الشرق الاوسط المتحد بدلا عن الشرق الاوسط الجديد

Spread the love

د. سعدي الابراهيم

باحث في قسم ادارة الازمات

مركز الدراسات الاستراتيجية – جامعة كربلاء

مايو-ايار 2017

عجيب امر هذه الشعوب التي سماها الغرب بمنطقة الشرق الاوسط، فهي تعلم وتعرف بأن هناك مخطط لتقسيمها وتشتيتها، لكنها لا تتخذ اي اجراء يحميها من ذلك !!

——

لم تكن الولايات المتحدة الامريكية حاضرة بقوة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، عندما صاغت بريطانيا وبعض الدول الاوربية الاخرى منطقة الشرق الاوسط، كونها كانت دولة اقل طموحا من غيرها للعب ادوارا عالمية، هذا من جهة، واقل سطوة ونفوذا في هذه المنطقة من غيرها، من جهة اخرى.

وكان على الولايات المتحدة ان تنتظر نحو سبعة عقود كي تتاح لها فرصة سانحة لقول كلمتها الفصل في خرائط واشكال دول منطقة الشرق الاوسط، وحدث ذلك بعد ان انهار الاتحاد السوفيتي عام 1990 عقب حرب باردة استمرت فترة ليست بالقصيرة.

فبعد ان زال العدو الوهمي او الحقيقي المتمثل بالاتحاد السوفيتي، اصبحت الولايات المتحدة سيدة على العالم، معلنة بأن النظام العالمي القديم قد انتهى وان على العالم ان يستعد للنظام العالمي الجديد الذي يقاد ويصاغ من قبلها .

لم تستقبل جميع قارات العالم ومناطقه هذه التحولات الجذرية في النظام العالمي، بنفس الدرجة، فبالتأكيد ان اوربا غير معنية بدرجة كبيرة بهذا الامر، كونها حليفة استراتيجية للولايات المتحدة منذ القدم، والاتحاد السوفيتي وبقاياه قد حصل الذي حصل معها، وبالتالي هي لا تنتظر احداث اخطر .

لكن سرعان ما تبين ان المنطقة المعنية بالدرجة الاولى بهذا النظام الجديد الذي تقوده الولايات المتحدة، هو المنطقة الغنية بالثروات، لكنها فقيرة من حيث الاستقرار والتقدم العلمي والتقني، اي منطقة الشرق الاوسط، فلم تخفي الدولة العظمى في العالم بأن لها نوايا لأعادة صياغتها وفق رؤيتها ومنهجها الخاص، تحت مسميات عدة، منها خارطة الشرق الاوسط الكبير، ومنها ترويض هذه المنطقة وتهيئتها لقبول الفكر الديمقراطي والمدني والابتعاد عن الفكر التقليدي الذي يجعلها في تضاد مستمر مع الغرب المتقدم.

ومنذ هذه اللحظة والغرب يمضي بتنفيذ الرؤية الامريكية للمنطقة، ساعة بدعم اسرائيل على انها الدولة الاكثر تأهيلا لقيادة المنطقة، وساعة باحتلال بعض الدول ومنها العراق، ومرة بدعم حركات التمرد تحت ما يسمى بالربيع العربي، ولا زال المشروع مستمرا، ولن يكون احدا في المستقبل معفيا منه ابدا .

هذه الحقيقة يعرفها ويدركها ويتفهمها، اغلب سكان منطقة الشرق الاوسط، وبالاخص النخب المتعلمة والمثقفة منهم، وعلى رأسها النخب السياسية، لكن السؤال الذي يطرح نفسه الان : هل ان شعوب منطقة الشرق الاوسط راضية عن المشاريع المراد تنفيذها فيها ؟ واذا كانت غير راضية، فماهي الخطط التي اعدتها لمواجهتها ؟

ان الاجابة عن مثل هذه التساؤلات، ليست بالأمر الهين، كوننا نتحدث عن شعوب مختلفة، لكل منها هويته الخاصة، ونظامها السياسي الذي يسير وفق نهج معين . لكن على العموم يظهر من خلال ما تقدمه هذه الشعوب من نتاجات فكرية، ومن وجهات نظر يعبر عنها الراي العام فيها عبر وسائل الاتصال الحديثة، وحتى عبر مواقف انظمتها السياسية، يبدو بأنها ترفض ان تكون شاة تنتظر الجزار الامريكي ان يأتي ويذبحها .

اذا افترضنا، ان الشعوب في منطقة الشرق الاوسط ترفض ان يحدد مصيرها بهذه الطريقة، او بالأحرى ترفض ما يسمى بخارطة الشرق الاوسط الكبير، فماذا فعلت في سبيل مواجهة هذا المشروع بغية التغلب عليه او على الاقل التقليل من اضراره ؟

هذا السؤال هو الاخر تختلف الاجابة عليه من شعب الى اخر، كون دول الشرق الاوسط لكل منها سياساتها وتوجهاتها المختلفة، بالرغم من ان مصيرها يكاد ان يكون متقارب، الا اننا وعلى العموم نستطيع ان نقسم موقف دول هذه المنطقة من المشروع، بالنقاط الاتية :

اولا – دول رافضة بقوة، وتعلن عن رفضها ولا تخفي خوفها وتوجسها من ان يصلها التغيير، مثل ايران وسوريا والعراق ، وغيرها .

ثانيا – دول ترفض المشروع، لكنها غير متأكدة من امكانية فعل اي شيء، وتعول كثيرا على علاقاتها بالولايات المتحدة، مثل دول الخليج العربي .

ثالثا – دول تعتقد بأنها خارج التغيير، وذلك لحاجة الغرب اليها، وكونها تشكل عمود فقري في المنطقة، وليس هناك مصلحة من العبث باستقرارها، مثل تركيا .

اما عن الاليات التي من الممكن اتباعها في سبيل حماية المنطقة من سكين التغيير الامريكية، فمن الممكن ان تكون الخيارات الاتية من ضمنها :

اولا – عقد مؤتمر دولي يضم جميع دول الشرق الاوسط، لمناقشة المشاريع الدولية المصاغة تجاهها.

ثانيا – عقد معاهدة دولية تضم جمع دول الشرق الاوسط، وتنص على التعاون والتكاتف لحماية بلدانها وصد اي محاولات للتغيير القسري من قبل الغرب والولايات المتحدة.

ثالثا – انشاء منظمة خاصة بدول الشرق الاوسط، اسوة بمنظمة عدم الانحياز، مهمتها تنسيق المواقف وتوحيد الجهود .

رابعا – الاتفاق على انهاء حالة الصراع المذهبي (السني – الشيعي)، وتخليص المنطقة من اي عداء قد يسهل عملية التدخل الدولي فيها .

خامسا – العمل بقاعدة الكل مع الواحد، الكل هي دول منطقة الشرق الاوسط، والواحد هو الدولة الشرق اوسطية غير المستقرة، كون ضعف اي دولة سينعكس بشكل سلبي على بقية الدول .

اذن، لابد لدول منطقة الشرق الاوسط ان لا تكتفي بالنقد والتخوف من المشاريع الدولية، ولابد لها من ان تتخذ اليات متعددة للحفاظ على شعوبها ومستقبلها .