هل اكتملت شروط الدولة الكردية العراقية؟

الكاتب: ستيفين كوك: باحث في مجلس العلاقات الخارجية

الناشر: مجلس العلاقات الخارجية (Council on Foreign Relations) / واشنطن.

ترجمة: هبه عباس

عرض وتحليل: د. حسين احمد السرحان

قادت التغيرات السياسية والامنية والاقتصادية في الشرق الاوسط الى تداعيات عدة انعكست على جميع دول المنطقة بنسب متفاوتة من الخطورة على المستويات السياسية والاقتصادية والامنية وظهرت في بعض الدول ادوارا لبعض مكوناتها مستغلة الوضع الاقليمي لتحقيق اهدافها القومية ومن هذه المكونات الكرد وتنامي دورهم السياسي في العراق والعسكري والامني في سوريا. مع ذلك يبقى هذا الدور لاسيما في العراق محفوف بالمخاوف من الاطراف الاقليمية ومنها ايران وتركيا فضلا عن موقف الحكومة العراقية. كما ان دور الاكراد في سوريا ليس اقل خطورة بالنسبة لتركيا وايران. كذلك المواقف الاميركية تتعامل مع الاكراد وتقدم لهم الدعم العسكري لاسيما بعد صعود تهديد داعش لضمان دورهم في التصدي لهم والتي بدأت تقرأ من قبل تركيا على انها خطر على الامن التركي. هذه التعقيدات يحاول الكاتب ستيفن كوك تغطيتها وبيان معطياتها ، في وقت ينظر فيه الى الاكراد الى انهم سيكونوا اكثر جدية في مسألة الاستقلال.

يرى الكاتب ان فشل العراق كنظام سياسي وانهيار الدولة في سوريا والتغيرات في تركيا خلقت فرصا للأكراد في البلدان الثلاثة، فسلطة الأكراد السياسية الاقليمية تعد عاملاً فاعلاً في الجغرافية السياسية للشرق الأوسط . ولم ينتج عن هذا الامر تحديات فحسب بل امكانيات جديدة لسياسة الولايات المتحدة في المنطقة. كما سيتشكل موقف الرئيس المنتخب دونالد ترامب وادارته وفقا الى ماسيكون عليه الشرق الأوسط مابعد القتال ضد " داعش" في الموصل والرقة، وسيتصالحون مع الاكراد الذين يعتزم بعضهم استخدام نفوذهم الجديد والتطورات السياسية من حولهم لدعم سيادة كردستان.

ويميز الكاتب بين الاطراف الكردية في العراق وسوريا ، ويؤكد انه من غير المتوقع ان يدرك كلٌ من حزب الاتحاد الديمقراطي السوري ووحدات حماية الشعب او حزب العمال التركي اهداف الاستقلال، لكن ربما يكون اكراد العراق في موقع مهم ومفيد للضغط من اجل الاستقلال. وعلى الرغم من وجود عوائق امامهم، لكن ربما يساعد دمج عدم الاستقرار الاقليمي وتحرير الموصل وسياسة الدولة العراقية في تحقيق الاهداف المهمة بالنسبة للقادة الأكراد.

اكراد العراق

على مدى سنتين ونصف منذ سيطرة تنظيم" داعش" على الموصل، تحدث القادة الأكراد وخاصة رئيس حكومة اقليم كردستان بصراحة عن الفشل في العراق، وعن عزمهم على المضي قدما في استقلال المحافظات الثلاث التي ستكون عاصمتها اربيل عاصمة حكومة اقليم كردستان الحالية، وقال بارزاني في شهر شباط ٢٠١٦ " ان وجود الشعب الكردي في الشرق الأوسط هو حقيقة واقعة ويمكن للأكراد كباقي الدول الأخرى اخذ حقوقهم والاستفادة منها، وهذه حقوق طبيعية وهبها الله لهم". وبالطبع لم يتم اجراء الاستقلال الذي وُعِد به القادة الأكراد. وعلى الرغم من وضوح تصريحات بارزاني، لكنها غالباً ماتكون مليئة بالتحذيرات وقليلة التفاصيل، وهذا يشير إلى أن بارزاني ومستشاريه قد يكونوا أكثر اهتماما في التلويح بالأستقلال لتعزيز مصالح أخرى. وفي مقدمتها وضع المنافسين للحزب الديمقراطي الكردستاني التابع لبارزاني مثل الحركات السياسية الرئيسة في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في العراق وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني وحركة التغيير (كوران) في موقف دفاعي.

وبشأن الاطراف الكردية في العراق ، يرى الكاتب ان الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني متنافسين منذ مدة طويلة لكنهم تعاونوا مع بعضهم البعض- وإن كان تعاون غير مطمئن- لإدارة حكومة إقليم كردستان. ظهرت حركة التغيير التي تعد فرع من حزب الاتحاد الوطني الكردستاني بفعل الفساد المستشري في اقليم كردستان وهيمنة الحزبين، ودخلت هذه الاطراف الثلاث ( الحزب الوطني الكردستاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني وحركة غوران) في اكثر من مواجهة خلال مدة رئاسة بارزاني بسبب عدم الوفاء بوعود الاصلاح السياسي، وان دعوة بارزاني الى الاستقلال تعد استفزاز للسياسيين الأكراد واجبارهم على معارضته، الامر الذي سوف يكلفهم سياسياً، ولم يعارض حزب الاتحاد الوطني الكردستاني ولا حركة غوران الاستقلال لكن يختلف حزب الاتحاد الوطني الكردستاني مع الحزب الديمقراطي الكردستاني على شروط استقلال المنطقة الكردية ، وذلك لان قادة حزب الاتحاد الوطني الكردستاني لايرغبون بحكم بارزاني وحزبه للدولة الكردية الجديدة.

وقد اثار الأكراد قضية الاستقلال من اجل السيطرة على الحكومة المركزية العراقية بشأن مجموعة من القضايا، بما في ذلك الصادرات النفطية وحصة إقليم كردستان من عائدات العراق. وقد قاوم القادة العراقيين الاستقلال الكردي طويلاً، لاسيما بعد مطالبة الاكراد بادراج محافظة كركوك الغنية بالنفط ضمن دولتهم، كما عارضت بغداد استقلال الأكراد من حيث المبدأ باعتبارها اهانة للقومية العراقية والعربية .

وعلى الرغم من تصريحات بارزاني حول الاستقلال، الا ان القتال ضد تنظيم" داعش" سيؤدي الى تقوية العلاقات بين حكومة اقليم كردستان وبغداد اذا كان بدافع الضرورة، وفي الحقيقة ان الاكراد بحاجة الى العراق كحاجته اليهم، فمن دون التعاون معاً سيصعب دحر تنظيم" داعش" من الموصل والجزء الشمال الغربي من العراق، وعلى الرغم من عدم الثقة بين اربيل وبغداد، الا ان القوات العربية الموالية للحكومة وقوات البيشمركة الكردية ساندت بعضها البعض بالمقاتلين ووسائل القتال والاسلحة.

بعد الموصل

بعد طرد " داعش" من الموصل، لم يتبقى سببا للأكراد للبقاء داخل الدولة العراقية، واصر القادة الاكراد على ان النظام السياسي في العراق مختل وظيفياً الامر الذي لا يضمن حقوق الأكراد. وقد غيروا موقفهم بشأن كيفية انفصال اقليم كردستان عن العراق، وبدلاً من الضغط لتحقيق الانفصال الذي طالب به بارزاني من خلال تصريحاته في صيف عام ٢٠١٤ وربيع عام ٢٠١٥، يفضل المسؤولون الأكراد اليوم الانفصال عن طريق التفاوض معللين سبب هذا الاجراء الى ان اقامة علاقات جيدة مع بغداد سيكون امراً حاسماً لتأمين استقلال وازدهار واستقرار اقليم كردستان.

ولا يبدو التفاوض بشأن استقلال كردستان امر غير محتمل كما كان سابقاً، اذ فضل بعض الاشخاص داخل الكتل الحاكمة في العراق السماح للأكراد بالمضي في تحقيق مايطمحون اليه، الامر الذي يجيز لبغداد الحفاظ على ١٧ ٪‏ من الموازنة الاتحادية بدلاً من ارسالها الى اربيل. لكن هذا ليس الموقف الرسمي للحكومة العراقية بل الوسيلة التي يمكن من خلالها حل قضية استقلال الاكراد. واذا ادى هذا الأمر الى اعادة تشكيل الوضع السياسي في العراق، فمن المحتمل ان يؤدي استقلال الاكراد الى زعزعة الاستقرار مثلما يخشى البعض. ومع ذلك ، من الصعب ان تتمكن المفاوضات مع الأكراد من الاصرار على التمسك بمحافظة كركوك والمناطق الأخرى المتنازع عليها والتي سيطرت عليها حكومة اقليم كردستان منذ صيف ٢٠١٤، عندما فقدت قوات الأمن العراقية القدرة على مواجهة مقاتلي " داعش".

يوصي الكاتب اربيل وبغداد بالاتفاق على كسر التفاوض، وبهذا ستتضح فائدة الولايات المتحدة، كما يعارض صناع القرار الامريكيين الاستقلال الكردي على اساس ان تفكك العراق سيؤدي الى اراقة الدماء وتقويض امن تركيا واثارة الصراع مع ايران، كما ادعى العديد من المحللين ان الدولة الكردية لن تكون مجدية اقتصادياً، على الرغم من ان هذا الامر هو في حد ذاته عائق امام انشاء الدولة. هذه مخاطر حقيقية، لكن في ظل خروج حكومة اقليم كردستان من المفاوضات مع العراق ستتمكن واشنطن من تطوير العلاقات مع كردستان دون استعداء بغداد. وفضلا عن المساعدات العسكرية من تدريب وتجهيز، يتطلب استقرار كردستان مساعدات اقتصادية نظرا للعبء الثقيل الذي تحمله الاقليم لرعاية اللاجئين السوريين وتعرضه للافلاس في اسواق الطاقة. ومع ذلك سوف تتضاءل مقتضيات هذا الدعم الى حد كبير دون تهدئة رد الفعل العراقي العنيف نظراً للعلاقات الاقتصادية بين العراق وحكومة اقليم كردستان. فضلا عن ذلك، سوف تكسب الولايات المتحدة الشريك الذي يسهم في تحقيق المصالح الامنية لها في المنطقة غير المستقرة.

قبضة(تدخل) تركيا

بعد ثلاث سنوات من الغزو الأمريكي للعراق في شهر اذار ٢٠٠٣، اصبحت تركيا، من بعد ايران، القوة الخارجية الاكثر تدخلا في الشأن العراقي لمنع اقامة دولة كردية مستقلة، لكنها منذ عام ٢٠٠٧، بدأت باقامة علاقات سياسية ودبلوماسية واقتصادية قوية مع حكومة اقليم كردستان، كما تطورت العلاقات بين حزب العدالة والتنمية التركي وحزب الاتحاد الديمقراطي، لان تركيا هي المستثمر الأكبر في اقليم كردستان، واكبر شريك تجاري في المنطقة والمستفيد من صادرات نفط كردستان، وقد اشارت بشكل ضمني عن استعدادها لقبول الاستقلال الكردي عن العراق.

تنظر تركيا الى العراق على انه حاجز او عازل يمنع انتقال عدم الاستقرار الى الخارج، كما ان هناك علاقة يشوبها نوع من التوتر بين بارزاني والحزب الديمقراطي الكردستان مع حزب العمال الكردستاني الذي تعده تركيا جماعة ارهابية، فضلا عن سوريا وحزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب.

قد تبقى ايران التي يبلغ عدد الأكراد فيها مابين خمسة ملايين الى سبعة ملايين عائقاً امام الطموحات الكردية العراقية لحين انتهاء معركة الموصل اذ ستكون لطهران واربيل مصالح مشتركة لمحاربة"داعش"، لكنهما يختلفان بشأن الوضع الشرعي لحكومة اقليم كردستان، فضلا عن ان ايران تردد الموقف الرسمي للحكومة المركزية وتدعم وحدة العراق وسعت للتوسط في حل النزاعات بين اربيل وبغداد، كما تقلق من التأثير المحتمل لحكومة اقليم كردستان المستقلة على السكان الأكراد فيها ، وكيف يمكن ان يقلل انحياز الولايات المتحدة وتركيا لكردستان من نفوذها الاقليمي، لكن من غير المحتمل ان تعارض طهران انفصال اقليم كردستان في حال تقليل العراق من معارضته لانفصال الأكراد والتفاوض على تسوية مع الأكراد والأتراك، وكما هو الحال مع تركيا يمكن ان تزيد ايران من التوسع في كردستان العراق المستقل والبحث عن سبل للاستفادة من هذا الوضع.

هذه العلاقات المعقدة بين اكراد العراق وحكومة ايران والعراق وسوريا وتركيا فضلا على علاقاتهم مع الجماعات الكردية في جميع البلدان تؤدي الى زعزعة الاستقرار بشكل كبير. وعلى الرغم من ان الاستقلال الكردي لايزال محفوف بالمخاطر بالنسبة للولايات المتحدة، لكنه من جانب اخر سيقدم فرصة اخرى لواشنطن في الشرق الأوسط المتغير بشكل كبير، وعلى اقل تقدير فانه سيزود واشنطن بشريك بديل عن بغداد وانقرة الذي ثَبُت ان كلاهما حلفاء مترددين او غير متكافئين في الصراع مع تنظيم " داعش". سيرحب الأكراد بالاستثمارات النفطية الأمريكية الاضافية لتطوير مصادر النفط والغاز التابعة لكردستان، والتي ستكون خالية من التهديد بفرض عقوبات من قبل بغداد، كما سيؤدي الاستقلال الى تعميق العلاقات الأمريكية مع المجتمع الذي يرحب بالعلاقة مع الولايات المتحدة، كما قد يجعل الاستقلال الكردي العراق اكثر تعاطي من الناحية السياسية.

لم تشجع الولايات المتحدة الاستقلال الكردي خلال غزو العراق عام ٢٠٠٣، لكن بعد مرور عقد من الزمان ثَبُت انه فرصة لصناع السياسة الأمريكية من اجل تأمين المصالح الأمريكية في المنطقة المضطربة.

التحليل:

تشكل الدولة الكردية عامل ضعف بالنسبة للاطراف الاقليمية تركيا والعراق وسوريا وايران من عقود طويلة ، وبقيت ولاتزال القضية الكردية تشغل بال صانعي القرار في هذه الدول. لذلك ، ومع تنامي التغييرات السياسية بعد اسقاط النظام في بغداد 2003 وتداعياتها الاقليمية المستمرة والازمة السورية منذ 2011 والموقف الاميركي تجاه قضايا المنطقة وتصاعد الدور الايراني، والتغييرات الامنية بعد بروز داعش وسيطرته على مناطق واسعة في العراق وسوريا، والتغييرات الاقتصادية المتمثلة بانخفاض اسعار النفط ، جميعها ساهمت بدرجات متفاوتة في ابراز القضية الكردية في المنطقة وبدأت الاطراف الكردية في بلورة مطالبها بشكل علني واصبح لها دور يعول عليه اقليميا وعاليما في محاربة التنظيمات الارهابية. وفي المستقبل تشير المعطيات الى ان الاطراف الكردية وماتحظى به من دعم اميركي وغربي سيكون لها دورا كبيرا سياسيا وامنيا، وهذا الدور يتوضح تدريجيا منذ مدة لاسيما في العراق وسوريا. بقي ان ايران وتركيا لديهما مواقف مشتركة ، فالاكراد في كلا البلدين لايتمتعون بالقدرة على بلورة مطالبهم ولم تسمح لهم الظروف الداخلية لبلدانهم في ابراز شؤونهم وتصعيد دورهم ليكون عابر للحدود كما يحصل مع اكراد العراق وسوريا.

ربما يشكل استمرار فشل نظام الدولة في العراق وسوريا وفشل تحقيق الامن وزيادة التدخلات الايرانية والتركية في اطار التنافس الجيو سياسي الى ان يتحول الاكراد الى حليف اكثر موثوقية بالنسبة للولايات المتحدة والعالم الغربي من بغداد وانقرة التي تزداد مخاوفها من تنامي الدور الكردي. لذا قد يعول صانع القرار الاميركي على الاطراف الكردية في احلال الامن في المناطق التي يسيطرون عليها ليجري الاستفادة منها سياسيا للضغط على دول المنطقة، واقتصاديا لتوسيع الاستثمارات الاميركية في وقت تهدف فيه الادارة الاميركية برئاسة ترامب الى تعظيم الاقتصاد الاميركي وخلق مزيد من الوظائف.

رابط المقال الاصلي:

http://www.cfr.org/iraq/conditions-ripening-iraqi-kurdish-state/p38637

مقالات ذات صلة