مشكلة حقوق العراق في نهري دجلة والفرات الأسباب والحلول

Spread the love

الدكتور ياسر المختار

باحث في قسم الدراسات القانونية – مركز الدراسات الاستراتيجية / جامعة كربلاء

شباط-فبراير 2018

تشكل المياه حوالي ثلاثة أرباع مساحة الأرض، 3% منها مياه عذبة صالحة للشرب والزراعة والباقي مياه مالحة لا تصلح للاستخدام البشري. وهذا يعني إن المياه العذبة ليست عصب الحياة والبقاء فحسب، بل هي أيضًا من المقومات الأساسية لسلامة البيئة والإستقرار والنمو الإقتصادي، إذ إن الأمن الغذائي يرتبط إرتباطًا وثيقًا بأمن المياه.

يعرف النهر بأنه مجرى المياه العذبة، إذ يعتبر من أهم مصادر تلك المياه. أما النهر الدولي بصورة عامة فهو ذلك المجرى الذي ينبع من دولة ما ويسير في دول أخرى، وهو على نوعين: الأول يسمى نهر متعاقب، الذي يعبر أكثر من دولة مثل نهر دجلة والفرات والنيل والدانوب، أما النوع الثاني فهو النهر المتاخم الذي يكون حدود بين بلدين، بحيث تكون لكل دولة ضفة واحدة من هذا النهر مثل شط العرب. ولقد مرّ تعريف النهر الدولي بمراحل عدة وتمكن القانون الدولي في النهاية من التوصل الى تعريف النهر الدولي؛ إذ تناولته المادة الثانية من إتفاقية الامم المتحدة لعام 1997م لاستخدام المجرى المائي الدولي في الشؤون غير الملاحية، بأنه: ” شبكة المياه السطحية والجوفية التي تشكّل بحكم علاقاتها الطبيعية ببعضها البعض كلاً واحدًا نحو نقطة دخول واحدة، وهو المجرى الذي تقع اجزائه في دول مختلفة”.

يعتبر نهري دجلة والفرات من الأنهار الدولية؛ كونهما يمران بأكثر من دولة، إذ نلاحظ أن النهرين يقطعان مسافة في العراق أكثر من كلا الدولتين المتشاطئتين، إذ إن طول نهر الفرات الكلي 2880كم، يقطع في العراق مسافة 1200كم، وهذا يعني أن له نسبة 52% من نسبة طوله الإجمالي. ويعتبر هذا حق من الحقوق الجغرافية للعراق في النهر. أما بالنسبة لنهر دجلة فيبلغ طوله ما يقارب 1718كم، ويقطع في العراق 1415كم من طوله الكلي، أي ما يقارب نسبة 82% من طول النهر، فضلًا عن الروافد التي تصب في النهر عند مروره في العراق، فإن نهر دجلة يتلقى حصته الرئيسية من المياه في العراق، وهذا يعتبر حق للعراق في نهر دجلة فضلًا عن حقه التاريخي والجغرافي في كلا النهرين.

أما من ناحية القانون الدولي العام، فأن للعراق ,أيضًا, حقوقًا قانونية في النهرين ولإعتبارات عديدة، أولها إن نهري دجلة والفرات نهران دوليان بكل الإعتبارات ؛ وذلك استنادًا إلى الإتفاقيات الدولية السابقة مثل إتفاقية (هلسنكي) عام 1966م، وإلى إتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997م، التي أكدت على ما أقرته لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة في 17/6/1994م في مادتها الخامسة التي تنصّ على أن ” حق دول المجرى المائي أن تنتفع كل في إقليمها بالمجرى المائي الدولي بطريقة منصفة ومعقولة ويتوجب عليها التعاون في حمايته وتنميته”، ولكن تركيا لا تعترف باتفاقية 1997 ؛لأنها لم تصادق عليها، وبالتالي فهي غير ملزمة بها. وعلى الرغم من أن هناك معاهدات بين تركيا والعراق يقرّ بها الطرفان بدولية النهرين، إلا أن تركيا تعتبرها لاغية؛ لأنها قد أُبرمت خلال فترة الإنتداب البريطاني والفرنسي على العراق وسوريا.

أما الإعتبار الثاني، فأن هناك بروتوكولات ومذكرات واجتماعات بين دول حوضي دجلة والفرات التي تؤكد دولية النهرين، وخاصةً من الجانب التركي، لكن الأخير ما يزال متمسك بعدم دولية النهرين، وبالتالي يعتبر أن له الحق المطلق في التصرف بمياه النهرين دون مراعاة دول المصب، وهذا يُعد بحد ذاته تجاوزًا سافرًا على مبادئ القانون الدولي العام وعلى حقوق دول المصب.

فضلًا عن ذلك، إن هذه الإتفاقيات والبروتوكولات التي وقعتها تركيا مع كل من سورية والعراق لم تحقق أي تقدم ملموس بشأن تحديد حصص عادلة بين دول الحوض؛ كون هذه الإتفاقيات والبروتوكولات لم تعالج كل المشاكل العالقة، ولم تأخذ بعين الإعتبار الحاجات المائية للمشاريع التنموية والسكانية المرتقبة، وتمّ تأجيل معظم الخلافات الجوهرية، مما أدى لاحقًا إلى تراكمها وأصبح من الصعوبة الوصول إلى حلول وسط بشأنها، خاصةً بعد التطورات السياسية والأمنية التي اجتاحت المنطقة في الآونة الاخيرة، والسعي التركي الحثيث لاستعادة دوره الإقليمي في المعادلة الدولية الجديدة. وهذا الدور التركي، يتطلب سلاحًا جديدًا (سلاح المياه) ؛إذ أدركت تركيا أهميته وفعاليته (ولن تتردد من استخدامه) في حال عدم تحقق رغباتها وطموحاتها في ظل المعادلة الدولية الجديدة.

إن موقف تركيا الدولي من نهري دجلة والفرات كان من أجل الأهداف التي تسعى إليها ، وهي إنشاء المشاريع والسدود على النهرين لكي تحصل على أكبر قدر ممكن من المياه، مهما كانت النتائج التي سوف تترتب على دول أسفل النهر، فهي تعتبر أن النهرين تابعان لها وتحت سيادتها ,ولا يمكن لأي دولة أخرى أن تتدخل في بناء تلك المشاريع والسدود، فهي تقول إن العرب يمتلكون البترول ونحن نمتلك الماء ولا يمكن لأحد التدخل فيه. لكن الحال هنا مختلف اختلافًا جذريًا؛ لأن طبيعة النهر تختلف عن طبيعة البترول؛ وذلك من خلال طبيعتهما الجيولوجية والقانونية أيضاً. وعلى كل حال، فإن تركيا تطمح في النهاية إلى مقايضة دول أسفل النهرين بملفات سياسية أهمها قضية الاكراد، وقضية البترول مقابل الماء.

فضلًا عن تأثير السدود التركية على نهري دجلة والفرات، هناك السدود الإيرانية التي أُنشأت على أهم روافد نهر دجلة، وهما الزاب الصغير والوند، فضلًا عن نهر الكارون الذي يصب في شط العرب.

أن مشكلة العراق الأساسية في شحة المياه، تتمحور في الوضع القانوني للعراق تجاه هذه الازمة، بسبب عدم وجود اتفاقيات دولية مبرمة مع تركيا من أجل تنظيم حقوقه في النهرين؛ وبنفس الوقت عدم احترام تركيا لكل المعايير والأسس القانونية لمراعاة حقوق دول أسفل النهر. فالعراق الآن يعاني من نقصان في معدل الواردات المائية يصل إلى حوالي 61%، مما أدى إلى فقدان أكثر من نصف أراضيه الزراعية، وهذا يعني إن العراق في موقف خطر جدًا، ويجب ايجاد حلول جذرية لهذه المشكلة، وإلّا سوف يصبح العراق في المستقبل عبارة عن صحراء قاحلة بحيث حتى مياه الشرب يقوم بشرائها على شكل قناني من الخارج.

تكمن حلول هذه الازمة في محورين: الأول هو تكثيف الجهود القانونية والدبلوماسية مع تركيا بشكل كبير، كون الحكومات السابقة لم تعمل بصورة جدية على هذا الملف الذي يُعد الأخطر من نوعه؛ لأنه يتعلق بالأمن القومي للبلاد. والمحور الثاني يجب على وزارتي الزراعة والموارد المائية إيجاد حلول هندسية وانشاء شبكات ري حديثة تعمل على الترشيد في استهلاك المياه.