قراءة قانونية في مشروع قانون تعديل قانون الاحوال الشخصية

Spread the love

د. ميسون طه حسين / كلية الامام الكاظم –ع- قسم القانون/بابل
باحث مشارك في قسم الدراسات القانونية – مركز الدراسات الاستراتيجية
كانون الاول-ديسمبر – 2017
احتل مشروع تعديل قانون الاحوال الشخصية رقم (188) لسنة 1959 المعدل المطروح حاليا على طاولة مناقشات مجلس النواب العراقي الحالي والذي صوت بالموافقة عليه من حيث المبدأ، في جلسته التي عقدت في (1 تشرين الثاني 2017) ،اهتمام المتابعين والمثقفين والمفكرين واساتذة الجامعات وناشطي المجتمع المدني ، كونه يحمل مضامين بالغة الاهمية من شأنها ترتيب آثار خطيرة في موضوعة الاحوال الشخصية لأفراد الشعب العراقي .
بداية القول نشير الى الاساس القانوني لمشروع التعديل والذي يتمثل بنص المادة (41) من الدستور والتي تنص على ان ( العراقيين احرار في الالتزام بأحوالهم الشخصية حسب دياناتهم أو مذاهبهم أو معتقداتهم أو اختياراتهم ، وينظم ذلك بقانون ) ، الحقيقة ان هذه المادة هي الوريث الشرعي لقرار مجلس الحكم رقم 137 لسنة 2003 القاضي بإلغاء قانون الاحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 و (تطبيق احكام الشريعة الاسلامية فيما يخص الزواج والخطبة وعقد الزواج والاهلية واثبات الزواج والمحرمات وزواج الكتابيات والحقوق الزوجية من مهر ونفقة وطلاق وتفريق شرعي او خلع والعدة والنسب والرضاعة والحضانة ونفقة الفروع والاصول والاقارب والوصية والايصاء والوقف والميراث وكافة المحاكم الشرعية (الاحوال الشخصية) وطبقا لفرائض مذهبه) .
وهذه المادة اصلاً مادة خلافية وهي من بين المواد الخلافية قيد التعديل الدستوري ولم يتم حسمها حتى اليوم ، إذ ان مجلس النواب شكل لجنة لتعديل الدستور في 17/7 /2016 ، مبيناَ ان المواد الدستورية التي سيجري تعديلها هي المواد الخلافية والتي تصل الى 18 مادة ، من أصل 144، وعلى الرغم من تشكيل لجنة نيابية في العام 2006 بعد نفاذ الدستور ،إلا انها لم تستطع حسم هذه النقاط. وتحتاج النقاط المعدلة في الدستور إلى استفتاء من قبل عموم الشعب العراقي.
رب قائل يقول بأنه حتى لو كانت المادة خلافية ، فإنها لاتزال مادة دستورية نافذة وغير ملغاة بالتالي يصح الاستناد عليها ، قد يكون هذا الرأي سديد من الناحية الشكلية ، الا انه جانب الصواب في فلسفة فن التشريع ، إذ ليس من الحكمة التشريعية استناد مجلس النواب الى مادة دستورية خلافية ومطروحة على طاولة التعديل ، ليجعلها أساس في تبني أحد اهم القوانين ذات العلاقة المباشرة بتنظيم الشؤون الحياتية الاجتماعية للأفراد .
هذا من جانب ، من جانب آخر ان القانون الحالي رغم كم الانتقادات الواردة عليه الا انه تميز بكونه قد أخذ من المذاهب الإسلامية أفضل ما فيها والأقرب إلى روح العصر، وعلى سبيل المثال لا الحصر فقد أخذ من المذهب الحنفي بلوغ سن الثامنة عشر لأهلية الزواج، وعن الإمامية اعتبار الطلاق المقترن بعدد لفظا أو إشارة لا يقع إلا طلقة واحدة، وعن الشافعية والحنابلة مسألة الإشهاد على عقد الزواج، وعن الظاهرية الوصية الواجبة بمعنى إذا توفى لولد، ذكر كان أو أنثى قبل وفاة أمه أو أبيه فإنه يعتبر بحكم الحي عنده وفاة أي منهما، وينتقل استحقاقه من الإرث إلى أولاده ذكوراً أو إناثاً الخ.
اما بخصوص موضوع مشروع التعديل وماجاء به من احكام ، فقد تضمن خرقاً كبيراً لمبدأ الفصل بين السلطات الوارد في المادة(47) من الدستور النافذ، عندما نص بالمادة (أولاً/3/أ) على أ- يجوز للمسلمين الخاضعين لأحكام هذا القانون تقديم طلب إلى محكمة الأحوال الشخصية المختصة لتطبيق الأحكام الشرعية للأحوال الشخصية وفق المذهب الذي يتبعونه ب- تلتزم المحكمة المختصة بالنسبة للأشخاص الوارد ذكرهم في الفقرة (أ) من هذا البند عند إصدار قراراتها في جميع المسائل التي تناولتها نصوص قانون الأحوال الشخصية (188) لسنة 1959 المعدل وغيرها بالأحوال الشخصية بإتباع ما يصدر عن المجمع العلمي في ديوان الوقف الشيعي، والمجلس العلمي والإفتائي في ديوان الوقف السني، وتبعاً لمذهب الزوج، ويصح أن يكون سبباً للحكم.
إن المادة المذكورة تجرد القاضي من واحدة من أهم أدواته المهنية ألا وهو النص القانوني ، فالقاضي ملزم بتطبيق القانون وفق المفهوم الرسمي باعتباره القواعد العامة الملزمة المدونة في وثائق خاصة من قبل السلطات المختصة في الدولة في حين في مشروع التعديل ستتحول وظيفة القاضي الى مطبق لمضامين الفتيا الدينية التي ستصدر عن المجمع العلمي في الوقفين ، وهذا خلاف المبادئ القانونية الدولية والوطنية في تنظيم عمل السلطة القضائية في الدول المعاصرة.
كما أن ديواني الوقف السني والوقف الشيعي يرتبطان بمجلس الوزراء بموجب أحكام المادة (103/ ثالثاً) من الدستور، بالتالي فان تدخلهما في عمل القضاء سيشكل مساساً بمبدأ الفصل بين السلطات الآنف الذكر ومبدأ استقلال القضاء الوارد بالمادة (87) التي تنص على ان: “السلطة القضائية مستقلة وتتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها وتصدر أحكامها وفقاً للقانون” لأن قرارات السلطة القضائية سوف لن تكون وقفاً للقانون كما نصت عليه المادة (87) أعلاه، وإنما ستكون قراراتها رهن بقرار ديواني الوقف السني والشيعي التابعين للسلطة التنفيذية.
إن المادة المذكورة ستنحدر بالفرد العراقي من حالة المواطنة وتقذف به إلى حالة المذهبية والطائفية وبأبشع صورها بسبب كثرة الاختلافات داخل المذهب الواحد ،وكثرة الاختلافات في موضوع فتوى واحدة ، إذهناك تباين شاسع بين احكام المذاهب بل وافرعها ايضا في تطبيق العديد من المسائل والقضايا المصيرية والاسرية التي نظمها قانون الاحوال الشخصية رقم 188 بقواعد موحدة مستندة الى الاحكام الفقهية والمذهبية المتنوعة الاكثر تحقيقا للعدالة والاكثر ضمانا لاستقرار الاسرة والمجتمع والاكثر توفيرا للحقوق.
كما إن المقترح يؤدي الى خسارة الحقوق المكتسبة للمرأة بموجب القانون النافذ للأحوال الشخصية، إذ يؤدي الى الغاء حق الزوجة في التفريق القضائي الذي اقره الفصل الثاني من الباب الرابع من قانون الاحوال الشخصية النافذ، ويؤدي الى حرمان تعويض الزوجة عن الطلاق التعسفي ، ويؤدي الى حرمان الزوجة المطلقة من السكن في دار الزوجية، وحرمان الزوجة من ارث الاراضي والغاء الوصية الواجبة بما يضر بالأحفاد المتوفي عنهم والدهم”.
اضافة الى حرمان الأم من حقها في حضانة المحضون وهو الحق الذي سجله لها قانون الاحوال الشخصية الحالي ، اما فيما يتعلق بسن الزواج وان كان المقترح لم يضع سن محددة ولم يشر الى هذا الموضوع ولم يجبر احدا على تزويج ابنته القاصر الا انه وفقا للفقرة أ من المادة الاولى سيفتح الباب واسعا امام تزويج القاصرات بحجة الرجوع الى احكام المذهب بالتالي فالحرية هنا حرية وهمية لان من سيختار بين تطبيق القانون او تطبيق فتاوى الفقهاء هو ولي القاصر ولا ارادة لها في ذلك وهذ مصادرة لحقوق وحريات الاطفال واخلال بالالتزامات الدولية التي تحملتها الحكومة العراقية في ميدان حقوق الانسان عامة وحقوق الطفل والمرأة خاصة .
من باب آخر سيفتح مشروع التعديل ان اقر بصيغته الحالية الباب واسعا أمام الاختلافات والنزاعات بخصوص اختيار المذهب وتفرعاته فيما يتعلق بالمادة اربعة من التعديل التي نصت على ان تعد عقود الزواج السابقة على نفاذ هذا القانون ، قد تم ابرامها وفقا للمذهب الشيعي أذا تضمنت حجة الزواج عبارة ” عند المطالبة والميسرة” بشأن استحقاق المهر المؤجل مالم يثبت العكس..) ، وفقا لهذه المادة يعتبر كل من تزوج قبل نفاذ القانون وتضمن عقد زواجه العبارة السابقة بأنه ابرم عقد زواجه وفق المذهب الشيعي ، أي بمعنى انه ينطبق عليه حكم المادة الاولى الفقرة أ السابق ذكرها بالتالي هو يعتبر قد اختار تطبيق احكام فقهاء المذهب على احكام القانون بل انه استبعد قانون الاحوال الشخصية بكل المسائل التي ينظمها ، مالم يثبت العكس اي ان هذه المادة قررت أثرا رجعيا لحكمها واضافت نزاع جديد بين طرفي العلاقة في محاولة اثبات عكس ذلك الاثر . خلاصة القول ، المقترح فاشل قانونا واجتماعيا وان كان لابد من التعديل فلابد ان يكون مشروع التعديل اكثر نضجا واكثر استيعابا لهموم العراقيين ومشاكلهم مع قانون الاحوال الشخصية ، لا ان يزيد الامر سوءا ويدخلهم في خضم الصراعات المذهبية والطائفية .