شعار ترامب" امريكا اولاً" وحماية حقوق الانسان في الشرق الأوسط

الكاتبة: لانا بيداس زميلة في مبادرة حقوق الإنسان في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن العاصمة.

الناشر:مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS / واشنطن.

تموز / 2017

ترجمة: هبه عباس محمد

عرض وتحليل : م.م. مؤيد جبار حسن

سعت الكاتبة في هذه المقالة الى ايضاح طبيعة السياسة الخارجية للولايات المتحدة في الموازنة بين السعي لتحقيق المصالح الوطنية ودورها كمدافع عن حقوق الانسان. وقد أعطى هذا التوازن بصيصا من الأمل للاشخاص المضطهدين في جميع أنحاء العالم باعتبار حقوقهم وحياتهم مهمة، حتى وإن كانوا يفهمون أن تلك الحقوق لن تكون اكثر اهمية من امن الولايات المتحدة ​​والضرورات الاقتصادية. اذ تستخدم الولايات المتحدة الدبلوماسية ولها الحق في تكييف التعاون العسكري والاقتصادي فيما يتعلق باحترام حقوق الأفراد والمنظمات والمؤسسات المعارضة. وقد عانت الإدارات السابقة من أجل تحقيق هذا التوازن الصعب؛ اذ نجحت في بعض الحالات وفشلت في حالات أخرى. غير أن الإدارتين الجمهورية والديمقراطية تبنتا الفكرة القائلة بأن تعزيز حقوق الإنسان والإصلاحات الديمقراطية لدى الشركاء الأجانب أمر ضروري لمصالح الولايات المتحدة، واعترفوا بأن الدول التي تقوم على احترام حقوق الإنسان والقانون ستكون شركاء تجاريين وأمنيين أكثر موثوقية واستقرارا وازدهارا. وعلى هذا النحو، تم استعمال أدوات دبلوماسية واقتصادية واستراتيجية، على نحو انتقائي، دعما لحقوق الإنسان في البلدان المتحالفة والمتخاصمة على حد سواء.

وقد كان الرئيس دونالد ترامب واضحا في سياسته الخارجية ، مدافعا عن مبدأ" امريكا اولاً" ، وهذه السياسة تضع الامن الوطني الأمريكي- مع التركيز الواضح على محاربة " داعش"- في قلب السياسة الخارجية للولايات المتحدة ومن اولوياتها بينما تهمل حماية حقوق الانسان. وقد أشار وزير الخارجية ريكس تيلرسون إلى أنه "من المهم حقا أن نفهم جميعا الفرق بين السياسة والقيم ... قيمنا حول الحرية والكرامة الإنسانية والطريقة التي يعامل بها الناس - تلك هي قيمنا. هذه ليست سياساتنا ... ففي بعض الظروف، إذا فرضنا جهودنا الأمنية الوطنية على شخص يعتمد قيمنا، ربما لا يمكننا تحقيق أهدافنا المتعلقة بالأمن القومي".

وتُظهِر زيارة الرئيس ترامب الى الشرق الأوسط لمحة عن كيفية تطبيق هذا النهج في منطقة تعاني من تحديات حقوق الانسان. فخلال الوقت الذي قضاه في السعودية قال:" ان امريكا دولة ذات سيادة وان من اولوياتها هي سلامة وامن مواطنيها، وانا لا اتواجد هنا من اجل النصح، ولا لتعليم الناس كيف يعيشوا، وماذا يفعلون وكيف يعبدون، بل ان الهدف من هذه الزيارة هو التغلب على التطرف وهزيمة قوى الارهاب". هذه الكلمات تعطي اشارة واضحة لزعماء العالم بأن الولايات المتحدة لاتقوم بهذا اذا كانت نيتها انتهاك حقوق الانسان حتى لو ادعت القيام بذلك على اساس مكافحة الارهاب.

وتستعرض الكاتبة عدد من الدول العربية واحوال حقوق الانسان :

-         في مصر شنت السلطات هناك حملة واسعة النطاق ضد المجتمع المدني، واعتقلت عددا من النشطاء فضلا عن اغلاق ١١٤ موقعا الكترونيا كدعاية لمكافحة الارهاب. وقد أصدر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قانون الجمعيات الذي يحظر على المنظمات غير الحكومية المشاركة في أي عمل تعتبره الحكومة ضارا للأمن القومي أو النظام العام أو الآداب العامة أو الصحة العامة. وينص القانون على إنشاء هيئة وطنية لتنظيم المنظمات غير الحكومية الأجنبية التي تضم ممثلين عن أجهزة الأمن القومي في مصر للإشراف على أعمال منظمات المجتمع المدني. فاللغة الغامضة في أحكام القانون في بيئة مشحونة بالأمن تزيد من احتمال استخدام القانون لإسكات الأصوات المعارضة والناقدة وخنق المدافعين عن حقوق الإنسان.

-         وفي البحرين قامت السلطات البحرينية بالكثير من العمليات ضد مواطنيها بحجة ان هؤلاء المواطنين يدعون الى العنف ويدعمون الارهاب. ففي احتجاج شهر ايار ٢٠١٧ قتلت السلطات البحرينية ٥ اشخاص وألقت القبض على ٢٨٦ شخص. وهذه الردود على الاحتجاجات ليست بالأمر الجديد، فضلا عن ذلك اوقفت السلطات البحرينية نشر صحيفة " الوسط" المستقلة الوحيدة في البلاد بحجة اثارة العنف والتوتر وتهديد العلاقات البحرينية مع الدول الاخرى. كذلك وافق ملك البحرين حمد بن عيسى ال خليفة في شهر نيسان٢٠١٧ على تعديل دستوري يسمح للمحاكم العسكرية بمحاكمة المدنيين المتهمين بتهديد امن الدولة. وقد زادت انتهاكات حقوق الانسان بعد شهرين من وضع وزير الخارجية تيلرسون تحسين حقوق الانسان في البحرين كشرط لاتمام صفقة بيع طائرات حربية " اف١٦" واسلحة اخرى الى البحرين، البلد الذي يعتبر حليف مهم في الحرب على الارهاب.

-         المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة لا تزالان موضع اهتمام عندما يتعلق الأمر باحترامهما لحقوق الإنسان والقيم الديمقراطية وسيادة القانون، ولا يزال المدافعون عن حقوق الإنسان ومجموعاته في كلا البلدين يتعرضون للتخويف والمضايقات. كما يوجد في اليمن قوات من كلا البلدين بحجة محاربة الارهاب فيها، وقد ادت الحرب التى استمرت حوالى عامين الى وقوع ٧٦٠٠ من الضحايا المدنيين وتسببت فى كارثة انسانية. ووفقا لتقرير مكتب الامم المتحدة لتنسيق الشؤون الانسانية" أوتشا" فأن الوضع في اليمن يزداد سوءا، ويزداد عدد الاشخاص الذين يعانون ويموتون بسبب صراع يستخدم أساليب هدفها إلحاق الضرر بالمدنيين، فضلا على انهيار شبكات الأمان المجتمعي والمؤسسي التي تحافظ على الحياة. ومع ذلك، لم يكن لدى الإدارة الأمريكية ما تقوله حول مايقوم به حلفائها.

لدى معظم حكومات الشرق الأوسط سجل طويل من انتهاكات حقوق الإنسان بحق مواطنيها، بما في ذلك الاعتقال التعسفي والتعذيب القسري والقتل خارج القضاء والتمييز ضد الأقليات والنساء، وبدورها وضعت الادارات السابقة في الولايات المتحدة شروطا خاصة بحقوق الانسان فيما يتعلق بالمساعدات العسكرية والدعم لهذه البلدان. فعلى سبيل المثال، حجبت إدارة جورج دبليو بوش المساعدات إلى مصر احتجاجا على إدانة سعد الدين إبراهيم، الناشط المصري البارز في مجال حقوق الإنسان، في عام ٢٠٠٢، واعتمد نشطاء ومجموعات حقوق الإنسان في المنطقة على مثل هذه المشاركة من قبل الولايات المتحدة.

وسيكون من الخطأ أن تتخلى الولايات المتحدة عن دعمها الطويل الأمد لحقوق الإنسان الذي يعد عنصر أساسي في استراتيجيتها الأمنية الوطنية، وان قمع المعارضة في البحرين ومصر ودول عربية أخرى سيؤدي في نهاية المطاف إلى عدم الاستقرار ويسهل التطرف، الامر الذي يهدد الأمن الوطني والإقليمي والعالمي. وهناك ترابط راسخ ووثيق بين انتهاكات حقوق الإنسان وعنف الدولة ودعم المنظمات المتطرفة العنيفة والأيديولوجيات. ويعد التطرف امر معقد ومتعدد الأوجه، فهو يختلف من سياق الى سياق ومن فرد الى اخر، لكن ما خلص إليه البحث التحليلي على مدى العقد الماضي هو أن هناك الكثير من العوامل التي تسهم في انضمام الشباب إلى الجماعات المتطرفة منها "الاوتوقراط، والاستبعاد السياسي، والتدخلات الغربية المعيبة، وفشل الحكم، وإغلاق سبل التعبير السياسي السلمي، وعدم الثقة في الدولة والنخب التقليدية وتراجع السلطة وانعدام الفرص لتزايد أعداد الشباب، فالمجموعات الإرهابية تستفيد من انتهاكات حقوق الإنسان، وسوء الحكم، وانعدام سيادة القانون، والتمييز، والتهميش، والاستبعاد من أجل تطرف الأفراد. وان ماحدث في مصر والعراق وليبيا وسوريا وتونس يدل على أن فشل الحكومات في حماية حقوق مواطنيها ومعالجة مظالمهم يخلق أرضية خصبة للجماعات الراديكالية المتطرفة لحشد المجندين المتحمسين.

ان التكيف مع هذه التحديات يتطلب تعديل السياسة الخارجية للولايات المتحدة بما يتلائم مع التزامات ومسؤوليات الدول تجاه مواطنيها, ولا يمكن هزيمة الإرهاب بالعمليات العسكرية والضربات الجوية فقط، بل يجب ان تنطوي عمليات محاربة الإرهاب على هزيمة الجماعات المتطرفة العنيفة والتصدي للعوامل التي تدفع تجنيد هذه الجماعات. وبدون هذا النهج الشامل الذي يعزز حقوق الإنسان والأمن كمصالح تكميلية، ستفشل الجهود الأمريكية الرامية إلى تعزيز أمنها وأمن شركائها في الشرق الأوسط. لذا فأن السياسة الخارجية الفعّالة التي تركز على الامن الوطني ومحاربة الارهاب يجب ان تساعد على بناء مجتمعات قوية تترسخ فيها حقوق الانسان ودور القانون، ويستلزم هذا الأمر ممارسة الضغط على الحلفاء العرب والشركاء في مكافحة الإرهاب واتخاذ خطوات ملموسة لفتح حيز سياسي وإجراء إصلاحات مؤسسية حقيقية، وقال ١٥ عضوا من اعضاء مجلس الشيوخ من كلا الحزبين الديمقراطي و الجمهوري "ان العالم الديمقراطي الذي يحترم حقوق الانسان ويتقيد بسيادة القانون سيعزز امن واستقرار ورخاء امريكا".

التحليل: استغلت الولايات المتحدة حقوق الانسان في سياستها الخارجية بصورة براغماتية، هدفها الاول والاخير المصالح الامريكية العليا.

لكن الرئيس الحالي دونالد ترامب رجح كفة منافع بلاده على مبادئ حقوق الانسان بشكل واضح، وكان على استعداد للتعامل مع اكثر الانظمة دموية في الشرق الاوسط في سبيل بقاء ولاء الاخيرة للبيت الابيض واستمرار تدفق اموال الذهب الاسود الى خزائن واشنطن ودعم اقتصادها الذي يعاني من مشاكل خطيرة.

وقد استعرض المقال عدد من الدول العربية التي تعاني انتهاكات كبيرة لحقوق الانسان ، منها مصر والبحرين والسعودية والامارات. لكنه غفل عن البلد الذي اريد له ان يكون واحة الديمقراطية في صحراء القهر العربية القاحلة، العراق.

هذا البلد قدم مئات الالاف من الشهداء في سبيل نيل تلك الحرية والحقوق الانسانية وتعرض لغزو أممي تحت لافتة جلب الحرية للعراقيين. وواجهت تجربته الديمقراطية الوليدة تحديات ومؤامرات داخلية وخارجية .واليوم وبسبب الطبقة السياسية التي تعاني التخبط والتعلق بالموروث الديكتاتوري وتفشي الفساد ، اليوم هذا المنجز الغالي الثمن في خطر وعرضه للزوال والاندثار، أمام تغاضى او تجهال امريكي متعمد لما يحصل هناك، فكان اولى بالكاتبة ان تشير لها ولو ببعض كلمات.       

https://www.csis.org/analysis/what-would-america-first-mean-human-rights-protection-middle-east

مقالات ذات صلة