ماذا لو استمرت الاحتجاجات في إيران؟

Spread the love

م. م. ميثاق مناحي العيساوي

باحث في قسم الدراسات السياسية/ مركز الدراسات الاستراتيجية-جامعة كربلاء

كانون الثاني-يناير 2018

بعيداً عن التفسير الثيوقراطي والتوظيف المذهبي أو الطائفي لمفهوم الدولة، اعطت الاحتجاجات التي تحدث في إيران منذ نهاية العام الماضي وحتى الآن انطباعاً لدى الجميع بعدم قدسية أي نظام سياسي أمام المطالبات الشعبية. وعلى الرغم من الامنيات السياسية التي تكنها بعض الأنظمة السياسية في المنطقة والعالم، المتمثلة في الإطاحة بالنظام السياسي الإيراني، إلا أن هناك رغبات مضادة لها على مستوى منطقة الشرق الأوسط والعالم. فضلاً عن ذلك، فأن حجم التظاهرات ما زال تحت السيطرة وغير قادرة على تهديد بنية النظام السياسي الإيراني، إذا ما قورنت بالمظاهرات التي شهدتها إيران في العام 2009. هذه الرغبات ربما كانت عامل حسم في الاطاحة ببعض الأنظمة السياسية في مطلع العام 2011 أو ما سمي بثورات الربيع العربي. فلا يمكن للسخط الجماهيري وحركة الاحتجاجات أن تكونا اللاعب الوحيد في تغيير بعض الانظمة السياسية. فنظام الشاه في إيران لم تتم الإطاحة به لولا توفر الرغبات الدولية أنذاك. كذلك كان لتلك الرغبات عامل الحسم في بقاء بشار الأسد رئيسا لسوريا لحد الآن. لكن مع ذلك يمكن لنا أن ننطلق من فرضية المقال التي شاعت في الاسابيع الماضية بعد تصاعد حركة الاحتجاجات في إيران، حتى وأن حملت في ثناياها فكرة طوبائية وهي ماذا لو استمرت الاحتجاجات الإيرانية؟

إن استمرار الاحتجاجات في ايران من عدمه يرتبط بقدرة النظام الإيراني على الاستجابة الفعلية لمطالب المحتجين وتحسين المستوى المعاشي للمواطن الإيراني، حتى وأن حمل المحتجون بعض الشعارات الراديكالية. وأن قدرة النظام على استيعاب تلك الاحتجاجات قد تكون بطرق سلمية أو بطرق أخرى قد تدفع النظام الإيراني إلى استخدام القوة المفرطة ضد المحتجين كما حدث في العام 2009؛ حفاظاً على بنيته السياسية من التصدع والانهيار. وعلى الرغم من أن حركة الاحتجاج الإيرانية لا يمكنها أن تطيح بالنظام السياسي الإيراني حالياً، إلا أنها تعطيه تحذيراً قويا فيما يتعلق بتوجهات إيران الداخلية والخارجية. لكن لو افترضنا جدلاً بأن التظاهرات الإيرانية حصلت على الدعم الخارجي “وهذا ما تخشاه طهران وحلفائها” واستمرت لمُدد أطول أو خرجت عن سيطرة النظام، ربما نشهد بعض المتغيرات على الصعيدين الداخلي والخارجي (على مستوى الداخل الإيراني ومنطقة الشرق الأوسط) وكلاهما مرتبطان ببعضهما. فاستمرار الاحتجاجات الإيرانية واستجابة النظام لمطالبها، قد يكون على حساب العامل الخارجي وتمدد النفوذ الإيراني في المنطقة؛ لأن التكاليف التي ستدفعها طهران جراء تمددها الإقليمي ستكون تكاليف باهظة جداً، قد تتمدد على حساب مستوى دخل الفرد الإيراني ورفاهيته، فضلا عن ما يشهده الاقتصاد الإيراني من عقوبات دولية ومحاصرة إقليمية قد يزيد من حالة البؤس والاحتجاج لدى المواطن الإيراني تجاه توجهات النظام السياسي وتطلعاته الخارجية. ان استجابة الأخير “استجابة فعلية” لرغبة المتظاهرين، قد يترتب عليها تغيرات على مستوى المنطقة برمتها، فانكماش إيران نحو الداخل يعني انخفاض مستوى الدعم المقدم لتعزيز مصالحها في (سوريا واليمن ولبنان والعراق والبحرين وفلسطين). وهذا قد يترتب عليه نتائج ربما تكون إيجابية أو سلبية. لكن الشيء المهم هو، أن انكماش طهران سيكون لصالحها داخليا ولصالح استقرار المنطقة، في حال فهمت طهران ودول المنطقة ذلك، وابتعدت عن سياسة المحاور والتحالفات الدولية. وستكون إيجابية لتلك الدول التي تعاني من مشكلة عدم الاستقرار السياسي، وربما تكون سلبية في حال استغل التراجع الإيراني من قبل خصوم طهران التقليديين للانتقام من حلفائها في تلك الدول.

فعلى سبيل المثال، ربما يكون تراجع الدور الإيراني في العراق دافعاً قوياً في احكام السيطرة الداخلية وزيادة التماسك الاجتماعي وتقوية المؤسسة العسكرية وتحييد قوات الحشد الشعبي وزيادة دعمها “محلياً ودولياً”، لكن بموازاة ذلك، يجب أن يكون تراجع دور إيران في العراق مصحوباً بسياسة حكومية رشيدة لملىء الفراغ داخليا. كذلك الحال بالنسبة لسوريا، لا بد أن يكون هناك حل توافقي بين الأطراف المعنية في الأزمة السورية قبل انسحاب طهران منها؛ لأن انسحاب الأخيرة من سوريا ربما يوفر البيئة المناسبة للحركات المتطرفة والإرهابية من جديد، ومن ثم ستكون لتلك الحركات قواعد ومناطق أمنة تستطيع من خلالها أن تهدد أمن العراق واستقراره كما حصل في منتصف العام 2014. وعليه فأن استمرار الاحتجاجات في إيران، ربما تجبر النظام على تغيير سياسته والانكماش نحو الداخل وخفض الدعم الموجه لتعزيز مصالحها في المنطقة بشكل كبير أو أن يقوم النظام بقمع الاحتجاجات بالقوة واخمادها من أجل احكام سيطرته الداخلية واستمرار مد نفوذه الإقليمي. لكن بكلتا الحالتين، لا اعتقد بأن طهران ستعطي البديل المناسب لخصومها التقليديين في المنطقة.