لماذا لن تموت الثورة الإيرانية؟

Spread the love

الكاتب: علي رضا نادر

الناشر: مركز الدراسات الاستراتيجية-جامعة كربلاء نقلا عن صحيفة بوليتيكو

ترجمة: هبة عباس محمد علي

مراجعة وتحليل: م. م. ميثاق مناحي العيساوي

شباط-فبراير 2018

يستهل كاتب المقال ” علي رضا نادر” وهو محلل سياسي في مؤسسة راند، مقالته عن تاريخ الثورات والانتفاضات التي حدثت في تاريخ إيران. إذ يرى بأن إيران الحديثة واجهت العديد من الثورات والانتفاضات والتمردات من الثورة الدستورية عام 1905 مرورًا بثورة عام 1979 والثورة الخضراء عام 2009، وصولاً إلى أحداث اليوم. لذا، فان الاحتجاجات الجماهيرية الواسعة التي اندلعت ضد النظام الإيراني مؤخرا ليست جديدة، ولكن، ربما هي الأولى من نوعها، نظرًا لتزامنها مع عددٍ من التحديات الخارجية التي تواجه طهران. فلم تشهد إيران هذه العاصفة الملتهبة منذ عام 2009، وربما عام 1979. وباتفاق جميع المحللين والخبراء، فان انتفاضة عام 2017 هي أكبر تحد تواجهه إيران منذ زمن طويل.

أن الغضب واعمال العنف ضد القوات الأمنية والمكاتب الحكومية جعل هذه الاحتجاجات تختلف كثيرًا عن الثورة الخضراء عام 2009، ولم يقتصر على العاصمة فحسب، بل امتدّ الى المدن والقرى والبلدات كافة، والأهم من ذلك هو طبيعة التمرد المشتّت وغير المقتصر على فئةٍ معينةٍ أو مكانٍ بعينه. لقد امتدت المظاهرات الى المدن والبلدات الصغيرة، التي ردّدت بصوت عالِالٍراني عبارات غاضبة جدًا ضد المرشد الأعلى آية الله خامنئي، مما أدهش العالم بأسره. واللافت للانتباه هو أن الإيرانيين لم يعبّروا عن غضبهم تجاه الخامنئي فحسب، بل تجاه المؤسسة السياسية والدينية برمّتها، وكشفت هذه الانتفاضة أيضا عن ثغرة خطيرة في نظام الردع الداخلي للنظام الإيراني. وعلى الرغم من أن إيران قد تبدو قوية في الشرق الأوسط، الا أن الإيرانيين أنفسهم يستنكرون ويمتعضون من سياسة بلدهم الاقتصادية والاجتماعية والدينية والخارجية. وهذا بالطبع يوفر لواشنطن فرصة نادرة لزيادة نفوذها ضد طهران في ضوء النجاحات الإيرانية في الشرق الأوسط.

بدأت ثورة عام 2017 في مدينة مشهد المحافِظة، وانتشرت شائعات مفادها أن المحافظين المعارضين للرئيس حسن روحاني هم من أشعلها، كما اتهم الحرس الثوري الإيراني الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد بالوقوف وراء الاحتجاجات في مشهد. وبغض النظر عن ذلك، انتشرت الانتفاضة بسرعة كبيرة الى جميع أنحاء إيران، من مدينة مشهد الى مدينة قم والى أصفهان وغيرها. ولكن من الواضح أن أسوأ أعمال العنف وقعت في العديد من المدن الصغيرة التي يتراوح عدد السكان فيها مابين 20,000 -50,000 نسمة. ولم تشهد تلك المدن احتجاجات فقط، بل هجمات شعبية شرسة ضد قوات إنفاذ القانون، والمكاتب الحكومية، ومنشآت الباسيج شبه العسكرية، والمؤسسات الدينية والمصارف والبنوك المرتبطة بالنظام. المثير للاهتمام هو أن المتظاهرين في جميع أنحاء البلاد صرخوا عاليًا ضد الخامنئي، ومزّقوا صوره وأحرقوها، وهذا مايذكّرنا تمامًا بأيام ثورة عام 1979 عندما تمّت الإطاحة بتماثيل الشاه في كل مكان.

انتشرت الانتفاضة الى قلب طهران، مركز الاقتصاد والثقافة، وقيلَ إن الاحتجاجات في العاصمة ضعيفة نسبيًا؛ لان الناس فيها أفضل حالاً من بقية المواطنين في الجمهورية، وخصوصًا في الجزء الشماليّ منها، ولكن هذا مضللٌ جدًا. لقد توقع النظام الإيراني في السابق حدوث اضطرابات مستقبلية في طهران وفي المدن الكبيرة فقط، وركّز كامل قواته ومصادره الاستخبارية فيها، بعيدًا عن المدن والبلدات الصغيرة، وهذا هو السبب الذي جعل الثورة الحالية مباغتة للقيادة.

وعلى الرغم من أن بعض المواطنين في العاصمةِ طهران استفادوا اقتصاديًا جرّاء الاتفاق النووي الإيراني، خصوصًا أصحاب العقود وعلاقتهم مع الحكومة، إلا أن بقية إيران واجهت فقرًا أكبر في ظلّ رئاسة حسن روحاني، بل ان بعض المدن عانت من نسبة بطالة تراوحت ما بين 40-60%. لقد اكتشف الإيرانيون على الأرض أن الدولة تدعم فعليًا التكتلات الفاسدة، خصوصًا بعد التسريبات بخصوص الموازنة العامة، التي شهدت تخفيضات في المساعدات المالية الموجهةِ للفقراءِ من جهة، وزيادة تمويل الحرس الثوري الإيراني والمؤسسات الدينية من جهةٍ أخرى. وقد غضب الإيرانيون كثيرًا، في ظلّ معاناتهم وفقرهم وعدم قدرتهم على اطعام أطفالهم، من إنفاق الحكومة الايرانية على المغامرات الأجنبية بالمليارات، في لبنان وسوريا والعراق وأماكن أخرى. وبينما أصبح الشعب فقيرا، أصبح النظام أغنى، الإيرانيون يعانون، وحلفاء النظام يتمتعون بالقوة والازدهار.

لا يجب أن يكون الغضب بين الإيرانيين مفاجئا، فهذا يعود الى عقود من القمع والطرد وسوء إدارة النظام.

لقد وصل الشعب الإيراني الى قناعة بأن الحكومة لا تعير لهم أي اهتمام، وهنا لابد من ذِكر الزلزال الأخير الذي قتل المئات وخلّف آلاف المشردين، دون أية مبالاة من المسؤولين، بل بتجاهل معيب من الحكومة في طهران. وهذا بالطبع مثال من بين عشراتِ الأمثلة على عدم اكتراث النظام الإيراني بقضايا يومية روتينية، تهمّ الناس العاديين، أكثر من اهتمام النظام بازدهار ونمو حلفائه في الخارج.

 

وأخيرا، كان البرنامج النووي الإيراني هو ذروة حماقة النظام. ولم يعود بالمنفعة على السكان، بل أدى إلى فرض عقوبات أمريكية ودولية نتج عنها مزيدا من الإضرار بالاقتصاد. وكان من المفترض أن يكون اتفاق روحاني النووي مفتاحه لحل المشاكل الايرانية، لكن ليست هناك نهاية لملايين من المواطنين المحرومين الذين كانوا يعلقون أملا كبيرا على الاتفاق النووي. لذا، ليس من المستغرب أن تشتعل الانتفاضة الغاضبة ضد المؤسسة السياسية الدينية بأكملها، بما في ذلك روحاني والإصلاحيين الذين دعموه.

تكهّن البعض باستسلام المنتفضين أو تعرضهم للسّحق من قِبل النظام، ولكن الإيرانيون كسروا الحاجز الأهم، وتجاوزوا الخط الأحمر، ولم يعد بامكان النظام احتواء المتظاهرين بجدار الخوف الذي خلقته الجمهورية الإسلامية. ولم تفقد السلطة الدينية شرعيتها فحسب، بل فقدت أيضًا قدرتها على السيطرة على الجمهور حتى باستخدام أدوات وآليات العنف. وخلافاً لما حصل في الاحتجاجات السابقة، أظهر عدد لا يُحصى من الايرانيين عدم استعدادهم بعد اليوم للمشاركة في لعبة ” الاصلاحي مقابل المحافظ”، والمعروفة عند الغرب باسم ” المعتدلين مقابل المحافظين”. وبالنسبة لهؤلاء الشباب، لم يعد بامكان أحدٌ من المؤسسة، حتى الإصلاحيين، أن يجعل حياتهم أفضل. بالنسبة لهم، لابدّ من انهيار النظام بأكمله، لإتاحة ولادة إيران جديدة.

الانتفاضة الحالية قد لا تؤدي إلى انهيار النظام بشكلٍ فوريٍ، ولكننا نشهد سكرات موت الجمهورية الإسلامية. وحتى لو انتهت الانتفاضة اليوم، فإنها ليست سوى خطوة واحدة في صراعٍ طويلٍ من أجل خلقِ حكومة أكثر تمثيلاً او ديمقراطيةً وشعبية.  قد يُلقي خامنئي وروحاني باللوم على “الأعداء” وراء هذه الانتفاضة، لكن عدوهم هو الشعب الجائع والمضطهد في إيران.

 

 

 

التحليل

على الرغم من التشدد الكبير الذي يظهره كاتب المقال اتجاه الجمهورية الإيرانية وتحامله الواضح عليها، إلا أن هناك بعض النقاط التي أثارها الكاتب بشكل أو بآخر تحتمل أكثر من وجهة نظر، فهو يعكس وجهة النظر الأمريكية وفقا لمصالح دولته أو مؤسسته. وبغض النظر عن الاتفاق مع وجهة نظره من عدمها بخصوص التظاهرات التي اجتاحت المحافظات الإيرانية نهاية العام الماضي واستمرت حتى بداية العام الجديد، لكن هناك وجهة نظر يكاد تتفق عليها اغلب التحليلات، وهي أن المتظاهرين الإيرانيين يعكسون حالة البؤس والاحباط العام من السياسات الحكومية؛ جراء الانفاق المفرط على المؤسسة العسكرية الإيرانية وتوسع نفوذها الإقليمي. صحيح أن التظاهرات في الوقت الحالي غير قادرة على احداث تغيير في بنية النظام الإيراني الحالي، إلا أن استمرار طهران على النهج السياسي الحالي واهتمامها بالتوسع الايديولوجي والعسكري الإقليمي ربما سيحدث أمر غير متوقع حاليا، لكنه سيكون متوقع في حينها، لاسيما مع استمرار فرض العقوبات الأمريكية على طهران وتدني اسعار النفط العالمية.

رابط المقال الاصلي:

https://www.politico.com/magazine/story/2018/01/07/why-the-iranian-uprising-wont-die-216255