الاشكاليات السياسية تعقد اتفاق الاستعداد الائتماني بين العراق وصندوق النقد الدولي

Spread the love

أ. م. د. حسين أحمد السرحان، رئيس قسم الدراسات السياسية

مركز الدراسات الاستراتيجية – جامعة كربلاء

15/ آذار / 2018

وافق المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي في 7 تموز 2016 على اتفاق للاستعداد الائتماني مع العراق بقيمة 3.831 مليار وحدة حقوق سحب خاصة (حوالي 5.34 مليار دولار أمريكي، أو 230% من حصة العراق) خلال مدة 36 شهر (2016 الى 2019) كقرض ميسر لدعم برنامج الحكومة للإصلاح الاقتصادي ودعم الموازنة الاتحادية. وخطط له ان يخصص معظمه لاعادة الاعمار والتنمية الاقتصادية. وتتيح موافقة المجلس صرف 455 مليون وحدة حقوق سحب خاصة (حوالي 634 مليون دولار أمريكي) للعراق. وكان العراق قد حصل في تموز 2016 على دفعة تعادل 891.3 مليون وحدة حقوق سحب خاصة (حوالي 1.24 مليار دولار أمريكي وقت الموافقة) من خلال “أداة التمويل السريع”.  وبعد مرور اكثر من سنة، تم استكمال المراجعة الثانية في أول أغسطس/آب 2017.

وما ساعد على استكمال المراجعة الثانية بنجاح هو مجيء برنامج المالية العامة المعدل لعام 2016 وقانون الموازنة الاتحادية لعام 2017 متسقين مع ماورد في اتفاق الاستعداد الائتماني. وكان ينبغي في المدة التي اعقبت المراجعة الثانية ان يتم بالتدريج تحسين عناصر التصحيح المالي عن طريق زيادة الايرادات غير النفطية، وتخفيض الانفاق الجاري – بما في ذلك مدفوعات الاجور ومعاشات التقاعد – واصلاح قطاع الكهرباء، والدعم، والمؤسسات المملوكة للدولة، لافساح المجال امام انفاق استثماري اكبر ولكنه اكثر فعالية وكفاءة بما يدعم تحقيق النمو.

وايضا كان ينبغي تحقيق تحسن كبير في ادارة المالية العامة. وينبغي اعادة تقييم المتأخرات وسدادها بعد التحقق منها، كما ينبغي تعزيز الادارة النقدية والتزامات الانفاق لمنع تراكم تأخرات جديدة. وتشمل اجراءات دعم استقرار القطاع المالي تعزيز الاطار القانوني للبنك المركزي العراقي، واعادة هيكلة البنوك المملوكة للدولة، والغاء قيود الصرف. كذلك ينبغي تطبيق اجراءات لمنع غسل الاموال ، ومكافحة الارهاب، وتعزيز جهود مكافحة الفساد.

ومع بدء المراجعة الثالثة برزت موازنة العام 2018 ، وواصلت السلطات العراقية وخبراء صندوق النقد الدولي المناقشات في العاصمة الأردنية عمان من 17 إلى 21 تشرين الثاني 2017 حول المراجعة الثالثة لاتفاق الاستعداد الائتماني مع العراق. وحققوا تقدما جيدا نحو التوصل إلى اتفاق بشأن مشروع قانون موازنة 2018 تماشيا مع اتفاق الاستعداد الائتماني. وكان مقرر ان تنتهي المراجعة الثالثة في أيلول 2018.

ولكن لازالت بعض الاخطار مستمرة ومنها ان الحكومة العراقية توقفت عن دفع مستحقات شركات عقود التراخيص. واكثر الايرادات تتاتى من تلك العقود. من جانب آخر ظهر فيما بعد خلاف حول موازنة العام 2018 في نقطتين اساسية: الاولى، عدم تخفيض العجز في الايرادات غير النفطية بشكل واضح بعد عمل متواصل بين الصندوق والحكومة على ذلك. والثانية، قضية تقاسم الموازنة مع اقليم كردستان. فالاخير عليه ديون كثيرة لصالح الشركات النفطية وعليه تسديدها ولذلك رهن الاقليم انتاجه النفطي من الحقول داخله وبالتالي هناك خطورة تتمثل بان الحكومة الاتحادية لن تستفيد من نفط الاقليم والذي تقرر في قانون الموازنة لعام 2018 ان يتم تصدير 300 الف برميل عبر شركة تسويق النفط الوطنية (سومو).

الامر الاخر الذي يجعل مباحثات الجولة الثالثة في خطر هو تصويت مجلس النواب العراقي على الغاء الاستقطاعات الضريبة البالغة (3.8%) على الرواتب الاسمية للموظفين، وهي خطوة ارادت القوى السياسية استغلالها لمصالح انتخابية. وعلى الرغم من الزيادة في الضرائب الاخرى مثل تذاكر الطيران والمشروبات الكحولية والمطاعم والفنادق وغيرها، الا ان هذا الامر يؤثر كثيرا على ما ذكرنا في اعلاه من هدف للاتفاق الهادف الى مساعدة العراق على مدى ثلاث سنوات

مع ذلك يعمل الصندوق مع الحكومة العراقية والبنك المركزي العراقي على ابقاء اتفاق الاستعداد الائتماني قائما. فهو اساس تعتمد عليه مساعدة المجتمع الدولي للعراق والتعهدات التي ظهرت في مؤتمر الكويت الاخير. وبعض المصادر تذكر ان الدول المشاركة في المؤتمر تصر على سريان اتفاق الاستعداد الائتماني بين الصندوق والعراق كشرط لمساعدة العراق ودخول الاستثمارات فيه وذلك لان الاتفاق يهيء بيئة اقتصادية مؤاتية وبنى تحتية مثل اصلاح قطاع الطاقة، كما انه يحفز القطاع الخاص على زيادة دوره في الناتج المحلي الاجمالي.

واحدة من الاشكاليات السياسية – الاقتصادية  هي ان السنة الانتخابية تتأثر بها الكثير من السياسات العامة والقوانين بالطموحات السياسية للقوى السياسية ومنها قانون الموازنة. فالاستقطاعات الضريبية الوارد ذكرها في اعلاه والتي ألغاها مجلس النواب هو من اقرها في موازنة 2016، ولان الحكومة تسير وفق اتفاق الاستعداد الائتماني لم تلغي تلك الاستقطاعات في مشروع قانون الموازنة لعام 2018 الذي ارسلته الى مجلس النواب. وبغض النظر عن تأييد تلك الاستقطاعات او رفضها، نؤكد ضرورة ان تكون المؤسسات التشريعية والتنفيذية في البلد مدركة لطبيعة التزاماتها الدولية. وفي اطار موضوع البحث نعلم ان العراق جنى ثمار تلك الالتزامات في تحصيلة على جزء من مبلغ القرض في وقت انهارت فيه اسعار النفط وارتفعت نسب الانفاق الامني والانساني بفعل الحرب ضد داعش ونزوح ملايين الافراد من مناطق الصراع.

ومع قرب موعد الانتخابات التشريعية في العراق في ايار 2018، من المؤكد ان الاوضاع السياسية لن تكن بمستوى من الاستقرار الذي يهيء الارضية المناسبة لاستئناف مناقشات المراجعة الثالثة وذلك لان تشكيل الحكومة يتأخر كثيرا بسبب التوافقات السياسية كالعادة. هذا من جانب.

ومن جانب آخر، هناك الكثير من القوى السياسية تعارض اتفاق الاستعداد الائتماني وتعارض الحكومة الحالية في ميلانها نحو الولايات المتحدة الاميركية صاحبة الدور الاكبر في وجود اتفاق الاستعداد الائتماني بين صندوق النقد الدولي والعراق. وقد تتمكن تلك القوى من تشكيل الحكومة القادمة وقد تعمل على عرقلة الاتفاق وما توصل له على اقل تقدير.