمقاتلين المسلحين الآخرين الذين يشكلون معضلة أخرى، كذلك الترويج للأفكار المشجعة على القتال والثورة، والإنفصال وفي هذه الحالة فإن الدول المجاورة ستقع فريسة لحالة عدم الاستقرار أو حتى الصراع الداخلي .

وفي الحقيقة ، فقد وجد الباحثون أن أقوى مؤشر على أن الدولة سوف تتعرض للحرب الاهلية إذا كانت لها حدود مع دولة متورطة بالفعل بواحدة من هذه الحروب .

       والحروب الأهلية هي سلوك سيء الأستيعاب في الدول المجاورة، فهي تسعى لحماية مصالحها والحيلولة دون امتدادها، وعادة ما تختار الدول مقاتلين للإسناد لكن وجودهم سيترك المجال لحدوث صراع مع الدول المجاورة الأخرى التي ستحاول ضمان مصالحها أيضا، حتى إذا كان هذا التنافس قد تبقى الحرب بالوكالة، فيبقى هنالك أستنزاف وتدمير أقتصادي وسياسي، وفي أسوء الأحوال فإن هذا الصراع يمكن أن يؤدي إلى حرب إقليمية عندما تكون الدولة على قناعة بأنها تقاتل بالوكالة عنها، فإنها لا تقوم بإرسال قواتها المسلحة لإداء هذه المهمة، والدليل على هذه الديناميكية يحتاج المرء إلى أن يتطلع إلى أبعد من التدخل الذي تقوده السعودية في اليمن أو العمليات العسكرية الإيرانية والروسية في العراق وسوريا .

 

علامات التراجع

        كما لو إن موضوع فشل الأنظمة العربية بعد الحرب، وتفشي أربعة حروب أهلية ليس أمراً سيئاً بما فيه الكفاية، وفي خضم ذلك كله فقد تنأى الولايات المتحدة بنفسها عن المنطقة. فمنذ الغزو العثماني في القرن السادس عشر والشرق الأوسط لم يكن من دون سيطرة القوى العظمى سواء أكانت تلك القوى واحدة أم أكثر، وهذا لا يعني كون الهيمنة الخارجية جيدة دائماً، مع أنها في الغالب لعبت دوراً بناءً في التخفيف من حدة الصراع ، وسواء أكانت جيدة أم سيئة فدول المنطقة قد أعتادت على التفاعل مع بعضها الآخر ومع طرف مهيمن ثالث في نفس المجال .

و- مجازياً أو بالمعنى الحرفي – في الغالب، أن الانسحاب من العراق هو الأكثر ضرراً،إذ كان إنسحاب الولايات المتحدة من هذه الدولة واحد من مجموعة عوامل أكثرها أهمية هو تراجعه بإتجاه الحرب الأهلية، ويرى الباحثون أن قيادة دولة للخروج من الحرب الأهلية يتطلب بعض قوات حفظ السلام داخلية أو خارجية لضمان وضع ترتيبات لتقاسم السلطة بين الأطراف المتحاربة، ومع مرور الوقت يمكن أن يصبح دورها أكثر رمزية كما هو الحال مع قوات حلف الناتو في البوسنة، إذ إن وجود الحلف هناك قد تضاءل خلال خمس سنوات إلى مجموعة صغيرة من القوات العسكرية ولكنها ماتزال تلعب دوراً حاسما من الناحية السياسية والسايكلوجية في طمأنة الفصائل المتنازعة من العودة للاقتتال مرة أخرى.

وفي حالة العراق، فأن الولايات المتحدة قد لعبت دورها وأنسحبت في العامين 2010و 2011 وهو ما أدى إلى حدوث ما هو متوقع، وهذه الظاهرة لعبت دوراً أكبر في منطقة الشرق الأوسط، فإنسحاب الولايات المتحدة قد أجبر الحكومات هنالك على التفاعل مع الوضع بطريقة جديدة، من دون أي أمل في أن واشنطن ستقدم مسار تعاوني للخروج من المآزق الأمني الذي يعم المنطقة، فالإنسحاب الأمريكي قد أثار مخاوف الكثير من الدول على أن الآخرين سيصبحون أكثر عنفاً من دون أن تكبح الولايات المتحدة جماحهم، وقد تسببت مخاوفهم للعمل بقوة أكبر مما أدى بدوره إلى زيادة قمع هذه التحركات على أمل أن الولايات المتحدة سوف لن تحبط أي خطوة حقيقية أو تقوم بأي رد، هذه الديناميكية أزدادت حدتها بين إيران والسعودية القائمة على أساس ضربة مقابل ضربة أو مبدأ العين بالعين التي أخذت تنمو بشكل عنيف، فأتخذت السعودية خطوة صادمة بالتدخل المباشر في الحرب الأهلية في اليمن ضد الحوثيين، لأنها تعتبرهم وكلاء للإيرانيين وإنهم يهددون الجناح الجنوبي لها، وحتى أن الشرق الأوسط بدأ يميل إلى الخروج عن نطاق السيطرة، فليس هناك أي مساعدة تلوح في الأفق، وأن سياسة إدارة أوباما تجاه المنطقة لا تعتمد مبدأ التهدئة لتترك المنطقة بالنهاية تواجه مشكلاتها الحقيقية لوحدها، وكان ذلك أحد أسباب أزدياد الأمور سوءاً في المنطقة منذ تولي الرئيس باراك أوباما منصبه ، فلماذا لا يوجد هناك أي سبب للإعتقاد أنه لن يحصل أي تغيير للأفضل قبل مغادرته لمنصبه؟.

ففي خطابه في القاهرة عام 2009، أعلن أوباما أن الولايات المتحدة ستحاول مساعدة المنطقة العربية على التحول إلى نظم جديده ، لكنه لم يعزز خطابه بأي سياسة واقعية، ناهيك عن الوسائل، بينما فشلت الإدارة في العام 2011 في وضع أستراتيجية متماسكة للتعامل مع الربيع العربي، واحدة منها أمكانية المساعده على الإنتقال إلى أنظمه تعددية وأكثر استقراراً للحكومات، فبعد أن فقدت واشنطن أفضل الفرص المتاحة لها أصبحت الآن تتشدق بالحاجه للأصلاح التدريجي وعلى المدى الطويل .

       أما بالنسبة للحروب الأهلية، فقد ركزت الأدارة الأمريكية للتصدي فقط للأعراض المتكررة ولإحتواء تمدد هجمات داعش، والموافقة على دخول بعض اللاجئين والعمل على منع عودة الهجمات الأرهابية مجدداً، ولكن تاريخ الحروب الأهلية يبيّن أن من الصعب جداً أحتواء أو منع التمدد، فقد أثبت الشرق الأوسط اليوم بأنه ليس استثناءً، فامتداد الحرب في سوريا ساعد على دفع العراق إلى العودة باتجاه الحرب الأهلية، وبدوره أصبح إمتداد الحروب الأهلية العراقية والسورية قد ولد حروب أهليه أخرى ولكن على مستوى أقل في تركيا لتصل تهديداتها إلى الأردن ولبنان لتفعل الشيء نفسه، والأمتداد من ليبيا سيزعزع استقرار مصر، ومالي، وتونس. إذ إن الحروب الأهلية العراقية والسورية واليمنية أدت إلى إنزلاق إيران ودول الخليج إلى حرب شرسة بالوكالة للقتال في جميع الساحات الثلاث، وقد خلق موضوع اللاجئين، والإرهابيين وانتشار المتطرفين من جميع هذه الحروب معضلات جديدة لأوربا وأمريكا الشمالية، فمن المحال القضاء على أعراض الحروب الأهلية بشكل فعال من دون علاج الأسباب الكامنة وبغض النظر عن آلاف من اللاجئين الذين استقبلهم الغرب ، فأن الحرب الأهلية الطاحنة ستؤدي إلى ازدياد هجرة الملايين منهم. وكذلك الحال مع أعداد الأرهابيين الذين ستقضي عليهم الولايات المتحدة، فبدون وضع أي حد للحروب الأهلية فإن ذلك سيؤدي إلى أنضمام الكثير من الشباب إلى الجماعات الأرهابية.

وعلى مدى الخمس عشرة سنة الماضية، أصبحت التهديدات السلفية الجهادية أكثر خطورة على الرغم من الأضرار التي ألحقتها الولايات المتحدة بتنظيم القاعدة في أفغانستان، وفي الأماكن التي ترزح تحت وطأة الحرب الأهلية فتتشعب تلك المجموعات بما في ذلك داعش من أجل إيجاد مجندين جُدد، وملاذات آمنة جديدة ومجالات جديدة للجهاد، ولكن عندما يسود النظام فإن هذه الجماعات تتبدد فلا تنظيم القاعدة ولا داعش سيجد الكثير من النفوذ للبقاء قوياً في أي من دول المنطقة، وعندما جلبت الولايات المتحدة الاستقرار إلى العراق مع بداية 2007، فان مصالح القاعدة هناك قد وصلت إلى حافة الأنهيار حتى وجدت الخلاص في العام 2011 عندما اندلعت الحرب الأهلية في الجارة سوريا.

 

المسارات في الشرق الأوسط بدأت تخرج عن نطاق السيطرة، وليس هنالك مساعدة تلوح في الأفق:

 

         على عكس الأعتقاد السائد، فمن الممكن لطرف ثالث تسوية الحرب الأهلية قبل مدة طويلة أو ربما تنتهي من تلقاء نفسها، فمن وجهة نظر الخبراء فإن 20% من حالات الحروب الأهلية بدأت منذ العام 1945، وما يقارب 40% من الحروب الأهلية قد بدأت منذ العام 1995، وكان اللاعب الخارجي قادراً على هندسة مثل هذه المحصلة، فالقيام بذلك ليس سهلاً بالتأكيد، لكن ليس بالضرورة أن يكون باهض الثمن ومدمراً كالتجربة الأمريكية في العراق.

إن إنهاء الحرب الأهلية يتطلب تدخل قوي لتحقيق أهداف ثلاثة:

الأول: ضرورة تغيير الديناميكيات العسكرية على الأطراف المتحاربة فلا يعتقد أن أحدا من الأطراف المتحاربة قادراً على تحقيق أنتصارات عسكرية، وليس هنالك خشية من أن مقاتليهم سيتعرضون إلى مجزرة في حال القائهم للسلاح.

الثاني: ضرورة صياغة إتفاق لتقاسم السلطة بين مختلف المجموعات، إذ يكون للجميع حصص متساوية في الحكومة الجديدة.

الثالث: ضرورة إقامة مؤسسات قادرة على طمأنة جميع الأطراف على التعهد بتطبيق الشرطين الأول والثاني، هذه الطريقة بالتحديد قد أتبعها الناتو في البوسنة في 1994-1995 ، وكذلك اتبعتها الولايات المتحدة في العراق عام 2007-2010.

ويظهر لنا التاريخ عندما ظلت القوى الخارجية على هذا النهج أو إنها لم تطبق الوسائل المناسبة لذلك، فإن تدخلاتهم كانت محكومة بالفشل الحتمي، وهو ما يجعل الصراع أكثر دموية وأقل احتواء ولمدة أطول، فلا عجب من أن سياسة الولايات المتحدة تجاه العراق وسوريا - ناهيك عن ليبيا واليمن- قد فشلت منذ العام 2011. وطالما أنها استمرت بتجنب إتباع نهج واحد ممكن العمل به، وليس هنالك سبب لتوقع أي شيء آخر، ففي الغالب إن الحملة العسكرية الحالية ضد داعش في العراق وسوريا قد تمت هندسة نتائجها في وقت سابق كما حدث ضد تنظيم القاعدة في أفغانستان، فالولايات المتحدة ربما ألحقت أضرارا كبيرة في صفوف داعش لكنها لم تساعد في إنهاء الصراع فإذا نجحت هذه المجموعات فسيزداد انتشارها، وفي نهاية المطاف ستولد مجموعة جديدة تنتمي لداعش، مثلما كانت داعش وليدة القاعدة .

 

التصعيد:

       أن تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط يتطلب إتباع أساليب جديدة:

أولها: مواجهة الأسباب الرئيسة لمشاكل المنطقة ودعمها بالوسائل الكفوءة ، ويجب أن يكون إنهاء الحروب الأهلية الحالية على رأس تلك الأولويات.

ثانيهما: كذلك تتطلب تغيير مبدئي لديناميكيات ساحات المعركة من أجل إقناع جميع الفصائل المتحاربة، وأن تحقيق انتصار عسكري يعد من الأمور المستحيلة .

ثالثهما: وفي الأوضاع المثالية سيكون من الملزم ارسال الولايات المتحدة على الأقل أعداد صغيرة من القوات القتالية إلى العراق ربما (10000) ويحتمل أن تكون في سوريا أيضاً، فحتى لو كانت هنالك إرادة سياسية خجولة فإن الألتزام بوجود قوات غير موجود، ومن ثم المزيد من المستشارين، للقوات الجوية، وتبادل المعلومات الأستخباراتية والدعم اللوجستي الذي يمكن أن يفي بالغرض، حتى وإن كانت أحتمالية نجاحه قليلة.

ومهما يكن فإن الولايات المتحدة وحلفاءها سيسعون إلى بناء قوات مسلحة وطنية جديدة قادرة أولاً على إلحاق الهزيمة بالإرهابيين، والميليشيات والمتطرفين ومن ثم تكون الحجر الأساس لبناء دولة جديدة.

وفي العراق فإن هذا يعني إعادة تدريب وتنظيم قوات الأمن العراقية لدرجة أكبر بكثير من الرؤية الحالية لسياسة الولايات المتحدة، وفي ليبيا، وسوريا، واليمن فأن ذلك سيعني إنشاء جيوش وطنية تقليدية (مع وجود دعم أمريكي كبير) تكون قادرة على هزيمة أي خصم محتمل وحماية السكان المدنيين، وفرض شروط لوقف اطلاق النار بشكل دائم .

وفي الحروب الأهلية الأربعة (العراق، سوريا، اليمن، ليبيا)، فأن الولايات المتحدة وحلفاءها سياخذون على عاتقهم بذل جهود سياسية كبيرة الغرض منها وضع ترتيبات لتقاسم السلطة بشكل منصف.

وفي العراق يجب على الولايات المتحدة أن تأخذ زمام المبادرة في تحديد الحد الأدنى من الأحتياجات وتهيئة الأرضية لأي اتفاق محتمل بين مختلف الفصائل الشيعية والسنية، كما هو الحال في انجازات السفير الأمريكي في العراق رايان كروكر وفريقه بين عامي 2007-2009 ، كاستراتيجية زيادة تدفق القوات الأمريكية، فضلا عن ذلك مصادر الدعم المادي لمختلف القادة السياسيين العراقيين المعتدلين وأنصارهم من الشيعة والسنة، ويجب أن تسمح الولايات المتحدة للتوصل إلى أتفاق جديد لتقاسم السلطة، هذه الترتيبات يجب أن تنهي تهجير السكان السنة والتي تعد من المشاكل الأساسية للعراق في الوقت الحاضر وهذا بدوره سيجعل من اليسير على حكومة العبادي والولايات المتحدة أقامة تشكيلات عسكرية سنية للمساعدة في تحرير المناطق ذات الأغلبية السنية من سيطرة داعش والمساعدة في تقليل قوة الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران .

في سوريا، محادثات السلام مازالت مستمرة وستوفر نقطة انطلاق للتوصل إلى حل سياسي، لكنها لن تقدم الكثير؛ لأن الظروف العسكرية لا تساعد على أي تسوية سياسية حقيقية، ناهيك عن الوقف الدائم لأطلاق النار، ويُعتقد أن لا نظام الأسد ولا المعارضة المدعومة من الغرب يمكن أن تكون قادرة على وقف أطلاق النار، فالجماعات المتمردة الثلاثة -أحرار الشام وجبهة النصرة وداعش- ماتزال مقتنعة أنه من الممكن تحقيق نصر كامل، ولكن في الحقيقة تبقى التغييرات في ساحة المعركة ومن الممكن أن يتحقق القليل على طاولة المفاوضات، وإذا لم يحدث تغييرات في الوضع العسكري فيجب على الدبلوماسية الغربية المساعدة في بناء المجتمع السوري من خلال وضع الترتيبات اللازمة التي تضمن التوزيع العادل للسلطة السياسية وللمنافع الأقتصادية، ويجب أن تتضمن الصفقة العلويين وليس بالضرورة تشمل الرئيس بشار الأسد نفسه وفي المقابل فهي بحاجة لضمان بأن لا يظلم أحد من الطوائف في الحكومة الجديدة، كما انتهجت ذلك من قبل الأقلية العلوية من أضطهادها للأغلبية السنية.

الأضطرابات في ليبيا هي أنعكاس لما يحدث في سوريا، فعلى الرغم من ذلك فأنها تتلقى القليل من الأهتمام من قبل المجتمع الدولي، فأن الخطوة الأولى أن على الولايات المتحدة اقناع شركائها لقيام بدور أكثر إيجابية، إذ يجب أن تتكفل بالدور الرئيس في العراق وسوريا، ثم يتعين على أوربا أن يكون لها مثل هذا الدور في ليبيا ويأتي ذلك بفضل علاقاتها الأقتصادية وقربها من أوربا، ومن الممكن أن تهدد ليبيا المصالح الأوربية بشكل مباشر أكثر مما يفعله الأمريكان، ودور الناتو في التدخل في ليبيا عام 2011 يمكن أن يشكل سابقة للقيادة الأوربية .

وبطبيعة الحال، فإن الأوربيين سوف يأخذوا على عاتقهم هذا التحدي أذا لم يكونوا على قناعة بأن الولايات المتحدة تعتزم القيام بدورها في كبح جماح الحروب الأهلية في الشرق الأوسط، علاوة على ذلك ضرورة التأكيد على أهمية وجود أستراتيجية سليمة ومتماسكة للولايات المتحدة لمساعدة الأوربيين في معركتهم في ليبيا ، وأن واشنطن - من دون شك - ستقدم المساعدات اللوجستية، والقيادة، والسيطرة، والمعلومات الأستخباراتية ومن المحتمل حتى المستشارين الحربيين.

وفي اليمن فأن الحملة الجوية التي قادتها دول الخليج قد حققت القليل، لكن التدخل البري من قبل القوات الصغيره التابعة لدولة الأمارات العربية المتحدة قد أحدث تراجع في صفوف المتمردين، وخلق فرصة حقيقية للمفاوضات من أجل إنهاء الصراع، ولكن من المؤسف أن دول الخليج على ما يبدو غير راغبة في تقديم تنازلات للمعارضة اليمنية من شأنها تقاسم السلطة السياسية والموارد الأقتصادية بشكل منصف، وعلى ما يبدو أنها أيضاً غير راغبة في تقديم أي ضمانات أمنية منصفة لرسم خارطة طريق لأنهاء الصراع.

أما الولايات المتحدة وحلفاءها سيأخذون على محمل الجد تشجيع شركائهم في الخليج للعمل على تقديم تنازلات جادة، فإذا لم يجدي ذلك نفعاً، فأن أفضل شيء هو المحاولة في أقناع دول الخليج للحد من تدخلاتها في اليمن قبل سحب تدخلها الذي يعمل على تهديد تماسكها الداخلي .

وإذا كان الرئيس الأمريكي المقبل ليس على أستعداد للقيام بخطوات نحو التصعيد لتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط فالبديل الحقيقي هو التراجع.

       فبعد أنتهاء الحروب الأهلية الحالية، فإن الأولوية المقبلة هي التصعيد في أستراتيجية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط والذي سيكون لدعم الدول التي تعاظم فيها خطر الأنزلاق بأتجاه حروب أهلية مستقبلية : مصر، والأردن، وتونس، وتركيا، وأن فشل الدولة في صد الهجمات الخارجية من قبل داعش، والقاعدة أو وكلاء الإيرانيين، فإن ذلك يمثل المصدر الحقيقي للصراعات التي تعصف بالشرق الأوسط اليوم .

فجميع هذه الدول الأربعة معرضة للمخاطر وهي بحاجة ماسة للمساعدات الأقتصادية وتطوير أبنيتها التحتية، ولكن قبل كل شيء هي بحاجة للأصلاحات السياسية من أجل تجنب الفشل في الدولة، ونتيجة لذلك فإن الولايات المتحدة وحلفاءها يجب أن يقدموا مجموعة من المساعدات التجارية، والحوافز المالية والمساعدات الاقتصادية، ولكن في مقابل ذلك القيام بخطوات تدريجية بإتجاه أصلاحات سياسية ملموسة، فالحاجة هنا إلى هدف وليس إلى الديمقراطية في حد ذاتها ( على الرغم من ضرورة تشجيع تونس بقوة على مواصلة السير في هذا الطريق ) لكن يجب أن تعمل الحكومة على تحقيق أشكال العدالة وسيادة القانون، والشفافية، والتوزيع العادل للموارد والخدمات .

وفي الجزء الأخير من هذا اللغز هو الضغط من أجل المزيد من الاصلاحات وعلى نطاق واسع في جميع أنحاء الشرق الأوسط اقتصاديا ، واجتماعيا وسياسياً ، حتى وأن نجحت الولايات المتحدة وحلفاؤها اليوم في إيجاد حل للحروب الأهلية، مالم يأخذ نظام الدولة الجديد أحد جوانب الفشل في مرحلة ما بعد الحرب ، فإن نفس المشاكل القديمة ستتكرر ومن الصعب ان تنال الأصلاحات قبول قادة المنطقة الذين طالما تصدوا لها خشية من أن تسلبهم قوتهم ومراكزهم .

ومن المفارقات، يبدو أن العديد من الحروب الأهلية قدمت الحلول لهذه الأحجية، فأن جميع دول المنطقة ستكون مذعورة من أمتداد هذه الصراعات، وأنهم بأمس الحاجة للولايات المتحدة من أجل مساعدتهم للقضاء على هذا التهديد وعلى وجه الخصوص حلفاء الولايات المتحدة من العرب بسبب تزايد خيبات أملهم من مكاسب إيران التي أستغلت فراغ السلطة، كما أن على الولايات المتحدة وحلفئها أن يقدموا المساعدات الأقتصادية للدول العاجزة في المنطقة في مقابل تحقيق الأصلاح، لذلك يشترط عليهم تكثيف الجهود لأنهاء الحروب الأهلية في تأكيد رغبة الدول القوية في المنطقة لتبني أصلاحات مماثلة .

 

التراجــــــــــع

       إذا كان الرئيس الأمريكي القادم غير مستعد لتنفيذ أي خطوة نحو الاستقرار في الشرق الأوسط، فإن البديل الحقيقي الوحيد هو التراجع عنه؛ لأن الحروب الأهلية لا تؤدي إلى أي نتيجة. فالاستراتيجية الصحيحة مع الأساليب المناسبة، وإن أي محاولة خاطئة يعني المغامرة الأمريكية بأساليبها في قضية خاسرة، مما يعني أيضاً أنها ستجعل الوضع أسوء وليس أفضل. وفي سياسة فك الارتباط الحقيقي، ستحجم الولايات المتحدة عن أي تدخل في الحروب الأهلية تماماً وأنها ستحاول بدلاً عن ذلك احتواء الامتداد، وهو من الصعب. ففي حال الفشل، سيكون التراجع للدفاع فقط عن مصالح الولايات المتحدة الأساسية في الشرق الأوسط.

وحتى الآن تعمل إدارة أوباما بمصداقية على دعم الأردن ضد الفوضى الممتدة من العراق وسوريا، والتراجع عن المنطقة ما يزال يوجب على الولايات المتحدة أن تعزز دعمها للأردن ودول الجوار الأخرى التي تعاني من خطر الحروب الأهلية كمصر، ولبنان، وتونس، وتركيا. إن جميع هذه الدول بحاجة إلى المساعدات الاقتصادية والدبلوماسية والتكنولوجية والعسكرية الغربية، ولكن بسبب الامتداد التاريخي الذي أثبت صعوبة الأحتواء، فهناك خطر كبير يهدد بالانزلاق إلى حرب أهلية ستولد المزيد من التمدد.

ولهذه الأسباب فإن التراجع سيتطلب من واشنطن إجراء تقييم موضوعي لمعرفة ما يمكن باستطاعة الولايات المتحدة عمله لتأمين مصالحها الحيوية في الشرق الأوسط . على الرغم من المبالغة في القول إن الجزء الكبير من مصالح الولايات المتحدة في المنطقة سيصب في نهاية المطاف في مصلحة إسرائيل، الإرهاب، النفط .

وكما أوجد تعاقب الاستطلاعات بأن غالبية الأمريكيين مستمرون بالنظر إلى سلامة إسرائيل بوصفها ذات أهمية بالنسبة لهم وللولايات المتحدة، غير أن أسرائيل اليوم هي آمنة بالفعل، وباستطاعة الولايات المتحدة تحقيق ذلك، وإن القوات الإسرائيلية قادرة على أن تدحر أي خصم تقليدي وتردع أي تهديد غير تقليدي، وقد دافعت الولايات المتحدة دبلوماسياً وعسكرياً عن إسرائيل مرات لا تعد ولا تحصى، بما في ذلك التهديد الضمني للاتحاد السوفيتي بحرب نووية خلال حرب يوم الغفران عام 1973، وحتىالتهديدات النووية الإيرانية، فإن الولايات المتحدة قد وضعتها على جدول أعمالها على الأقل خلال العقد المقبل، وذلك بفضل الاتفاق الذي توصلت إليه العام الماضي. التهديد الوحيد الذي لا يمكن به للولايات المتحدة إنقاذ اسرائيل، هي حربها المستمرة مع الفلسطينيين. لكن الحل الأمثل للصراع هو التسوية السلمية التي لا الإسرائيليون ولا الفلسطينيون أظهروا اهتماماً كبيراً بها. وباختصار، هنالك ما هو أكثر من أن إسرائيل بحاجة إلى الولايات المتحدة من أجل أمنها المباشر، وما تقوم به (مثل مبيعات الأسلحة)، حيث باستطاعة الولايات المتحدة أن تقدمه بسهولة حتى لو تراجعت عن الشرق الأوسط.

ولعل أكبر مزايا خفض الولايات المتحدة لوجودها في الشرق الأوسط، هو ضرورة تخفيض خطر الإرهاب. فهجمات الإرهابيين تستهدف الأمريكان في المنطقة إلى حد كبير؛ لأنهم يشعرون بالظلم بسبب سياسات الولايات المتحدة؛ لأن هذه الدول هم حلفاء مخلصون لها (القوى الاستعمارية السابقة)، فبدأوا بمهاجمة روسيا بسبب تدخلها في سوريا، ولاسيما أن مشاركة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط قد يعرضشعبها لهجمات من قبل الإرهابيين في المنطقة، وليست مصادفة أن سويسرا لا تعاني من إرهاب الشرق الأوسط.

وبطبيعة الحال حتى وإن انسحبت الولايات المتحدة من المنطقة، فإن الأمريكيين سوف لن يكونوا بمأمن تماماً من الإرهاب الشرق أوسطي. تجار المؤامرات في المنطقة يلقون اللوم بشكل كبير على الولايات المتحدة لأشياء لم تفعل، وكذلك لما فعلته، فما يزال الإرهابيون لهم القدرة على إيجاد الأسباب لاستهداف الأمريكان. وحتى في ظل الحد الأدنى من هذا النهج، فإن الولايات المتحدة ستحافظ على دعمها لإسرائيل والمملكة العربية السعودية، وكلاهما يمقت تلك الجماعات الإرهابية.

إذا كانت مصالح الولايات المتحدة المتعلقة بأمن إسرائيل سيُرتّب على عاتقها أخذ دور أكبر، فإن تقليص واشنطن لدورها في الشرق الأوسط يتناقض مع رعاية تلك المصالح، ولا يمكن أن يقال نفس الشيء على تدفق النفط. والفكرة القائلة بمنح الولايات المتحدة الاستقلالية في مجال الطاقة هي مجرد خرافة. لطالما اعتمد الاقتصاد العالمي على الوقود الأحفوري. فبغض النظر عن مقدار ما تبيعة الولايات المتحدة فإنها ستكون عرضة للاضطرابات الكبيرة في إمدادات النفط، فلا يتراجع الاعتماد العالمي على النفط، ولا مساهمة الشرق الأوسط من الممكن أن تتراجع على مدى الـ 25 سنة المقبلة، وإن الولايات المتحدة ستستمر بالمحافظة على مصالحها الحيوية وعلى تدفق النفط في الشرق الأوسط.

ومع ذلك، فإن الولايات المتحدة ليست بحاجة للدفاع عن آخر برميل للنفط في المنطقة. فالسؤال: ما هو حدها؟ هذه هي النقطة المعقدة. فالعديد من الدول تمتلك مخزونا استراتيجيا من النفط يمكن أن يقلّ فجأة. فمن غير المتوقع أن يتدهور الإنتاج، خاصةً وإن المملكة العربية السعودية لديها مايكفي من الطاقة الفائضة والكافية لضخّ وتصدير المزيد من النفط إذا كانت بحاجة إلى ذلك، وبالمثل يسمح للمنتجين في أمريكا الشمالية من إنتاج النفط الصخري للتعويض جزئياً عن النقص. على الرغم من أن إنتاج النفط في ليبيا قد انخفض لأكثر من 80% منذ العام 2011 كنتيجة لحربها الأهلية، فقد كان المنتجون الآخرون قادرين على تعويض الخسارة.

المملكة العربية السعودية وعلى الرغم من ذلك، لها تصنيفها الخاص، حيث تنتج الدولة أكثر من 10% من استهلاك النفط في العالم، ويحتوي على الغالبية العظمى من الطاقة الفائضة ، حتى إذا أفرغت كل دولة من خزينها الاستراتيجي من النفط، وهذا أشبه بالجنون، فهي ما زالت غير قادرة على تعويض فقدان إنتاج النفط السعودي. وبذلك، فإن على الولايات المتحدة الاستمرار في مساعدة حلفائها السعوديين، لكن ضد ماذا؟ فليس هنالك دولة في الشرق الأوسط (حتى إيران ) لديها القدرة على إخضاع المملكة، فالقواعد الجوية والبحرية الأمريكية المتواجدة في الخليج الفارسي حالياً هي أكثر من كافية لصد الهجمات الإيرانية على بنى النفط التحتية للدولة.

على الرغم من أن لا وجود لأي أحد من صناع المال قادر على الرهان أو المخاطرة ضد آل سعود، فإن التهديدات الرئيسة التي تتعرض لها المملكة هي من الداخل. فسيطرة النظام الملكي أصبحت مختلة بعد الحرب في أكثر من دولة عربية، وإن إحدى تلك الضغوط المفزعة التي يواجهها النظام اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً هم الشيعة الذين يشكلون أغلبية في المحافظات الشرقية الغنية بالنفط في المملكة العربية السعودية، وقامت الحكومة بقمعهم لعقود؛ بسبب معارضتهم للنظام، وهو ما أدى إلى تنامي استيائهم مع اتساع الشرخ الشعي - السني في المنطقة.

إن انزلاق المملكة خلال الربيع العربي في الأساس، يرجع الآثار البعيدة المدى لبرنامج الإصلاح الذي اعتمده الملك عبد الله المقترن بالمكافآت النقدية الكبيرة للشعب. لكن بعد وفاة الملك عبد الله في يناير 2015، خلفه الملك سليمان، وإلى الآن لم يكن هنالك وجود لالتزام مشابه للإصلاح، حتى أن أسعار النفط بقيت منخفضة. سلمان بذّر في الإنفاق في الداخل والخارج (خاصة التدخل المكلف في اليمن)، ويبدد من خلال صندوق الثروة السيادي للملكة 12 -14 مليار دولار شهرياً، وهذا الصندوق سيكون فارغاً خلال 4 سنوات، لكن الملك سيواجه تحديات داخلية قبل ذلك بمدة طويلة.

كيف يمكن للولايات المتحدة حماية المملكة العربية السعودية من نفسها؟. فمن المستحيل أن نتخيل أن أي رئيس أمريكي سينشر قوات لقمع أي ثورة شعبية أو للحفاظ على تماسك النظام الملكي في حال فشله. علاوة على ذلك، فإن الحروب الأهلية ما زالت مشتعلة على الحدود الشمالية للمملكة العربية السعودية في العراق وفي حدودها الجنوبية في اليمن، وعلى الأرجح فإن هذه الصراعات ستؤدي إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، ناهيك عن احتمالية نشوب حرب أهلية أردنية. لكن استراتيجية التراجع في المنطقة تعني أن الولايات المتحدة سوف لن تحاول إنهاء الحروب الأهلية على المدى القريب، فواشنطن لديها تأثير ضئيل يمكن أن تستخدمه لإقناع السعوديين في الإصلاح، ومن الممكن أن يكون هذا التأثير ضئيل إذا تأكدوا أن هذا الشيء الوحيد الذي يريده السعوديون حقاً. فتزايد المشاركة الأمريكية لإنهاء الحروب الأهلية ومنع إيران من استغلال هذه الظروف، لا يمكّن الولايات المتحدة عملياً من الحفاظ على المملكة العربية السعودية من نفسها (من الداخل) إذا كان حكامها قد أصروا على متابعة هذا الطريق المدمر، ولكن في السياق الأكبر للولايات المتحدة في فكّ الارتباط، وهذا هو الأرجح على السعوديين اتخاذه.

لا يوجد مخرج

       في نهاية المطاف، فإن التحدي الأكبر للولايات المتحدة إذا تراجعت من الشرق الأوسط هو معرفة كيفية الدفاع عن مصالحها عندما تُهدد بسبب مشاكل كانت قد أوجدت حلولا سيئة لها؛ لأنها لم تحتو الانتشار للحروب الأهلية، وهو صعب جداً. والتراجع هنا يعني خطر المجازفة بالانهيار القريب لمصر، الأردن، لبنان، تونس، وتركيا. على الرغم من أن هذه الدول ليست منتجة للنفط، إلا أن عدم استقرارها يمكن أن يمتد إلى الدول المنتجة للنفط. وعلى المدى البعيد ربما سيكون العالم قادراً على البقاء على وضعه الحالي إذا فقد أو خسر إنتاج النفط الإيراني، العراقي، الكويتي أو الجزائري ولكن عند حد معين. لذا عدم الاستقرار سيؤثر على المملكة العربية السعودية.

التراجع عن الشرق الأوسط يعني المخاطرة على المدى القريب بانهيار في مصر، الأردن، لبنان، تونس، وتركيا

   الفائدة العظمى لسياسة التراجع من شأنها أن تقلل من العبء الذي يلقى على عاتق الولايات المتحدة، والذي سيتعين عليها نشر الاستقرار في الشرق الأوسط. ومع ذلك، فإن الخطر الأكبر ينطوي على مخاطر هائلة واحدة منها أن الولايات المتحدة بدأت بشطب الدول من أجل اختصار قائمة الدول التي ستدافع عنها ضد التهديدات، فمن غير الواضح كونها قادرة على الاعتراض، فالتراجع يمكن أن يتحول إلى انكسار. فإذا كانت الأردن أو الكويت ستنزلق باتجاه حرب أهلية، فإن الولايات المتحدة ستنشر100000 من قواتها لاحتلال ونشر الاستقرار في كلا الدولتين لحماية المملكة العربية السعودية. (وفي حالة الحرب الأهلية في الأردن، فستدخل في الواقع لحماية إسرائيل). وباستطاعة الولايات المتحدة أن تفعل ذلك في الوقت المناسب لمنع انتشار الفوضى في المملكة؟. إذا لم يكن ذلك، فهنالك عدة طرق لكي تحمي المملكة نفسها من السقوط؟. وبالنظر إلى كل هذه الريبة، فإن أكثر المواقف تعقّلاً بالنسبة للأمريكان، هو موقفهم المتصلب ضد التكاليف، والمسارعة في تحقيق الاستقرار في المنطقة. وإن ما يقال: إن الوقوف بالمنتصف وليس الاختيار بين التصعيد أو التراجع هو هراء، والالتزام بتخصيص الموارد الكافية لتوسيع مسؤولياتها بدون احتمالية لزيادة تحركاتها سيجعل أي شيء أفضل. فالحروب الأهلية لا تصلح لأنصاف الحلول؛ لأن القوات الخارجية قادرة على أن تفعل الشيء الصحيح ودفع ما يصاحبها من تكاليف، وإلا فإن تدخلها سيجعل الوضع أسوء بالنسبة لجميع المعنيين، بما في ذلك هي نفسها.

المأساة هي أن طبيعة النظام السياسي للولايات المتحدة يميل لتفادي أي خطوات حاسمة. فالإدارة المقبلة سوف تختار - لا محالة - الفوضى أو التخبط؛ نظراً لحجم الفوضى في الشرق الأوسط اليوم، وأن رفض الاختيار سيكون هو أسوء خيار للجميع .

http://www.brookings.edu/blogs/markaz/posts/2016/02/16-americas-choice-in-middle-east-pollack

 

مقالات ذات صلة