خطاب المرجعية الدينية بين الناخب العراقي والقوى السياسية

Spread the love

ميثاق مناحي العيساوي

باحث في قسم الدراسات السياسية-مركز الدراسات الاستراتيجية-جامعة كربلاء

ايار/ مايو 2018

رغم الاشارات التي تضمنها خطاب المرجعية الدينية في خطبة الجمعة الماضية يوم 4/5/2018 على لسان الشيخ مهدي الكربلائي، إلا أن لا شيءً جديد يذكر في موقف القوى السياسية العراقية، لاسيما الشيعية منها. إذ أشار الخطاب إلى عدم انتخاب المسؤولين السياسيين السابقين والحالين من المترشحين للانتخابات القادمة، وركز على مقولة “المجرب لا يجرب” وضرورة انتخاب النزيه والكفوء، ومع تأكيد الخطاب على أن الانتخاب حق من الممكن ممارسته أو لا، إلا أن الشيخ الكربلائي أكد على ضرورة المشاركة الفاعلية وعدم انتخاب الفاسدين. هذا الخطاب يأتي مع قرب الانتخابات التشريعية العراقية المقرر اجراءها  يوم السبت القادم 12 آيار وبالتزامن مع حديث الشارع العراقي عن موقف المرجعية الدينية بشأن الانتخابات بشكل عام وموقفها من الكتل والاحزاب السياسية بشكل خاص، والذي اعلنت فيه عن وقوفها بمسافة واحدة من جميع القوى والاحزاب العراقية، وعلى الرغم من أن الخطاب أشار إلى العموميات دون الدخول في التفاصيل أو الجزئيات، إلا أنه حمل اشارات واضحة ضد قوى سياسية معينة واسماء محددة، لاسيما تلك الاسماء التي كانت في موقع المسؤولية لسنوات عدة سواء تلك التي كانت في السلطة التنفيذية أو التشريعية، لكن مع ذلك يبدو بأن القوى السياسية العراقية كيَّفت نفسها مع الخطاب بعيداً عن الاستهجان أو الرفض. فاغلب القوى السياسية سارعت بالأعراب عن دعمها لموقف المرجعية، فائتلاف النصر الذي يتزعمه السيد رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي، كان أول من رد على خطاب المرجعية وأعلن تأييده الكامل لكافة ما جاء فيه، ومن ثم اعلن تيار الحكمة بقيادة السيد عمار الحكيم دعمه لموقف المرجعية، ولم يختلف الأمر بالنسبة لقائمة الفتح، التي اعلنت تأييدها لكافة ما جاء في خطبة الجمعة وتوصيات المرجعية الدينية في النجف الأشرف، كذلك أعلن تحالف تمدن عن لسان رئيسه فائق الشيخ علي بأن خطاب المرجعية موجه إلى الاحزاب الذي تملك مناصب تنفيذية في الحكومة الحالية والسابقة.

خطاب المرجعية اثبت موقفها من الانتخابات بشكل عام وانهى كل محاولات الاستثمار الطائفي أو المذهبي في الانتخابات المقبلة، على الرغم من الغموض الذي يكتنف بعض مضامين الخطاب، فهناك من يقول بأن المرجعية داعمة لكتل معينة وأن كلامها عن قادة الإصلاح كانت تقصد به زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر بموازاة ذلك هناك من يرى بأن السيد المالكي وكتلته ائتلاف دولة القانون وربما حزبه بشكل عام هو المقصود بعبارة (المجرب لا يجرب)، لكن بغض النظر عن ما يقال، فأن بعض مضامين الخطاب ربما تكون مطاطية وحمّالة اوجه، ومن السهل أن توظفها الاحزاب والقوى السياسية العراقية في حملاتها الانتخابية الضمنية من أجل أن توهم الناخب العراقي، فضلاً عن ذلك، فأن المرجعية الدينية كانت واضحة بشأن مقاتلي الحشد الشعبي ومن تطوع لمقاتلة تنظيم “داعش” بفتوى الجهاد الكفائي. إذ سحبت المرجعية الدينية الشرعية السياسية والدينية من القوى السياسية التي وظفت اسم الحشد الشعبي في دعايتها الانتخابية.

خطاب المرجعية الدينية حدد الفشل السياسي وأكد على نقطة في غاية الأهمية، إلا وهي التدخلات الخارجية ودورها السلبي في العملية السياسية العراقية، وربما المرجعية الدينية كانت تقصد بذلك التدخلات الإقليمية، فهناك كتل سياسية كبيرة في العراق تعتمد على الدعم الإقليمي الخارجي، بغض النظر عن نوع الدعم المقدم لها، سواء كان دعما ماليا أو سياسياً أو غير ذلك. ولهذا فأن المرجعية الدينية تعي خطورة التدخلات الخارجية وتأثيرها على الناخب العراقي أو على عملية الانتخاب بشكل عام. فبين خطاب المرجعية الدينية وتكيفات القوى السياسية مع الخطاب، يبقى الناخب العراقي هو الفيصل في عملية الانتخاب وعملية التغيير السياسي بشكل عام، فالمرجعية الدينية اوضحت موقفها بشأن الانتخابات القادمة، إلا أن بعض القوى السياسية ما زالت تصر على ايهام الناخب العراقي بدعايات رخيصة ومزيفة، وعلى الرغم من أن الوعي السياسي والثقافة السياسية للمواطن العراقي ما يزال يكتنفهما بعض الشوائب، إلا أن خطب الجمعة والمنابر الدينية والمدنية كانت حاضرة بقوة في ايضاح الأمور وتثقيف المواطن، فضلاً عن ذلك، فأن مواقع التواصل الاجتماعي والانفتاح الفضائي كانت حاضرة بقوة أيضاً في توضيح الأمور إمام الرأي العام العراقي بشكل إيجابي، ناهيك عن مستوى الفقر والسخط الشعبي وحجم الفساد الذي تظهره تلك المواقع بمقاطع مصورة إمام الشعب العراقي طيلة الفترات السابقة. كل تلك الأمور ربما تكون كفيلة بتغيير مشهد التوازنات الانتخابية المقبلة، لاسيما بعد الفشل السياسي العام في عملية بناء الدولة والمواطن. فهل تعطي انتخابات السبت القادم تصور الناخب العراقي لمرحلة الفشل السياسي السابق أم ستكون دليل آخر على ثقافة الخضوع وقلة الوعي السياسي التي حكمت عقلية الناخب العراقي منذ العام 2003؟