تهديدات ترامب ضد سوريا حقيقة ام وهم؟

Spread the love

م. حمد جاسم محمد

مركز الدراسات الاستراتيجية/ جامعة كربلاء

قسم ادارة الازمات

كان ولازال الوضع في سوريا يشغل العالم كله، فلم تعد الحرب السورية حرب اهلية بين فرقاء محليين، ولم تعد مطالب المعارضة هي اساس للتسويات، بل لم يعد للشعب والحكومة السورية دور واضح فيها، وعلى الرغم من تقدم الجيش العربي السوري في اكثر من محور وان اكثر من 80% من اراضي سوريا بيد الحكومة السورية، الا ان الفاعلين الدوليين سواء القوتين الاكبر في العالم امريكا وروسيا او الفاعلين الاقليميين مثل ايران وتركيا وحزب الله اصبح لهم دور كبير في سوريا بل اصبحت القضية السورية مسالة مساومات بين هذه الاطراف بين الحل السلمي الى التهديد بالحرب، واخرها هو قضية الادعاء باستخدام السلاح الكيميائي في دوما في الغوطة الشرقية، الذي راح ضحيته عشرات الاشخاص بين قتيل وجريح.

ولكن اللافت في هذه القضية ان استخدام السلاح الكيميائي لم يكن الاول في سوريا، فقد اتهمت الحكومة السورية عام 2013 باستخدامه في غوطة دمشق، والذي شكل ازمة كبيرة انتهت بنزع سلاح سوريا الكيميائي بالكامل، وفي عام 2015 وقعت ثلاث هجمات في ادلب، وفي عام 2017 ايضا في ادلب وقع انفجار مخزون اسلحة كيميائية لدى المعارضة نتيجة قصف الطيران السوري له، ولكن ما يميز استخدام السلاح الكيميائي عام 2018 في دوما هو انه جاء بعد ان الغية اتفاق التسوية بين جيش الاسلام والحكومة السورية برعاية روسية من قبل ارهابيي جيش الاسلام، فقد ذكرت بعض وسائل الاعلام ان مقاتلي جيش الاسلام انقلبوا على قادتهم ورفضوا الخروج من دوما  والسبب بعدم وجود أي قاعدة لهم سوى هذه المنطقة، خاصة وان هناك عداء بينهم وبين جبهة النصرة التي تسيطر على ادلب، ولكن الظاهر من الامر وحسب التحليلات ان تأخير الخروج كان مدبرا ومخطط له وهو استخدام السلاح الكيميائي كذريعة من اجل الانتقام من الحكومة السورية لسيطرتها على اخر معاقل المعارضة في وسط سوريا، وهو يعني انتهاء الارهاب عمليا قرب دمشق وبقاءه في اطراف سوريا قرب تركيا وعلى الحدود مع اسرائيل، ومن الممكن للجيش السوري التحرك في أي وقت لتحرير باقي الاراضي، وهو ما وقع بالفعل من هجوم كيميائي في دوما، ومن ثم وافق جيش الاسلام على الخروج من دوما الى طرابلس في الشمال وتسليم كافة اسلحته الثقيلة والمتوسطة التي رفض سابقا تسليمها، هذا يضع اكثر من تساؤل واستفهام حول دوافع رفض الخروج ثم الموافقة بعد ارتكاب المجزرة في دوما.

والسؤال الذي يثار الان هو هل فعلا ان واشنطن سوف تنفذ عمليات عسكرية ضد اهداف عسكرية ومدنية سورية؟ وما هو هدف واشنطن من هذه العمليات العسكرية؟ وماهي حجج من يشكك في جدية التهديدات الامريكية؟

ان صمود النظام السوري قياسا الى انظمة اخرى في المنطقة سقطت مع اول ثورات الربيع العربي كما في تونس ومصر واليمن وليبيا، هو بسبب وجود دعم قوي ومتواصل من قبل حلفاء سوريا مثل روسيا وايران وحزب الله، خاصة وان وجود روسيا بقوة في سوريا هو ما منع من تدخل غربي فيها، وان هذا الصمود كان ثمنه باهضا في الارواح والممتلكات ووحدة الشعب السوري، كذلك تطور الاحداث الذي بات ينذر بحرب عالمية ثالثة بعد تهديدات واشنطن بضربة عسكرية ضد مواقع عسكرية ومدنية في سوريا، وهو ما رفضته روسيا بقوة، هذه التهديدات يمكن ان تنفذ باي وقت خاصة وان الرئيس الامريكي ترامب لم يعطي موعد محدد لها، لهذا فان بعض التحليلات ذهبت ان واشنطن سوف تقدم على عمل عسكري ضد سوريا لأسباب عديدة وحجة السلاح الكيميائي في دوما واحدة منها، وهي:

  • على الرغم من عدم انقسام العالم الى معسكرين او كتلتين، ولكن أصبح التنافس قويا جدا بين امريكا وروسيا، خاصة وان روسيا بدأت تستعيد وجودها في المنطقة من خلال سوريا، لهذا فان امريكا تريد اخراجها من المنطقة بشكل كامل، لهذا بدأت القصة باختلاق استخدام المواد الكيميائية سواء ضد الجاسوس الروسي في بريطانيا ثم في مدينة دوما السورية، لهذا فان امريكا قد تقدم على عمل عسكري في سوريا لجس نبذ الروس وكشف موقفهم في سوريا.
  • ان امريكا يقودها رئيس ذا شخصية هشة، وذلك بسبب المشاكل الداخلية التي يمر بها الرئيس، وهو واضح من خلال التغييرات المستمرة في ادارته منذ تسلمه منصبه، لهذا يحاول تصدير الازمات خارجا، وإظهار شخصيته من خلال التهديد بالحرب.
  • وجود دعم للتهديدات الامريكية من حلفاء لها، سواء من دول غربية مثل بريطانيا وفرنسا، او دول عربية كالسعودية التي تعهدت؛ حسب بعض التقارير، بمبلغ (150) مليار دولار لأمريكا مقابل اسقاط نظام الاسد في سوريا وانهاء النفوذ الايراني فيها، وقطر الذي أكد اميرها (تميم بن حمد) على دعمه الكامل لأي عمل عسكري ضد سوريا هذا الدعم سوف يعطي الشرعية لعمل عسكري في سوريا.
  • ان توجيه ضربة امريكية عسكرية في سوريا هو لدعم حلفاءها في المنطقة وعلى راسهم اسرائيل، فوجود إيران في سوريا وقربها من اسرائيل هو عامل اخر على تحرك امريكا ضد سوريا، لان محاولات امريكا هو تحجيم إيران ومحاصرتها، لهذا ترى ان وجودها في سوريا هو خطر مستقبلي ضد اسرائيل، لهذا تحاول من خلال ضرب سوريا هو ضرب النفوذ الايراني في سوريا وانهاءه، خاصة وان دول الخليج العربية دفعت مئات الملياران من الدولارات للإدارة الامريكية من اجل انهاء نفوذ ايران في سوريا.
  • يريد الرئيس ترامب ان يظهر ان سياسته تختلف عن سابقه (اوباما) فيما يخص منطقة الشرق الاوسط، خاصة بعد الاتفاق النووي مع إيران، لهذا يحاول ان يكون مدافع عن خلفاءه في المنطقة، كسب المزيد من الاموال منها.
  • الجنون والهوس والغطرسة الامريكية بالقوة العسكرية واستخدامها عند أي خطر ضد مصالحها تحس به، لهذا فهي تحاول هذه المرة ايضا استخدام القوة العسكرية ضد ما تعتقد انه يهدد مصالحها في المنطقة.

ورغم كل الحجج التي تسوقها امريكا لتبرير ضربتها العسكرية القادمة لسوريا فان هناك عدد من المعوقات التي تحول دون تحقيقها، منها:

  • دخول اسرائيل على خط الازمة وقيامة بضربة عسكرية علة موقع عسكري سوري في حمص، وتهديده بإزالة الرئيس السوري ونظامه من سوريا، هو يعد اعتداء غير مبرر واستباق للإحداث، وهو ما يجعل البعض يتعاطف مع سوريا، ويضع العراقيل بوجه الضربة الامريكية.
  • ان استخدام شبكات التواصل الاجتماعي من قبل الرئيس الامريكي في تهديده لسوريا تعني عمليا افتقاره الى الادارة الحازمة، وعدم وجود رؤية لديه في اعادة رسم خارطة المنطقة، وهو ما يعطي صورة سيئة في العالم عن رئيس دولة كبرى مثل امريكا، لهذا يحاول ايهام العالم بانه قادر على فعل شيء، ولكن الحقيقة هو عاجز عمليا عن تحقيقه.
  • ان توجيه أي ضربة لسوريا وزعزعة الوضع فيها سيكون في صالح المجموعات الارهابية وعلى راسها داعش والنصرة، لان المعارضة السورية المعتدلة والمعول عليها هي بحكم المنتهية الان، ولم يعد لها وجود على الارض، وان حلفاءها من الاكراد أصبحوا مهددين من قوة اقليمية مهيمنة في سوريا وهي تركيا، هنا سوف يضع امريكا في احراج دولي، وهو ما قد يطرح أكثر من سؤال، بل يؤكد علاقة امريكا بالمجموعات الارهابية في المنطقة.
  • إذا كان التهديد بالضربة العسكرية ضد إيران وحزب الله اللبناني، فان ما ارادوه في سوريا قد تحقق لهم، فطريق إيران العراق سوريا أصبح ممرا محررا بالكامل ومسيطر عليه، كما ان اتصال حزب الله بسوريا أصبح أكثر قوة من خلال طرد المجموعات المسلحة من لبنان وترحيلها الى ادلب، وان أي استهداف عسكري لحلفاء سوريا سوف ينهي ما تبقى من مناطق خفض التوتر في جنوب وشمال سوريا، ويقضي على التفاهمات الروسية الامريكية.
  • ان الحجج التي تستند عليها امريكا وحلفاءها في ضرب سوريا لم يبق لها وجود، لان بعد سيطرة القوات السورية على دوما وطرد الارهابيين منها، ودعوة خبراء السلاح الكيمياوي لزيارة الموقع المستهدف، سوف يكون له الاثر على أي تحرك امريكي مستقبلي في سوريا.
  • ان استهداف المواقع العسكرية السورية بدون موافقة موسكو سوف يقود الى تدخل روسي مباشر بالأزمة، فقد هدد الكرملين بان أي صاروخ امريكي يطلق على سوريا سيتم اسقاطه، كذلك ان اغلب المواقع العسكرية السورية تضم خبراء عسكريين ومدنيين روس، لهذا فان روسيا وحسب اغلب التحليلات لن تتخلى عن مصالحها في سوريا التي اخر معقل لها في الشرق الاوسط.
  • ان القواعد العسكرية الامريكية في سوريا هي الاخرى لن تكون بمأمن من أي ضربة عسكرية مضادة، خاصة وان بعض التقارير ذكرت ان هناك رسائل سرية من روسيا الى امريكا تفيد بان إيران وحزب الله سوف ينفذون ضربات ضد قواعد امريكية في سوريا، وهو أحد اسباب تأخير الضربة الامريكية ضد سوريا.
  • ان هناك خط ساخن بين روسيا وامريكا من اجل التفاهم وحل الازمات التي تنشأ بينهم، وتدارك أي عمل عسكري بين البلدين، لهذا فان تجاوز امريكا لهذا الخط يعني ان الفوضى الدولية ستكون هي البديل القادم.
  • ان الرئيس الامريكي ترامب يتصرف بعقلية التاجر، فمن خلال اعلان انسحابه من سوريا، ثم التهديد بالحرب فيها هو من اجل كسب المزيد من الاموال الخليجية سواء بشكل مباشر او من خلال صفقات الاسلحة، حتى ان وقوف بعض الدول الغربية مثل بريطانيا وفرنسا معه هو من اجل كسب المزيد من المليارات الخليجية التي تتدفق على هذه الدول.
  • ان هذه التهديدات تبين الارهاق الذي تعاني منه امريكا في منطقة الشرق الاوسط، وهي عملية تراكمية من خلال فشل الرئيس الاسبق (بل كلنتون) في خلق سلام في الشرق الاوسط، واحداث ايلول عام 2001، وغزو افغانستان والعراق، الذي اسس للإرهاب والفوضى في المنطقة، وفتح افاق لدول اخرى للتدخل فيها.
  • معارضة العديد من الدول الغربية صراحة المشاركة في الهجوم على سوريا، خاصة من جاني اهم حلفاء امريكا وهي المانيا، ثم تبعتها هولندا، لهذا لا يمكن لأمريكا الاقدام على عمل عسكري يهدد الامن والسلم الدوليين منفردة.
  • لقد تعلم العالم درسا من تجربة امريكا في افغانستان والعراق وليبيا وما رافقها من فشل في ادارة هذه الدول بعد الاحتلال، لهذا فان العديد من الدول تعارض الضربة العسكرية لسوريا خوفا من اضافة ماسات جديدة للمنطقة، ومزيد من المهاجرين لأوروبا، مما يقود الى مزيد من الفوضى واختلال الامن.

اخيرا، ان التهديد الامريكي باستهداف سوريا ليس جديدا على المنطقة، بل هو مستمر منذ بداية الازمة السورية، والهدف الاساس منه ليس الدفاع عن الشعب السوري وتغيير نظامه، وانما ابعاد النفوذ الروسي من المنطقة، كذلك ضرب محور إيران وحزب الله، وحماية اسرائيل، ولكن المؤكد هو ان مصالح روسيا في سوريا اصبحت راسخة وقوية، بل تحاول ابعاد امريكا عن سوريا نهائيا، خاصة بعد التقارب التركي الروسي الاخير، لهذا فان تهديدات ترامب ضد سوريا هي مثل هجوم نمر بأنياب ورقية، اذ ان امريكا لم تعد وحدها في الساحة فقد اصبحت القوة العسكرية متاحة للكل وما تملكه امريكا من سلاح قد لا يكون ذا فعالية مقابل ما تملكه روسيا او الصين، لهذا فان الحل الاخير في سوريا هو حل سلمي مهما طالت الحرب فيها.