هل العالم مستعد لانفصال اقليم كردستان؟ الاستفتاء بين اكراد العراق يجعل الشرق الاوسط على الحافة.

Spread the love

بقلم ستيفن أ. كوك
الناشر: مجلس العلاقات الخارجية/ واشنطن.
ايلول 2017
ترجمة وتحليل: أ. م. د. حسين احمد السرحان
هذا الصيف حافل بالاحداث لاسيما في الشرق الاوسط. اذ بدأ بمقاطعة قطر من قبل جيرانها في 5 حزيران، تبعها تغيير في خط الخلافة في المملكة العربية السعودية. ثم جاءت أعمال العنف والاحتجاجات على الإجراءات الأمنية في جبل الهيكل / الحرم الشريف في القدس، ثم تحرير الموصل وتلعفر في العراق. كذلك تقدم قوات الدفاع السوري المدعومة اميركيا في الرقة، وحالات الاصابة بمرض الكوليرا في اليمن التي اعلنت عن ذاتها كعاصمة للدولة الاسلامية حيث وصل عدد الاصابات الى اكثر من 600,000 الف مواطن. وتفجر الاحتجاجات في المغرب احتجاجا على وفاة أحد صيادي الاسماك فى الخريف الماضى على يد الشرطة، واستمرار ايران في تعزيز قوتها في الشرق الاوسط. كذلك تأخير الادارة الاميركية مساعداتها لمصر والبالغة 300 مليون دولار لتعزيز اهتماماتها في الشوؤن الجيوبوليتيكية وفي حقوق الانسان. واستمرار عملية التطهير الواسعة النطاق في تركيا. واقتراب الادعاء العام في اسرائيل من اتهام رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالفساد.
وهذه الاحداث بقدر مايترتب عليها عواقب وخيمة الا انها تحضى باهتمام ضئيل. وعلى مدار تلك الاحداث ، جرت استعدادات اكراد العراق لتنظيم الاستفتاء حول الانفصال الذي تم في 25 ايلول. وبهذا يحاول الأكراد العراقيون التراجع عن ما فعلته عصبة الأمم تحت الضغط البريطاني في عام 1925 عندما ربطت محافظة الموصل العثمانية السابقة بالعراق. وعلى اقل تقدير يشعرون ان إدماجهم في العراق كان تجربة غير سعيدة.
وفي العلاقة بين الاكراد والدولة العراقية يلاحظ ان الاحدث الابرز خلال الثلاث عقود الماضية هو حملة الانفال سيئة الصيت في الاشهر الاخيرة من الحرب العراقية الايرانية1980 – 1988 قتل فيها مايقارب من 100,000مواطن كردي. ومن بين الذين لقوا حتفهم خمسة آلاف مدني في وفيات فظيعة بعد أن أسقطت القوات العراقية غاز الخردل العصبي في مدينة حلبجة. وبعد 3 سنوات فقط طرد الاكراد من العراق الى تركيا عندما صعدوا من معارضتهم لصدام حسين بعدما قاد التحالف الدولي حملته لاخراج الجيش العراقي من الكويت. في المقابل، امر الرئيس الاميركي جورج دبليو بوش بتشكيل منطقة حظر طيران حيث حظرت الطائرات العراقية من العمل فوق خط العرض 36، وحماية الأكراد وإنكار العراق سيادته الكاملة.
هذه الاحداث الصادمة هي الاكثر سوءا في العلاقات الدموية بين بغداد واكراد العراق. ولم يتسبب العنف إلا في بذل المزيد من الجهود الروتينية لإقناع الأكراد وإخضاع تطلعاتهم وطموحاتهم. كذلك قام صدام بحملة تعريب لتغيير التركيبة الديموغرافية للمناطق التي يسود فيها الأكراد ومنها محافظة كركوك الغنية بالنفط، والتي تقع بين محافظتي أربيل والسليمانية الكرديتين، فضلا عن محافظة صلاح الدين العربية السنية في الغالب. وكركوك كانت منذ فترة طويلة منطقة متنوعة شملت الأكراد والعرب والتركمان، ولكن صدام سعى لتغيير ديموغرافيتها بشكل دائم عن طريق تحريك العرب السنة إلى المنطقة ودفع الأكراد خارجها. ومثل حلبجة، اصبحت كركوك رمزا وطنيا للعديد من الكرد.
واستمرت مناطق حظر الطيران الأمريكية والبريطانية في شمال وجنوب العراق حتى آذار 2003 واسقاط النظام. وخلال الـ 12 عام من الحروب العراقية تمكن الاكراد من بناء دولة ضمن الدولة العراقية. في عام 1992 شكل البرلمان الوطني الكردي حكومة اقليم كردستان في اربيل والسليمانية ودهوك. وبعدها تحولت المحافظات الكردية الثلاث في العراق رسميا إلى منطقة حكم ذاتي في الترتيبات السياسية، اتخذت هذه الدولة خطوة نحو “الدولة” الفعلية. كانت حكومة إقليم كردستان في فترة ما بعد الحرب تتمتع بخصائص مماثلة للدولة قبل الغزو – برلمان، رئاسة، وزارات وجيش – ولكن مع الإطاحة الأمريكية بصدام، بدا الاستقلال الكردي أكثر معقولية. ومع ذلك كانت هناك فوائد لشبه الدولة. ومنها على سبيل المثال تمتع القادة الكرد بجميع مظاهر الاستقلال دون تحمل المسؤولية الكاملة في الحكم. رئيس اقليم كردستان- الذي لم يكن اكثر ديمقراطيا – يمكن أن يستشهد بإنجازات حكومة إقليم كردستان ولكن لديه احباط من الحكومة المركزية في بغداد التي يمكن أن يلقي اللوم عليها عندما تصبح الأمور صعبة. وشبه الدولة هذه ايضا سمحت للكرد ببناء كردستان العراق مع مُنح من الحكومة المركزية، مع الحفاظ على أن الأكراد لن يكونوا هم الذين يعجلون بتفكك العراق. هذا الترتيب له حدود. من وجهة نظر الأكراد، فإن القيادة العراقية في بغداد مصممة على إبقاء حكومة إقليم كردستان ضعيفة. وفي اطار نظام تحصيل الغنائم في العراق، يحصل اقليم كردستان على 17% من عوائد الحكومة الاتحادية. وطبقا لمسؤولين في عاصمة الاقليم اربيل، فان بغداد استمرت في التقصير في تحصيل الاقليم على حصته من العوائد وقد تسببت هذه المحنة المحاسبية في تفاقم العلاقة بين كل من الأكراد والعرب وأجبرت الأكراد أنفسهم على تجاهل الاتفاقات مع بغداد كما يرون مناسبا. ومن اثار تلك العلاقة بيع حكومة الاقليم النفط بشكل مستقل عن الحكومة الاتحادية. في مرحلة ما من عام 2014، دعت المعركة على تجارة النفط من حكومة إقليم كوردستان آنذاك نائب الرئيس الأميركي الى جو بايدن للتدخل. وساعد المسؤولون الاميركان على وجود اتفاق بين حكومة الاقليم والحكومة الاتحادية في كانون الاول عام 2015، ولكن تعثر ذلك الاتفاق بسرعة مما ادى الى بيع حكومة الاقليم النفط بدون الاتفاق مع الحكومة الاتحادية. ثم ان سيطرة داعش على مساحات واسعة واداء القوات الامنية العراقية الضعيف حينها، ولدت قناعة لدى القادة الكرد بأن العراق قد تعرض لانكسار كبير لايمكن تداركه.
بالاضافة الى الاحباط والاتهامات المتبادلة يوجد دعم شعبي بين العراقيين الاكراد للتوجه لتقرير مصيرهم. الشباب الاكراد، بالخصوص، لا يعرفون شيئا عن زملائهم العراقيين، ولديهم القليل من القواسم المشتركة معهم. أساطيرهم الوطنية هي الأساطير الكردية، وليس الأساطير العراقية. في كانون الثاني 2005 جرت حركة استفتاء اقليم كردستان استفتاء غير رسمي حول الانفصال في نفس الوقت الذي كان العراقيون يصوتون في اول انتخابات برلمانية بعد 2003. وصوت 98.8 في المئة من الأكراد الذين شاركوا في التصويت لمصلحة البقاء ضمن العراق. وكانت هذه العملية غير رسمية، على الرغم من أن الاستفتاء في غضون أسابيع قليلة هو أكثر تبعية بكثير لاستقرار ووحدة العراق.
ما بين حكومة إقليم كردستان وبغداد هي الولايات المتحدة في ظل ادارة الرئيس ترامب، وقد عارضت توقيت الاستفتاء. الناس داخل البلاد يحبون الأكراد ولكنهم يكرهون فكرة الاستقلال الكردي، في حين يعلنون رسميا أن قضية الدولة الكردية “لا مفر منها”. الجدل اليوم حول اقتصاد اقليم كردستان – الذي قد يكون غير قابل للحياة وسط فقدان كركوك التي لاتريد بغداد خسارتها لصالح الاقليم، وكذلك المعارضة الايرانية والتركية ورفض بغداد لفكرة الانفصال فضلا عن التزام الولايات المتحدة بوحدة العراق.
وكثيرا ما يثار هذا الجدل بأستخفاف ساخر بين بعض المعلقين والمحللين الذين يجادلون بأن بارزاني وحزبه على حافة الهاوية مع خصومه المحليين وبغداد في خدمة صفقة افضل. ونتيجة لذلك، قالوا أن الاستفتاء لن يحدث، وحتى لو حدث، فأنه لن يعني الكثير. على ما يبدو بالنسبة للبعض، فأن كل شيء في الشرق الأوسط يعود إلى السوق والعرض والطلب.
صحيح أن أسباب المعارضة الأميركية لتوقيت الاستفتاء الكردي قد تكون صحيحة، الا إنها تفتقر إلى قدر معين من الواقع. على سبيل المثال، حتى لو كان بارزاني ينخرط في نوع من المناورة للحصول على النفوذ مع بغداد وحصة اكبر من إيرادات الحكومة وليس لديه نية حقيقية للانفصال عن العراق، الا ان التصويت الشعبي الساحق قد يؤدي إلى خلق ضغوط سياسية محلية تجبر الزعيم الكردي على هذا الطريق اي طريق الانفصال. ومن المؤكد فأن انخفاض اسعار النفط كشف عن زيف ادعاءات اربيل ببناء اقتصاد ديناميكي واتضح انه اقتصاد اجوف، وبالتالي من الصعوبة ان تكون هناك جدوى اقتصادية لانفصال كردستان.
الاتراك يعارضون انفصال اقليم كردستان لأنهم قلقين من انفصال اكراد سوريا وهم (الاتراك) يخوضون قتال مع حزب العمال الكردستاني الذي يصنفونه على انه منظمة ارهابية. ومع ذلك فأن تركيا هي أيضا أكبر مستثمر في إقليم كردستان، وحزب مسعود برزاني يطور علاقات قوية مع حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم في تركيا. ويأمل اكراد العراق في أن لا يؤثر تنازل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن حقهم القومي المناهض للأكراد على تطلعاتهم في إقامة دولة. وبغض النظر عن ذلك، من الصعب تصور ذلك في وقت يتواجد فيه الجيش التركي في العراق للقضاء على الاستقلال الكردستاني.
المشكلة الحقيقية ان الكرد في طهران وبغداد غير صادقين. الايرانيين يعارضون الاستفتاء لنفس الاسباب المرتبطة بالرفض التركي. ولديهم مكون كردي مستقل يعيش في وسط سياسي وثقافي مهيمن. الإيرانيون لديهم قدرة أكبر على ايذاء الأكراد، وهذا هو السبب في أن المسؤولين في أربيل غاضبون من أن الولايات المتحدة قد نصحت بتأخير الاستفتاء. وهم (الكرد) يعتقدون أن هذا لم يشجع إلا الإيرانيين على تهديد الأكراد. من وجهة نظرهم، الموقف الأمريكي محير، وكان من المفترض أن تعمل إدارة ترامب لتحديد نفوذ طهران في المنطقة، وعدم تمكين السلوك الإيراني من الشرق الاوسط.
الى حد بعيد، حتى الآن، أصعب قضية بالنسبة للكرد معارضة القيادة العراقية. فقد حذر رئيس الورزاء حيدر العبادي الكرد من الذهاب الى نفق مظلم وهذا لا يبشر بالخير للطلاق الودي الذي يسعى إليه الأكراد بين بغداد واربيل. العبادي يشعر بقلق كبير من تكرار مشاهد في مناطق اخرى السيئ مثل محافظة الانبار التي لم تندمج مع العراق بشكل موضوعي حقيقي تجعل سكانها يشعرون ببلدهم بفعل الظروف الامنية والانسانية التي مرت بها، او في الجنوب التي يرى سكانه ان بغداد والحكومة الاتحادية تأخذ اكثر مما ييأخذون هم وهي تقدم ايرادات اقل مما تقدمه. ولايبدوا ان العراق سيوفر فترة راحه لشعبة او للاميركيين. وكما أن التهديد الوجودي لتنظيم داعش قد تراجع مرة واحدة، يرى الأكراد أن فرصة انفصالهم تكمن في هذه المرحلة. ومن المرجح أن وسائل الإعلام سوف تتجاهله إلى حد كبير، ولكن الفصل التالي في الصراع الداخلي في العراق هو على الولايات المتحدة الاميركية.
التحليل:
لايقتصر الكاتب في مقاله على المواقف المحلية والاقليمية والدولية الرافضة لموضوع الاستفتاء في اقليم كردستان بل بحث في جانبين مهمين ايضا: وهما الجانب الاقتصادي الذي يرجح ان يكون عليه الاقليم بعد الانفصال وهو وضع صعب وسيكون اسوأ من وضع الاقليم. فالاقليم لايختلف كثيرا عن بغداد في عدم التمكن من بناء اقتصاد انتاجي فاعل وتحقيق ناتج محلي يتناسب مع عدد السكان والاسباب هنا لاتختلف كثيرا عن الاسباب لدى الحكومة الاتحادية واولها الفساد وانعدام الرؤية الواضحة للانموذج الاقتصادي الذي يرتقي بمتوسط الدخل والانفاق العام رغم ان الاقليم شهد وضعا امنيا مستقرا طوال هذه المدة وايرادات مالية تبلغ 17% من الموازنة العامة للدولة سنويا ناهيك عن الايرادات التي يحصل عليها الاقليم من المنافذ الحدودية مع تركيا وايران.
الجانب الثاني، وهي قضية التخوف الكبير من بغداد تجاه قضية الانفصال، فبالرغم من تعايش جميع مكونات المجتمع العراقي مع المكون الكردي والقبول المتبادل بينها، وكذلك النصوص الدستورية والقانونية الضامنة لحقوقهم في اطار الدولة العراقية والقبول بذلك الا ان الشعب العراقي يرفض قضية انفصال الاقليم عن العراق.
يشير الباحث الى نقطة مهمة تبرر التخوف من الانفصال، وهي قضية جوهرية يتفق الغالبية معها، وهي قضية اخفاق الحكومة الاتحادية في كافة القطاعات السياسية والاقتصادية والثقافية والامنية والخدمية وغيرها ونتج عن ذلك حالة من ضعف الاندماج بين مكونات المجتمع بفعل الوضع الامني وسيطرة القاعدة وداعش على مناطق واسعة من غرب العراق وكذلك الحالة الانسانية التي خلفتها الحرب ضد داعش. وسبب اخر مهم وهو انعدام العدالة في توزيع الموارد على كافة المحافظات وبالتالي هذا الضعف يؤثر سلبا على تطلعات الافراد وتجعلهم يراقبون ماستؤول أليه الاوضاع في كردستان لاسيما مع وجود طبقة سياسية تعاني ازمة ثقة تهدف الى تعزيز نفوذها ومصالحها حتى على حساب وحدة البلاد وهذا ربما يدفع بعض القوى السياسية الى السير خلف التجربة الكردية وتكرارها.
بالنتيجة كل هذه الاثار هي نتيجة اخفاق سياسي وصراع سياسي مكن الساسة من احداث شرخ كبير بين المكونات بفعل توظيف الطائفية والقومية لتحصيل المكاسب السياسية. ولذا نعتقد ان هذه المخاوف لابد ان تنبه الى ضرورة الاصلاح السياسي الضامن لانبثاق مشروع دولة وبناء مؤسساتها على اسس الكفاءة والاطر التشريعية الضامنة لحقوق جميع المكونات والفئات الاجتماعية بعدالة وانصاف.
رابط المقال الاصلي: https://goo.gl/QyezHD