التنشئة الاجتماعية ودورها في تحقيق السلم الاهلي

Spread the love

م. م. حوراء رشيد مهدي الياسري.

باحثة في قسم الدراسات السياسية

مركز الدراسات الاستراتيجية- جامعة كربلاء

14/آذار / 2018

لقد احتل هذا الموضوع مكانه متميزة لدى المختصين والباحثين في علم الاجتماع نظرا للدور المؤثر الذي تمارسه التنشئة في تكوين الانسان السوي الصالح الذي يستطيع التعايش في البيئات المختلفة اذا ما تم تنشئته تنشئة جيدة من قبل المحيط الذي يعيش فيه. كما وتعد التنشئة الاجتماعية عملية يكتسب من خلالها الفرد أساليب سلوكية محدده تتفق مع متطلبات ومعايير المجتمع سعيا لتحقيق التفاعل والتوافق مع الحياة الاجتماعية.

فقد أوضح (روشيه) ان التنشئة الاجتماعية هي الصيرورة التي يكتسب الشخص من خلالها مجموعة من العناصر الاجتماعية والثقافية السائدة في المجتمع وتدخل في بناء شخصيته وعن طريقها يستطيع التكيف مع البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها وبناءا عليه حدد (روشيه) ثلاث خصائص أساسية للتنشئة الاجتماعية تتمثل في:-

  • اكتساب الثقافة.
  • تكامل الثقافة مع الشخصية بحيث تصبح ثقافة المجتمع جزءا مكملا لبناء شخصية الفرد.
  • التكيف مع البيئة الاجتماعية.

ونظرا لما يعنيه السلم الاهلي وارتباطه بالتنشئة الاجتماعية لكونه من أهم مفاهيم العمران البشري بعدما أدركت الدول وشعوبها ان مفتاح نجاحها يكمن في بناء السلم الاهلي من أجل كسب ثقة الأفراد وبناء المؤسسات القادرة على إنجاز هذه العملية. فقد ظهر اهتمام متزايد بقضايا بناء السلم وتسوية النزاعات والصراعات الأهلية منذ انتهاء الحرب الباردة مع تسارع خطى العولمة التي رافقتها جملة من التحديات التي أخذت تطرح نفسها على الدول بأشكال مختلفة من حيث نطاقها ووظائفها.

ان تحقق السلم الاهلي ينبئ بوجود استقرار سياسي واقتصادي واجتماعي والذي بدوره يعود إلى وجود التنشئة الاجتماعية المتكاملة التي يحظى بها الفرد والتي تساهم بطريقة او بأخرى في بناء إنسان سوي يسهم في بناء مجتمعه من خلال معرفه ما له وما عليه من حقوق وواجبات يتصرف على ضوءها. ولا يفوتنا ذكر ان هناك مجموعة من المفاهيم المقاربة للسلم الاهلي ولكنها ومن خلال البحث فيها نجدها تختلف عنه وأن لكل مفهوم معناه الخاص ومن أبرز هذه المفاهيم: التعايش السلمي، التسامح، التعايش المجتمعي، الاستقرار المجتمعي، المصالحة الوطنية، الوحدة الوطنية.

وبناءا عليه سعت الأمم المتحدة إلى جعل السلم والأمن في مقدمة اهدافها وبينت أن تحقيق السلم الاهلي على المستوى الدولي يتحقق عبر الوسائل التالية :-

  • تفعيل دور الأمم المتحدة من أجل نشر السلم والأمن.
  • جعل القارات الخمس مناطق منزوعة السلاح.
  • منع التجارب النووية على الأرض وفي الجو والبحار والمحيطات.
  • تدمير أسلحة الدمار الشامل وغلق المفاعلات النووية.
  • وضع نظام اقتصادي عالمي جديد قائم على المساواة والعدالة والتنمية.

اذا ما أردنا إعطاء تعريف بسيط لمفهوم السلم الاهلي فهو(رفض كل أشكال القتال والدعوة إليه او التحريض عليه او تبريره عبر خطابات او مؤتمرات تحرض على زعزعة السلم الاهلي بمنطق العقيدة الدينية او القومية او الحزبية من أجل إشعال حرب أهلية في المجتمع قد تقود إلى تحريم حق التفكير والاعتقاد والتعبير) .

يعد السلم الاهلي غاية وهدفا تسعى المجتمعات البشرية إلى تحقيقه وعليه يجب ان تتوفر لذلك كافة الوسائل والسبل لتوفير مقومات السلم الاهلي ومن ثم ترصين هذا السلم بحيث يساهم كل منتفع من هذا السلم والاستقرار في تحقيقه وبناءه لأنه المنتفع به أولا وأخيرا. وفي ضوء ذلك يمكن أن نحدد مقومات السلم الاهلي بما يلي:-

  • تعزيز الإدارة التعددية السلمية .
  • الاحتكام إلى القانون وسيادته .
  • الحكم الرشيد في إدارة الدولة والمجتمع .
  • حرية التعبير .
  • العدالة الاجتماعية بين الأفراد .
  • وجود أعلام تعددي حر ومتوازن .
  • العدالة الانتقالية للسلطة (التداول السلمي للسلطة) .

ان بناء السلم الاهلي يتطلب معرفة الأفراد والجماعات -على حدا سواء- بضرورة التأسيس له عن طريق التنشئة الاجتماعية والثقافة المجتمعية السائدة ومؤسسات التعليم المختلفة مما يؤدي إلى تحويلها لقناعة راسخة تمارس في السلوك اليومي لأفراد المجتمع. وهنا تلعب التنشئة الاجتماعية دورا مؤثرا وبارزا في عملية التأسيس لبناء سلم أهلي واستقرار مجتمعي من خلال تهيئة وبناء الفرد عقليا وجسديا وروحيا على القدرة في التعامل والتعايش مع الآخرين.

انطلاقا من المقولة الفلسفية القائلة (ان التعدد والمختلف يخرج أجمل مؤتلف) هكذا تكون حال المجتمعات الإنسانية المعاصرة ذات البناء الدولي والمظاهر المدنية التي تدعوا إلى التعايش والإقرار بضرورة بناء سلم أهلي داخل المجتمعات صغيرة كانت ام كبيرة.

وفي ضوء ما تقدم، فان اساس نجاح عملية بناء السلم الاهلي تعود لمدى استيعاب الأفراد لفكرة التسامح والتعايش وتقبل الآخر ونبذ العنف والكراهية والابتعاد عن الصراعات والمنازعات – داخلية كانت ام خارجية وإقليمية كانت ام دولية – واحترام القانون ، وهذا بدوره سوف ينعكس بالضرورة على المجتمع ككل مما يسهل عملية بناء السلم الاهلي .