السياسة المائية التركية تجاه العراق

Spread the love

بقلم: مريم  طهماسبي، نقلا عن مركز الابحاث العلمية والدراسات الاستراتيجية في الشرق الاوسط/ طهران.

ترجمة : م. خالد حفظي التميمي

عرض وتحليل: م.م. مؤيد جبار حسن

مركز الدراسات الدراسات الاستراتيجية-جامعة كربلاء

ترى الكاتبة ان منطقة الشرق الأوسط بأجوائها الجافة تشهد تحولا في ميزان القوى من سطوة البترول الى سطوة المياه العذبة، ويرجع ذلك الى زيادة عدد السكان وتصاعد الطلب على الماء نتيجة لذلك. كذلك من الاسباب: تغير المناخ وسوء الإدارة المحلية المتحكمة في المياه، حيث تحاول العديد من البلدان استغلال الممرات المائية الحدودية المشتركة بصورة مكثفة غير مدروسة.

وعلى هذا الأساس، تستخدم الحكومة التركية السياسة المائية في ساحتها الداخلية والخارجية، وذلك من خلال التحكم بمثلث القوة الذي يتكون من مياه آمنة، وتشتيت الأكراد في جنوب شرق الأناضول، والاستفادة من التنمية الإقليمية في اتجاه تفوق انقرة.

ويعكس تأثير المياه والسياسة على المستوى الإقليمي دور الموارد المائية في السياسة الخارجية، وهو ما يفسر كيف تعمل السياسة الخارجية لبلد ما على إمدادات المياه.

وبسبب نقص المياه، ظهرت نزاعات المياه العابرة للحدود الناتجة عن إشكالات تقاسم وإدارة الاحواض المائية، والاستخدام المفرط لمياه النهر في الجزء العلوي منه وانخفاض تدفق المياه في الجزء السفلي من النهر.

أن تركيا، باعتبارها البلد الذي تتدفق من اراضيه المياه ، تقر لنفسها السيادة المطلقة على تلك المياه، وترفض ادعاء جيرانها بشأن الحق في المياه، مدعية أنه مثلما الموارد النفطية لأي بلد من حق ذلك البلد، فأن موارد المياه التي تنبع منها هي ملكها. في حين يرى كل من العراق وسوريا، جاريّ انقرة المهمين، ان نظام الانهار العابرة للحدود برمته ينطبق على نهري دجلة والفرات.

لقد أثر مشروع جنوب شرق الاناضول في تركيا، والمعروف باسم (GAP)، على نظام تدفق المياه تأثيرا شديدا في نهري دجلة والفرات وهما الشريان الحيوي لغرب آسيا. ويشتمل هذا المشروع على بناء 22 سدا، أهمها سد أتاتورك على نهر الفرات وإليسو على نهر دجلة.

كما أدى خفض كمية المياه في الجزء الشمالي من الانهار الى عدم استقرار اتجاه مجرى المياه المصبوبة في حوضي دجلة والفرات وزيادة الاراضي الزراعية المهجورة، ومن بينها جزء كبير من الأراضي الزراعية في سوريا والعراق.

من الامثلة على الازمة البيئية جفاف هور (العظـِيم) على الحدود العراقية الايرانية. اذ أن انتشار التعرية جاء نتيجة الرياح، وانعدام وجود الغطاء النباتي من جهة العراق، وانعدام دور الاراضي الرطبة لهور العظيم في صد العواصف الترابية القادمة من  الصحراء الخالية من جهة ايران. اذ انه حدث بعد تشغيل سد أليسو في مناطق المركز وغرب ايران والعراق الى ظهور ما يعرف بـ “تسونامي الغبار” وهو مزيج من الغبار الناعم والدخان.

لقد اثرت شرارة الأزمة المائية الناجمة عن الجفاف وعدم الانتظام في النظام الإيكولوجي للمناطق المتضررة سلبيا على الحياة في تلك المناطق ، وهذا سيؤدي إلى تفاقم وتيرة الفقر، والى تصاعد السخط العام الذي يؤدي الى نزاعات وحروب داخل الدول وفيما بينها.

ويمكن أن يكون ملف المياه أحد الأسباب الرئيسة للنزاعات المائية في المنطقة، يتبين ذلك من خلال السجل التاريخي للخلافات المصرية الاثيوبية. اذ قامت إثيوبيا  ببناء سد باسم “سد النهضة” وانشاء محطات الطاقة الكهرومائية على نهر النيل اعقبه رد فعل جاد من القاهرة. مثال آخر، في عام 1990 عندما اغلقت تركيا مجرى الفرات لمدة 90 يوما لملء سد أتاتورك، حشد العراق قواته العسكرية على الحدود التركية.

على غرار نظام المياه غير المؤاتية في المنطقة الداخلية من بناء سد (كتوند) على نهر كارون وقرب منجم الملح هناك. فان هذه العملية قد تسببت في ملوحة الماء  مما ادى الى جفاف التربة وتيبس أشجار النخيل.

لقد كان النمط السلوكي لتركيا في مراقبة وتشغيل وإدارة حوضي نهر دجلة والفرات تبحث عن من يدعم سياساتها من دول منبع الانهار في المنطقة، مثل أثيوبيا والامر ينطبق عليها (اثيوبيا) كذلك.

ان مشروع (GAP) يهدف الى تدمير للتراث الثقافي والتاريخي. وفي الداخل التركي يهدف الى تغيير ديمغرافي وتدمير التكامل الاجتماعي للأكراد وتجنب تجاور المناطق الكردية من ناحية، وتكون المياه والسدود محور للسياسية الخارجية التركية من ناحية اخرى.

ونتيجة لاستخراج المياه، فإن أداة تركيا الفعلية للسياسة الخارجية ستزيد بالمقابل من تفوقها على إمدادات النفط الأخرى من البلدان. وبعبارة أخرى ستستخدم الحكومة التركية المياه  لتعزيز مصالحها الوطنية.

لقد كانت سياسة تركيا تتعارض مع التوجه التعاوني بين الدول المشتركة في نهري دجلة والفرات، على أساس مبدأ المساعدة الذاتية مع التركيز على خلق مفارقة بيئية بين مناطق المنبع والمصب. وقد أدى تصرف انقرة إلى انخفاض الدورة المائية، مع حدوث اختلال مثل انعدام الأمن الغذائي، والتشرد البيئي، وتدمير النظام الإيكولوجي في المنطقة (النظام البيئي).

ويظهر تقييم الأثر البيئي لمشروع (GAP-جنوب شرق الأناضول) أنه تخطى السيادة الداخلية وكانت له آثار عابرة للحدود الوطنية، وبالتالي فان اعتماد الأمن المائي على موارد المياه الأجنبية يمس الأمن في المنطقة. كما إن عدم وجود  إدارة بناءة في مجال الاستفادة المشتركة وإدارة المياه السطحية والجوفية، يمكن أن يجعل هذه الموارد عاملا في خلق أزمات بين البلدان.

والنتيجة هي أنه من أجل رصد موارد المياه العابرة للحدود لتحقيق نصيب عادل، من الضروري تعزيز التدابير المحلية والوطنية والإقليمية من أجل الإدارة المثلى للمياه. وفي السياق الحالي فانه يعد نهجا  للتفاوض المائي والمشاركة البناءة.

وتقترح الكاتبة أربعة حلول للخروج من الاختلال البيئي الذي تعيشه المنطقة:

أولا: إنشاء لجنة خاصة بنهري دجلة والفرات من أجل أدارة متكاملة وشفافة في الهيكل القانوني الملائم للحوضين وإنشاء منظمة متعددة الوظائف تقوم على علوم المياه المختلفة ودراسة شاملة واستخدام الجغرافيا السياسية.

ثانيا: على تركيا تغيير نمط رؤيتها للمشكلة، واعتماد سياسات تاخذ بعين الاعتبار مصالحها مع دول الجوار، والحالة التشاركية للأنهار الحدودية.

ثالثا: استخدام تقنيات الزراعة الحديثة التي تضمن محصول زراعي كبير مع توفير كبير في استخدام الماء، وكذلك تقنية زراعة الاشجار باقل  طاقة وماء، والنباتات التي تتحمل الجفاف، مثل نبات او عشب  التوت البري  لمواجهة الغبار.

رابعا: استخدام المنظمات غير الحكومية لتدريب المجتمعات المحلية على التكيف مع الظروف الجديدة الناجمة عن قلة المياه وعواقبها.

 

التحليل:

يعد ملف المياه من الملفات المهمة والخطيرة لتعلقه بسلعة لا تـُعرف قيمتها الحقيقية الا وقت ندرتها، الا وهي الماء. فالاخير يدخل في الحاجات الفسلجية للانسان وفي الزراعة والصناعة وتوليد الطاقة، وغيرها الكثير من المجالات.

وفي نظرة سريعة للحالة المائية لكل من تركيا وسوريا والعراق، نرى ان هذه البلدان الثلاث يجمعها ، بالاضافة الى الجوار الجغرافي والتاريخ المشترك، المصير المائي ذاته. لكن المثير في الامر ان انقرة بدأت باستخدام الماء الذي ينع من اراضيها كسلاح من اسلحتها الاستراتيجية ان لم يكن ابرزها. وذلك من خلال تحويل التخمة المائية لديها الى اداة ضغط وتهديد وحرب مصالح مع دول الجوار المستفيدة من مياه نهري دجلة والفرات.

الكاتبة مريم طهماسبي في هذه المقال تشير الى ما تفعله تركيا حاليا من بناء السدود على الانهار المشتركة دون ان تلتفت الى مصالح وحقوق الاخرين، وتردد مقولة الماء كالنفط ثروة وطنية ولانقرة الحرية في التصرف بها، وهذا الكلام يجافي الحقيقة والمنطق والقانون الدولي كذلك، فالنفط يقبع تحت الارض وتستخرجه هذه الدولة او تلك بادوات وكلف معينة وليس كالماء يجري على سطح الارض ويتدفق بصورة طبيعية دون تدخل الانسان او بذل جهد او انفاق اموال وتخطيط.

ان الاعتداء على الحصة المائية للعراق، وهو ما يهمنا دون باقي الدول، يجب ان تعده الحكومة العراقية عملا سلبيا من جانب تركيا، يستلزم اتخاذ الاجراءات القانونية الصارمة تجاهه. وبما ان بغداد لن تستطيع تحشيد الجيوش على حدود تركيا كما فعلت في عام 1990 ، لاسباب عديدة ، الا انها تستطيع استخدام الميزان التجاري الذي يشير الى ورود اكثر من 20 مليار دولار بضائع من تركيا الى العراق عبر المنافذ الحدودية، بحسب الملحق التجاري العراقي[1] ، وبالتالي اصبح العراق اكبر سوق للبضائع التركية في المنطقة [2]، والتهديد بقطعها كورقة ضغط اقتصادية ، كذلك تحريك الجانب الامريكي لدفع انقرة وثنيها عن التمادي في تجفيف العراق وقتل الحياة فيه.

لكن الحكومة التركية وعلى رأسها اوردوغان ذا التوجه الاخواني والماضي العثماني ، لازالوا يرون ان الحكومة العراقية طائفية [3]، وان رئيس مجلس الوزراء العراقي ندا لها [4]، حين طالبه العبادي بسحب قواته من الاراضي العراقية. وهذا متوقع في العرف الدولي بين الدول القوية والدول الضعيفة والمترنحة ، فالاحترام والهيبة والمصداقية لن تنالها الدول الهشة. ويبدو ان الاتراك يطبقون المثل السويدي بحذافيره:” عندما يحترق بيت جارك، أجلب الماء لبيتك”.

 

رابط المقال الاصلي:

https://www.cmess.ir/Page/View/2017-10-16/2233

 

 

 

[1] قناة NRT  ، الرابط: http://www.nrttv.com/AR/Detail.aspx?Jimare=46346

[2] صحيفة العرب اللندنية، الرابط: http://www.alarab.co.uk/?id=15182

[3] قناة العالم، الرابط: https://goo.gl/pWZEMM

[4] قناة الحرة، الرابط: https://www.alhurra.com/a/erdogan-al-abadi-iraq-turkey/326467.html