تأثير المظاهرات على السياسة الخارجية لإيران

Spread the love

الكاتب: اريان طباطبائي

الناشر: مركز الدراسات الاستراتيجية-جامعة كربلاء نقلا عن مجلة الشؤون الخارجية الامريكية

ترجمة: هبه عباس محمد

عرض وتحليل: م.م. مؤيد جبار حسن

شباط-فبراير 2018

في نهاية شهر كانون الاول 2017، اندلعت احتجاجات في مدينة مشهد الواقعة في شمال شرق إيران. في الوقت الذي يحتفل فيه بقية العالم بحلول سنة جديدة، انتشرت مظاهرات كبيرة في المدن والبلدات في انحاء البلاد. وبحلول الثاني من شهر كانون الثاني 2018 قُتل أكثر من 20 شخصا وسط الاضطرابات، لان المسؤولين الإيرانيين سارعوا بالرد على أكبر المظاهرات منذ الحركة الخضراء 2009 وهي موجة من الاحتجاجات على أعادة انتخاب محمود احمدي نجاد للرئاسة. ومن جانبه غرد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في موقع التواصل الاجتماعي تويتر للتعبير عن أفكاره حول ما حدث.

ووفقا لترامب، فإن الشعب الإيراني سئم من رعاية النظام للإرهاب، الذي يسلب ثرواته، وقال ” هناك العديد من التقارير عن الاحتجاجات السلمية من قبل المواطنين الإيرانيين المتضررين من فساد النظام وإهدار ثروات البلاد لتمويل الإرهاب في الخارج. يجب على الحكومة الإيرانية احترام حقوق شعبها، بما في ذلك الحق في التعبير عن النفس”. وقد هيمنت هذه النقطة منذ ذلك الحين على تصريحات المسؤولين الأمريكيين والمشرعين حول التطورات في إيران. وكما قالت سارة هوكابي ساندرز السكرتير الصحفي للبيت الأبيض، فإن ترامب بالتأكيد ” يريد أن تتوقف إيران عن كونها دولة راعية للإرهاب. وأعتقد أن هذا شيء يود العالم كله رؤيته”.
لكن ترغب الولايات المتحدة وحلفائها  كثيرا في أن تؤدي الاحتجاجات إلى تحول جذري في السياسة الإيرانية، ومن غير المرجح ان تغير الحكومة الإيرانية مسارها . في الواقع، يجب على الإدارة والمراقبين أن يضبطوا آمالهم وتوقعاتهم على ما يمكن أن يحققه المتظاهرين.

إن علاقات إيران مع الجماعات المسلحة وغيرها من الجهات الفاعلة غير الحكومية في منطقتها ليست مجرد مسألة أيديولوجية أو حتى اقتصادية. ومما لا شك فيه أن الثوار سعوا في الأيام الأولى للجمهورية الإسلامية إلى إقامة علاقات مع مختلف الجماعات الشيعية وتحدي ما اعتبروه أنظمة فاسدة أقرب إلى ذلك الذي يردون الاطاحة به في الوقت الحالي. ولكن هذه العلاقات أقرب الى محور الأمن منه الى محور العقيدة الثورية.

ومن الفوائد الامنية التي تحصلت عليها طهران من علاقاتها مع الجهات الفاعلة غير الحكومية، هي الردع، وتبادل المعلومات الاستخبارية، والمساعدة في عمليات التجسس، ومكافحه الإرهاب، وعرض القوة. فعلى سبيل المثال، تستخدم الحكومة الايرانية علاقاتها الشاملة مع حزب الله للحصول على المعلومات الاستخبارية ولردع إسرائيل والولايات المتحدة، كما تخول علاقاتها  الأكثر تواضعا مع الحوثيين لإيران القدرة على ايذاء منافستها السعودية بتكلفة منخفضة ؛ وساعد تعاونها التكتيكي مع تنظيم القاعدة في تسعينيات القرن الماضي وعام٢٠٠٠ الى منع إيران من ان تصبح هدفا للمجموعة ؛ ودعمها لجماعات طالبان يسمح لها بدحر ” داعش” المعروفة باسم الدولة الاسلامية ولاية خراسان في أفغانستان.

ومن المؤكد ان علاقات إيران بهذه المجموعات لا تاتي بدون تكلفة. فالآثار التي تمس السمعة والأخلاق والاقتصاد تحبط اندماج البلد الكامل في المجتمع الدولي. والعقوبات المتبقية على إيران بسبب دعمها لتلك الجماعات، فضلا عن ان الأموال التي تنفقها على ذلك الدعم، تجعل الانتعاش الاقتصادي الذي تشتد الحاجة اليه أكثر صعوبة. وبما ان البلد يسعى إلى جني ثمار الصفقة النووية التي أبرمتها مع القوى العالمية ، فعليه ان يتصدى لهذه العقبة إلى جانب تلك النابعة من تحدياته الداخلية ، بما في ذلك الفساد وسوء الادارة الذي يحتج ضده الإيرانيون اليوم، وتلك التي تقع خارج سيطرة طهران، مثل عدم اليقين الذي أوجدته سياسة ترامب تجاه ايران.
ولكن في حساباتها الخاصة بالتكاليف والفوائد، ترى إيران ان الفوائد الأمنية لعلاقاتها مع مختلف المجموعات الفاعلة غير الحكومية تتجاوز تكاليفها الاقتصادية. وهذا هو السبب في أن عقود من العقوبات والعزلة لم تؤد إلى خفض دعم إيران للمجموعات المجاورة لها. في الواقع، فإن انهيار السلطات المركزية، وصعود الجماعات الإرهابية المتخاصمة مثل داعش و(الدولة الاسلامية ولاية خراسان)، واختبار القوة الأمريكية في المنطقة، كلها تعمق الاعتقاد لدى المسؤولين الحكوميين الايرانيين بأن البلاد يجب أن تكون قادرة على العمل مع الجهات الفاعلة غير الحكومية من أجل تعزيز مصالحها وتلبية احتياجاتها الأمنية. ومن غير المحتمل أن يغير المتظاهرون هذه النظرة العالمية بشكل جوهري.

في الواقع، على الرغم من أن بعض المتظاهرين قد طعنوا في السياسة الخارجية لإيران في الأيام الأخيرة، لكن ركز معظمهم على المسائل الاقتصادية والقضايا السياسية التي تؤثر على رفاههم الاقتصادي، مثل الفساد وانعدام الشفافية وسوء الإدارة. ومن المرجح أن يتم تصميم استجابة الحكومة وفقا لذلك. وقد يسارع المراقبون الدوليون إلى الإشارة إلى أن بعض الشعارات التي سمعت الآن في شوارع إيران تتعلق بمسائل السياسة الخارجية، ولكنها ليست شيئا جديدا. في عام 2009، كان الإيرانيون يرددون بالفعل: ” لا غزة ولا لبنان أعطي حياتي لإيران”. وتعبر الشعارات بالتأكيد عن استياء الإيرانيين من العديد من سياسات قيادتهم، بما في ذلك تلك التي تتجاوز حدود بلادهم. ولكن اعتبارات السياسة الخارجية عادة ما تكون منخفضة في قائمة أولوياتهم، بالمقارنة مع القضايا التي تؤثر على حياتهم اليومية التي تكون في الأمام والمركز.

وكثيرا ما يظهر الدعم الإيراني للجماعات المسلحة في قائمة الشكاوى المقدمة من الولايات المتحدة إلى الجمهورية الاسلامية. وبعد كل ذلك واجهت القوات الأمريكية منذ زمن طويل تلك المجموعات الفاعلة في المسارح الرئيسة مثل أفغانستان والعراق. كما تساءل الإيرانيون منذ مدة طويلة عن علاقات بلادهم مع هذه الجماعات. لكن ترى المؤسسات السياسية والأمنية الإيرانية في نهاية المطاف أن ثمن هذه العلاقات هو أقل من الفوائد المتحصلة. وبالتالي، فمن المرجح الا يغير المحتجون من دعم بلادهم لتلك الجماعات. وبينما تقيم واشنطن ما ستفعله بعد ذلك فيما يتعلق بالاحتجاجات في إيران، ينبغي لها أن تعدل توقعاتها بشأن مدى التغيير الذي يمكن أن تحدثه.

التحليل:

لم تكن المظاهرات الايرانية الاخيرة اول حدث يهز الشارع الداخلي ويراقبه الخارج بمزيد من القلق والتحفز، بل واجهت منظومة الحكم في طهران مظاهرات أقوى واشد في اعوام سابقة وتمكنت من قمعها وأنهائها قبل استفحال شأنها ولجمها قبل تغولها وتهديدها وجود النظام.

مقال السيد اريان طباطبائي يحل قدر كبير من الواقعية، فهو لم يمضي بعيدا في التفائل بقدرة المتظاهرين على التغيير، كما فعل بعض المحلليين الغربيين والعرب، بل تناول الموضوع بما يحمله من بعد اقتصادي ثار لأجله الايرانيون وتهجموا على حكامهم ليس حبا في شعوب الدول التي ترزخ تحت نفوذ إيران ولا تعاطفا معهم، بل قصدوا حماية حقوقهم وصونها والتي جرى انتهاكها وتقصير القائمين عليها لغاية تحقيق رؤى استراتجية تصب في النهاية في مصلحة قوة وسطوة التأثير الايراني في المنطقة والعالم.

واشار الكاتب الى محاول الرئيس الامريكي دونالد ترامب تجيير التظاهرات لصالح التشهير بالنظام لدعمه ما وصفها بالحركات الارهابية في المنطقة، وهذا جزء من الواقع وليس كلها. لكن الاخير وضع يده على مصدر قوة الجمهورية الاسلامية وحاول مهاجمته، الا وهي الجهات الفاعلة غير الحكومية، والتي تنتشر في عدد من البلدان العربية. وهذه الجهات تؤمن للنظام الايراني عوامل قوته الخارجية التي يحتاجها لكي يكون مع الكبار في المنطقة كتركيا والسعودية. لذا من المستبعد ان تجبر المظاهرات الحالية او حتى المستقبلية، ان حصلت، هذا النظام على التخلي عن اعوانه في الخارج الا ان تتظافر الجهود الاقليمية والدولية على تحقيق ذلك.

رابط المقال الاصلي:

https://www.foreignaffairs.com/articles/iran/2018-01-05/why-protests-wont-change-irans-foreign-policy