جذور ظاهرة الاغتيال السياسي في التاريخ الإسلامي

Spread the love

م . حيدر خضير مراد

باحث في قسم الدراسات السياسية – مركز الدراسات الاستراتيجية – جامعة كربلاء

12/3/2018

     أن ظاهرة الاغتيال السياسي في التاريخ البشري بشكل عام، والتاريخ الإسلامي على وجه الخصوص ليست ظاهرة جديدة او طارئة على المجتمع، وإنما هي ظاهرة قديمة قدم التاريخ الإنساني. وقد رافقت الأنسان منذ التاريخ القديم وبداية نشوء الحضارة البشرية على الارض، ويذكر لنا القرآن الكريم قصة قتل قابيل لأخيه هابيل ابن سيدنا أدم ( عليه السلام ) بدافع الحسد والغيرة (1) كنموذج لأول أغتيال حدث في التاريخ الإنساني. ومع تطور المجتمع وازدهار الحضارة ونشوء الدول والممالك والأمارات، برزت ظاهرة الاغتيال السياسي في المجتمع البشري لأسباب ودوافع كثيرة ومتنوعة منها ما هو مرتبط بمصالح الفئة السياسية الحاكمة كالقضاء على المنافسين للاستحواذ على السلطة في الدولة، أو استخدام قوة الدولة للقضاء على التهديدات المحتملة من قبل الجماعات المعارضة، أو تستخدمها الجماعات المتمردة التي تسعى الى تعزيز مواقفها ضد السلطة، وكذلك الحال بالنسبة للإرهابيين الذين يؤمنون بدوافع فكرية، وبالتالي فأن الاساليب والاسلحة والمبررات السياسية قد تتغير خلال المراحل التاريخية ولكن مبادئ الاغتيال السياسي هي ذاتها على الدوام.

وقد شهد التاريخ الاسلامي العديد من عمليات الاغتيال السياسي التي نالت من الحكام والقادة والأمراء والولاة وغيرهم من كافة طبقات المجتمع، بدءاً من عهد النبوة والخلافة الراشدة ومروراً بالعهد الأموي، وانتهاءاً بزوال الخلافة العباسية سنة 656 هـ / 1258 م، وكان جل هذه العمليات قد وقعت في سبيل التنافس والصراع على السلطة والنفوذ والثروة.

اذن فالاغتيالات المنتشرة في المجتمعات الاسلامية ليست جديدة ولا طارئة عليهم، وقد أكتوى الاسلام منذ بداياته الاولى بمصائب الاغتيال التي تجرأت على الخلفاء الراشدين وعلى الصحابة وعلى الرسول نفسه وعلى أهل بيته (عليهم السلام).

     أن الاغتيال لغة هو القتل غيلة، والغيلة هنا تعطي معنى الخديعة والاغتيال، أي ان لا يتمكن من قتله الا بالاحتيال (2)، لذلك يقال: ” اغتاله اهلكه وأخذه من حيث لم يدرِ، والغول المنية”. (3)

وفي الاصطلاح تعد ظاهرة الاغتيال السياسي من الظواهر التاريخية القديمة المرافقة لنشوء السلطة السياسية وكيفية ممارستها، ويقصد بالاغتيال السياسي ممارسة العنف والتصفية الجسدية ضد الاشخاص السياسيين والمعارضين للنظام القائم أو الخصوم السياسيين(4)، او ضد شخصية مهمة ذات تأثير فكري او سياسي او عسكري.

جذور هذه الظاهرة في التاريخ الإسلامي

برزت ظاهرة الاغتيال السياسي في التاريخ الاسلامي منذ المراحل الاولى لنشوء الدولة الاسلامية. اذ شهد عهد النبوة عدة محاولات لاغتيال شخص الرسول الكريم ( صلى الله عليه وآله وسلم) من قبل سادات قريش واليهود ولكن كلها باءت بالفشل كما تشير أغلب المصادر.(5) وفي العصر الراشدي أغتيل الخليفة الثاني عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) سنة 23هـ/643م(6)، كما تعرض الخليفة الثالث عثمان بن عفان (رضي الله عنه) للأغتيال سنة 35هـ/655م(7)، فضلاً عن اغتيال الخليفة الرابع الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) سنة 40هـ/ 660م(8)، واغتيال مالك الاشتر وعدد من الصحابة. وبرزت ظاهرة الاغتيال السياسي بصورة اوضح في العصر الاموي، إذ لجأت السلطة الاموية الى التخلص من خصومها بالاغتيال منذ المراحل الاولى لقيامها لاسيما في زمن مؤسسها معاوية بن ابي سفيان الذي أشتهر بدس السم لخصومه ، وأقترن أسمه بمقولته الشهيرة ” ان لله جنداً من عسل”(9)، إذ نجح عبر هذه الوسيلة في التخلص من مالك الاشتر والامام الحسن بن علي (عليه السلام) وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد وغيرهم.

وشهدت مرحلة سقوط الدولة الاموية وقيام الدولة العباسية عمليات اغتيال واسعة كان بعضها يجري بشكل جماعي وقد استهدفت رموز البيت الاموي والقادة ورجال الدولة الاموية(10).

وقد قامت الدعوة العباسية على اساس الدعوة (الى الرضا من آل محمد) وهو شعار فضفاض يشمل الأسرة الهاشمية بفرعيها العلوي والعباسي، ونادى العباسيون بالدعوة الى الأخذ بثار الحسين وشهداء أهل البيت (عليهم السلام) ولكنهم سرعان ما تنكروا لشعاراتهم وأخذوا بملاحقة العلويين والتضييق عليهم مما أدى الى حدوث توتر في العلاقات العلوية – العباسية نجم عنه عدد من الثورات العلوية التي قمعت بشدة وجرت على خلفيتها العديد من الاغتيالات التي طالت رموز البيت العلوي (11)، وشهد العصر العباسي أيضاً صراعاً قوياً بين الجناحين السياسي والعسكري في الدولة حيث سعى كل طرف الى الاستيلاء على السلطة وزيادة نفوذه على حساب الطرف الأخر وحدثت على خلفية هذا الصراع العديد من عمليات الاغتيال السياسي (12).

وخلال العصر العباسي الثاني أضمحلت قوة الخلافة وأصبح الخلفاء العباسيين ألعوبة بيد القادة العسكريين الاتراك وانتهى أمر كثير منهم بالقتل او بالخلع على أيدي هؤلاء القواد (13).

ان الدين الإسلامي الحنيف يرفض الاغتيال بوصفه نوعاً من انواع الغدر والخيانة والاسلام لايجيز الغدر بل يحث دائماً على الوفاء بالعهود حتى مع الكافرين. وقد وردت العديد من الآيات القرآنية في هذا المعنى منها قوله تعالى ” واما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء ان الله لا يحب الخائنين”(14)، وقوله تعالى” ولا تتخذوا ايمانكم دخلاً بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم”(15). ووردت الكثير من الاحاديث النبوية الشريفة الصريحة في ذم الغدر والنهي عن الفتك والغيلة منها قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ” من كان مسلماً فلا يمكر ولا يخدع ، فأني سمعت جبرائيل يقول ” إن المكر والخديعة في النار”(16)، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): من آمن رجلاً عن نفسه ثم قتله أعطي لواء غدرٍ يوم القيامة”(17) وغيرها من الاحاديث الكثيرة التي يتضح منها ان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عن الغدر والاغتيال وحرمه استناداً الى التحريم الالهي لأن الغدر يتنافى مع تعاليم الاسلام السمحاء التي تحث على الوفاء بالعهد واشاعة روح المحبة والوئام.

ولكن بعض المستشرقين ومن ردد اكاذيبهم (18) حاول الدس على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والادعاء بأنه شجع وخطط لبعض عمليات الاغتيال السياسي والاساس الذي بنوا عليه ادعاءاتهم هو بعض العمليات ضد زعماء اليهود في المدينة المنورة الذين خرقوا العهد مع المسلمين بموجب وثيقة المدينة التي وضعها الرسول والتي نظمت بموجبها العلاقة بين المسلمين واليهود. لكن اليهود خانوا المسلمين ونقضوا الذي التزموا فيه بمناصرة المسلمين ضد كل عدو خارجي وعدم ايواء المحدثين المعادين او اعطائهم الجوار، وتأمروا مع اعداء الاسلام من المشركين والمنافقين، وحاولوا اغتيال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ودس السم له لذلك اضطر الرسول الى محاربتهم ومعاقبتهم في وقائع تاريخية معروفة(19) من أجل الحفاظ على أمن وسلامة المسلمين. ولا يمكن اعتبار الروايات الواردة عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في اغتيال بعض زعماء اليهود شرعنة لعمليات الاغتيال السياسي كما يدعي البعض في الوقت الحاضر ، أنما كانت تلك العمليات ضد زعماء اليهود من أجل دفع خطرهم وضررهم عن كيان الامة الاسلامية الناشئة في تلك الظروف الصعبة التي كان يعيش فيها المسلمون حيث يتربص بهم الاعداء من كل جانب.

في عصرنا الراهن نحن بحاجة ماسة لتوضيح هذا الأمر، الذي ألتبس فهمه على البعض بفعل تشويه المغرضين والحاقدين على الدين الاسلامي قبل أن يحول هؤلاء الارهابيون المتشددون بلداننا الى غابة من الوحوش يفترس بعضها بعضاً مثلما هم يفعلون الان، ويدّعون أن ما يقومون به من أرهاب واغتيالات تدعمه أدلة من السنة. ومن ممارسات الرسول السياسية ويسممون بأفكارهم الملوثة هذه وتفسيرهم الخاطئ لنصوص القرآن الكريم والسنة النبوية عقول صغار السن من الشباب الاسلامي في الوقت الحاضر.

وقد أجيب عن هذه الشبهة بأن اليهود كانوا قد عاهدوا النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أن لا يحاربوه ولا يظاهروا عليه عدوه، وهؤلاء الذين تسببوا بالاذى للنبي والمسلمين وحرضوا المشركين عليهم، وأصبحوا من أظهر مصاديق المحاربين وناقضي العهود، ولا بأس بالاحتيال على المحارب فأن الحرب خدعة، بل ويجوز الفتك بأهل الحرب.(20)

وخلاصة القول أنه يمكننا أن نميز بين نوعين من الاغتيالات في التاريخ الاسلامي: الاولى، نستطيع أن نطلق عليها انها اغتيالات مشروعة سياسياً ودينياً على أقل تقدير ، وتكون بأمر من القائد الاعلى للدولة من أجل الحفاظ على سلامة وأمن المجتمع لما فيها من صلاح وهدوء لعموم الدولة ، كالتي حدثت في زمن الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ضد بعض زعماء اليهود من أجل الحفاظ على كيان الأمة الاسلامية الناشئة في تلك المرحلة. والنوع الثاني، هي الاغتيالات غير المشروعة التي تقوم بها فئة معينة من المجتمع لتحقيق مصالح خاصة وشخصية على نطاق ضيق، كالاغتيالات التي كانت تستهدف شخص الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والخلفاء والامراء والعلماء والمفكرين وغيرهم.

 

الهوامش :

  • القرآن الكريم ، سورة المائدة ، الآية 27 – 31 .
  • الجوهري ، اسماعيل بن حماد ( ت 393 هـ / 1003 م ) ، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية ، تحقيق : أحمد عبد الغفور ، ط4 ( بيروت : دار العلم للملايين ، 1407هـ/1987م ) ، ج 5 ، ص17860 .
  • أبن منظور ، جمال الدين محمد بن مكرم ( ت711 هـ / 1311م) ، لسان العرب ،  (قم : د . مط ، 1405 هـ) ، ج 11 ، ص507 .
  • الجاسور ، ناظم عبد الواحد ، موسوعة  علم السياسة ، ط 1 ( عمان : دار مجدولاي ، 2004م) ، ص 68 .
  • اليعقوبي ، أحمد بن اسحاق ( ت بعد 292هـ / 905م) ، تاريخ اليعقوبي ، ط1 (قم: مطبعة شريعت ، 1425 هـ ) ، ج 2 ، ص39 – 40 ، 56 – 57 ؛ الطبري ، محمد بن جرير(ت310هـ / 922 م ) ، تاريخ الرسل والملوك ، تح : محمد أبو الفضل إبراهيم ، ط2 (القاهرة : دار المعارف ، 1387 هـ / 1967 م) ، ج 2 ، ص372 – 374 .
  • اليعقوبي ، تاريخ ، ج 2 ، ص 159 .
  • المصدر نفسه ، ج2 ، ص176 .
  • المصدر نفسه ، ج2 ، ص212 .
  • ابن الوردي ، عمر بن مظفر ، تاريخ ابن الوردي ، ط1 ( بيروت : دار الكتب العلمية ، 1417 هـ /1996 ) ، ج 1 ، ص 153 .
  • ابن الأثير ، علي بن محمد الجزري الشيباني (ت630هـ/1233م) ، الكامل في التاريخ ، تحقيق : عبد الله القاضي ، ط1 (بيروت : دار الكتب العلمية ، 1407هـ / 1987 م ) ، ج 6 ، ص138 في التاريخ ، تحقيق : عبد الله القاضي ، ط1 (بيروت : دار الكتب العلمية ، 1407هـ / 1987 م ) ، ج 5 ، ص 77 – 78 .
  • المصدر نفسه ، ج5 ، ص 171 – 172 .
  • الطبري ، تاريخ الرسل والملوك ، ج 4 ، ص 385 .
  • ابن الأثير ، الكامل ج 6 ، ص 136 – 148 .
  • سورة الانفال ، اية 58 .
  • سورة النحل ، اية 94 .
  • الصدوق ، محمد بن علي بن بابويه ( ت 318 هـ/930 م ) ، الامالي ، ط1 (قم : مؤسسة البعثة ، 1417هـ ) ، ص344 .
  • النسائي ، أحمد بن شعيب ( ت 303 هـ / 915 م ) ، السنن الكبرى ، تحقيق : عبد الغفار سليمان وسيد كسروي ، ط 1 ( بيروت : دار الكتب العلمية ، 1991 م ) ، ج 5 ، ص225 .
  • العلوي ، هادي ، الاغتيال السياسي في الاسلام ، ط 5 ( دمشق : دار المدى ، 2008م ) ، ص 7 – 20 ؛ وللطلاع على اراء المستشرقين يراجع : الجميل ، محمد فارس ، النبي ويهود المدينة ( دراسة تحليلية لعلاقة الرسول بيهود المدينة وموقف المستشرقين منها ) ، ط1 ( الرياض ، 2002 م ) ، ص 121 – 125 .
  • اليعقوبي ، تاريخ ، ج 2 ، ص 49 – 50 ؛ دعموش ، علي ، ” الصحيفة ” النبوية وثيقة حريات تتفوق على ديمقراطية الغرب http: www.alhour . com
  • البخاري ، محمد بن اسماعيل ( ت 256 هـ / 869 م ) ، صحيح البخاري ، (بيروت : دار الفكر ، 1401هـ ) ، ج 2 ، ص 280 ، ( باب 157 : باب الحرب خدعة ) ، ( باب 159 : باب الفتك بأهل الحرب ) .