تمرد داعش الجديد

ترجمة: هبه عباس

عرض وتحليل: الدكتور خالد عليوي العرداوي-مدير المركز

كانون الثاني-يناير 2017

والعراق يقترب من تحرير جميع مدنه من السيطرة العسكرية المباشرة لتنظيم داعش الارهابي، تكثر التكهنات حول ما ستكون عليه حال التنظيم بعد ذلك؟ وكيف سيتكيف مع فقدانه لما يسمى ارض الخلافة؟وهل سينتهي خطره وتهديده لحياة المدنيين ام لا؟

هذه التساؤلات كانت محط اهتمام الكثير من الكتاب والمحللين، ومنهم الكاتبة فيرا ميرونوفا زميلة الامن الدولي في مركز بلفر في جامعة هارفرد كيندي الامريكية، والكاتب محمد حسين مدير مكتب كردستان التابع لتقرير النفط العراقي، حيث قام الاثنان بكتابة مقال تحت عنوان(تمرد داعش الجديد) نشره موقع الفورين افيرز الامريكي بتاريخ التاسع من يناير-كانون الثاني الجاري جاء فيه:

" في اواخر العام الماضي اصدرت مخابرات الجيش العراقي تحذيرا امنيا يتعلق بجنوب محافظة صلاح الدين التي تمت استعادتها مؤخراً :هددت فيه جماعات تنظيم" داعش" بقتل الزوار الشيعة المتجهين صوب الاماكن المقدسة في سامراء"، وعلى الرغم من التقدم الملحوظ الذي حققه الجيش العراقي في اعادة السيطرة على الانبار وشمالي ديالى وصلاح الدين لكن كانت الاخبار مقلقة، واثارت تساؤلاً مفاده هل تستطيع بغداد انهاء الحرب فعلا؟.

ومها كان حجم تفاؤل قوات الأمن العراقية، فبعد الهزيمة التي لحقت به، لايمكن لتنظيم " داعش" التخلي عن قضيته او تبديل ولائه لكن سيبدأ بتغيير تكتيكاته، فكما جاء اعضاءه سابقاً من مجاميع متفرقة مثل انصار الاسلام وانصار السنة وتنظيم قاعدة- الجهاد في بلاد الرافدين- والدولة الاسلامية في العراق يعودون الآن على هيئة وحدات تمرد صغيرة، وعلى الرغم من تغير اعلام وشعارات هذه الجماعات لكن لم يتغير قادتها.

ومثال على ذلك خلية تمرد " داعش" العاملة بالقرب من بحيرة حمرين التي تم تحريرها في شهر كانون الأول عام ٢٠١٤، والآن تسيطر القوات الكردية والفصائل الشيعية على احد جوانبها بينما تسيطر الحكومة العراقية على الجانب الأخر، هذا التقسيم يجعل من منطقة الاهوار ارض مثالية لاعضاء تنظيم" داعش" السابقين من اجل تنفيذ حملات التمرد في كلا الجانبين، اذ تمكنوا في الآونة الأخيرة من تدمير ابراج الكهرباء التي تغذي العديد من القرى.

    

يرأس المجموعة المتمردة التي تتكون من ١٠٠ عنصر شرطي سابق يدعى احمد حسن البالغ من العمر ٣٩ عاماً ، والذي انظم لتنظيم القاعدة لأول مرة في منطقته ثم قاتل في اماكن اخرى ، وفي وقت لاحق، ظهر مع عدد صغير من المقاتلين في شريط فيديو يظهر استيلاء مقاتلي " داعش" على الموصل، وبعد فقدان سيطرة التنظيم على الاراضي ، بدأ الآن بالعمل في تمرد اخر مشابه لتنظيم القاعدة في تكتيكاته لكنه يعمل تحت راية " داعش".

والمتمرد الآخر يدعى ابو انس ويبلغ من العمر ٣٨ عاماً ، ولديه شخصية مماثلة لشخصية احمد حسن، وعلى الرغم من انه لم يكن متديناً الا انه انضم الى صفوف تنظيم القاعدة عام ٢٠٠٨، وعندما جاء داعش انضم الى صفوفه ونقل عائلته الى الموصل، ويشارك الآن مع خلية"داعش" في حمرين.

يتسم هؤلاء الرجال بالفعالية ليس بسبب امتلاكهم خبرة في الحرب غير التقليدية لكن بسبب درايتهم التامة بطبيعة المناطق التي يعملون فيها، وان اسماءهم ووجوههم مرتبطة ارتباطاً وثيقا بتنظيم القاعدة و" داعش" وهذا يعني ان لديهم خيارات اخرى غير الاستمرار في القتال، ومن خلال مشاركتهم الواضحة في الحرب التي يخوضها التنظيم اصبح من المستحيل انشقاقهم او ضعفهم ، واذا ما القت السلطات العراقية القبض عليهم فسوف يقضون احكاما بالسجن لفترات طويلة او يواجهون الموت، وفي هذه الحالة سيكون تنفيذ العمليات الانتحارية بالنسبة لهم افضل من الاستسلام، واشار التنظيم نفسه الى الزيادة الملحوظة في هذه العمليات.

فضلا على المسلحين، تعتمد خلايا تمرد "داعش" على السكان المدنيين في مناطق تواجدها، وان الحجم الصغير للجماعات المتمردة وتنقلها المستمر وانتشارها في الكثير من المناطق يجعل من الصعب على قوات الأمن تحديد اماكن وجودها، وفي المقابل، كان على هذه القوات الاعتماد على المخابرات المدنية. ولكن العديد من السكان المحليين لا يتحدثون إلى من يتحالف مع بغداد. وعلى الرغم من استمرار وصول الاسلحة والذخيرة من المناطق التي يسيطر عليها " داعش" في الموصل والحويجة، مايزال السكان المدنيين يزودوهم بالمواد الغذائية والمعلومات ولا يكشفون عن هويتهم.

وان الدعم المدني المقدم لهذه القوات ليس بسبب الخوف منها، فوفقا للمسح الذي اجري بالقرب من منطقة حمرين شهر تشرين الأول عام ٢٠١٦ بعد تحريرها من القوات الكردية اعترف عدد كبير منهم بان جوانب الحياة اصبحت افضل في عهد" داعش" مما كانت عليه سابقاً، وعلى الرغم من عدم دعم هؤلاء الاشخاص للتمرد بشكل فعلي الا انهم لن يعارضو اي نشاط اخر سواء عن طريق "داعش" او اي تنظيم مماثل.

وفي ظل هذه الظروف يمكن ان يحدث التمرد قرب حمرين عن طريقين، الأول ان يصبح التنظيم اقل نشاطاً مع مرور الوقت كما حدث في حمرين والحويجة ولن يفقد المسلحين المصدر الرئيس للاسلحة والذخيرة فقط بل الروح المعنوية في صفوف مقاتليه، والامر الاكثر سوءا هو ان المدنيين يعيشون اوضاعاً سيئة جداً، فقد تركهم النزوح المتكرر مع طعام بالكاد يكفيهم فضلا على اطعامهم لمقاتلي التنظيم، ويعتقد "شيرزاد باوانوري" قائد حركة التمرد الكردي ضد صدام حسين في المنطقة ذاتها ان قدرة خلايا " داعش" النائمة سوف تنخفض او تتراجع ليس فقط على ادارة التمرد بل في رغبتها بالقيام به".

والطريق الأخر ، ما بين انتشار اعضاء"داعش" في جميع انحاء البلاد وانتشارالفقر بين السكان العرب السنة، سوف تزداد اعداد الجماعات المتمردة وكذلك قوتهم ، ووفقا للزعيم السابق في جماعة انصارالسنة المرتبطة بتنظيم القاعدة والتي كانت تعمل في منطقة حمرين بين عام٢٠٠٤-٢٠٠٧ واصبحت فيما بعد جزءاً من "داعش"فإن" هناك الكثير من الاشخاص التابعين للتنظيم من ذوي الخبرة المتواجدين في الموصل يحاولون مواصلة عملياتهم، ومع مرور الوقت ، سوف تزداد رغبة الشباب المحليين في الانضمام اليهم".

ومهما حدث، سيتفق باوانوري وزعيم جماعة انصار السنة على ان الكرة الآن في ملعب الحكومة العراقية وخاصة في علاقتها مع السكان السنة المحليين، وان اي ثغرة في الأمن او المصالحة سيتم استغلالها من قبل اعضاء " داعش" الذين هم على استعداد للاستفادة من المظالم الطائفية والمشاكل الاقتصادية للسكان. ستقف المشاكل الاقتصادية حائلا دون حل ازمة النفط الحالية، لكن يمكن ان يساعد المجتمع الدولي بالمساعدات الانسانية والانمائية، وبهذا يتعين على السلطات المحلية في هذه المناطق والعاصمة بغداد التصدي للمظالم الطائفية التي تؤجج الصراع، وبالتالي هناك مجالاً كبيراً للتفاؤل".

تحليل المركز

يتضح من خلال هذا المقالة ومقالات اخرى مشابهة أن العراق –حكومة وشعبا- عليه ان لا يميل الى الاسترخاء مفعما بنشوة الانتصار العسكري على الارهاب الداعشي، بل ان المهمة لم تنجز بعد بالكامل، والمطلوب استمرار الحزم والارادة لاقتلاع جذور الارهاب من النفوس والعقول. والمهمة بصورتها الاخيرة ستكون اصعب واكثر تعقيدا؛ لأنها تتطلب تفعيل دور الاسخبارات الحكومية، والحس الأمني للمواطن العراقي من جانب، كما تتطلب، من جانب آخر، اصلاح جميع العيوب والثغرات التي تعرقل مد جسور الثقة بين العراقيين على اختلاف انتماءاتهم العرقية والدينية والمذهبية والمناطقية، فضلا عن رفع مستوى الاداء الحكومي ليستجيب الى حاجات الناس في تحسين مستوى المعيشة وتطوير البنية التحتية، وتلافي الاضرار النفسية العميقة التي تركها الارهاب في نفوس الضحايا، اضافة الى تحجيم التأثيرات السلبية للتدخل الخارجي بالشأن العراقي.

ان خطورة هذه المهمة تنبع من كون الحكومة والطبقة السياسية في العراق فشلت سابقا في التصدي لها، فكانت النتيجة استفحال الارهاب في البلد وتهديده لوحدتها وسيادتها وسلامة مواطنيها، والمطلوب –بعد هزيمة داعش العسكرية- عدم الفشل في هذه المهمة من جديد؛ لان الفشل في هذه المرة سيكون افدح ضررا واعمق أثرا. فالعراق بعد داعش على موعد مع تحديات حقيقية يمكن وصفها بأنها تحديات القدرة على مواجهة الذات، والاعتراف بالخطأ، وامتلاك الجرأة على تصحيح المسار، وعدم تكرار البرامج الفاشلة السابقة، لوضع جدول اعمال عملي من اجل انقاذ العراق، وتفويت الفرصة على اعدائه في الداخل والخارج من التأثير على قراره الوطني المستقل.

رابط المقال الاصلي:          

https://www.foreignaffairs.com/articles/iraq/2017-01-09/new-isis-insurgency

مقالات ذات صلة