تفاعلات الداخل الايراني على ساحة الشرق الاوسط

الكاتب: م. م. مؤيد جبار حسن

قسم الدراسات السياسية / مركز الدراسات الاستراتيجية

3/1/2018

أصبح حق التظاهر والاحتجاج من بديهيات حقوق الشعوب والافراد في عصرنا الحالي. وحتى في منطقة الشرق الاوسط ، التي تميزت بأنظمة حكم شمولية متسلطة أقل ما يقال عنها انها غير ديمقراطية ولا تعترف بحقوق الاخر (المغاير) المختلف بالرأي. لكن ان يحصل هذا الامر في داخل الجمهورية الاسلامية الايرانية ، فهذ مؤشر خطير لغليان داخلي خفي تفجر او فـُجر اليوم، لم يستثني أحد من المسؤولين، حتى وصل المس بالمرشد الاعلى.

وبما ان الجمهورية الاسلامية تتمتع، بفعل مقومات القدرة الاستراتيجية لديها، بأذرع تأثير اقتصادية وسياسية وعسكرية ضاغطة داخل بعض دول المنطقة . فمن المتوقع ان تؤدي تلك الاضطرابات الداخلية ، وتصاعدها المحتمل، الى تخلخل ذلك الوجود الايراني وتراخي قبضته هنا وهناك.

ومن ابرز الاحتجاجات والتظاهرات في تاريخ ايران الحديث بعد انتصار الثورة الاسلامية:

اولا : حركة طلبة الجامعات تموز1999: بدأت الاحتجاجات في 8 / تموز مع مظاهرات سلمية في طهران ضد إغلاق صحيفة (سلام)الإصلاحية. وبعد المظاهرات، اقتحمت شرطة مكافحة الشغب مهجع الطلاب ، وقُتل في تلك الليلة احدهم. اندلعت على اثر ذلك المظاهرات وأعمال الشغب في جميع أنحاء البلاد، واستمرت لستة ايام، عانت خلالها طهران من أشد الاضطرابات خطرا منذ سنوات. حيث نظم الطلاب مظاهرات في جميع أنحاء البلد تدعو إلى الإصلاح وحرية الصحافة.[1] فضلا عن ما يقدر ب 1200-1400 محتجز، كما ان مصير خمسة طلاب ، بحسب منظمة مراقبة حقوق الانسان (Human Rights Watch) ، لا زال مجهولا.[2]

ثانيا : الاحتجاجات على نتائج انتخابات 2009: او كما سماها البعض(الثورة الخضراء)، حيث شكك المعارضون لتولي احمدي نجاد الرئاسة في نزاهة الانتخابات وكانو يظنون أن أعمال تزوير واسعة قد شابتها، فخرج مئات الالآف من الإيرانين رجال ونساء وشيوخ بعد تحريضهم من قبل القنوات الفضائية المعارضة للنظام الإيراني، مطالبين بعدم الاعتراف بنتائج الانتخابات، وأعتقل المئات من الإصلاحيين على خلفية التظاهرات.[3] وبعد خمسة اشهر خرجت مظاهرات مضادة مساندة للحكومة ومؤيدة للرئيس نجاد.

ثالثا: التظاهرات الليلية بالضد من سياسة الحكومة 2017-2018: وتركزت الاحتجاجات الشعبية على سياسات حكومة ايران الاقتصادية وغلاء الأسعار والتضخم والبطالة، لكن بعض المتظاهرين عبروا عن غضبهم من تركيز السلطات الإيرانية على الوضع في سوريا وملفات إقليمية أخرى بدلا من تحسين الظروف داخل البلاد.[4] فيما ابدت منظمة مراقبة حقوق الانسان عن قلقها، ودعت السلطات الايرانية الى التوقف عن استخدام القوة المفرطة، والتحقيق في الوفيات أثناء الاحتجاجات الحالية التي تعم البلاد، وإزالة القيود التعسفية المفروضة على الوصول إلى الإنترنت.[5]

وهنا تبرز عدة تساؤلات منها: ما هو مصير الشخصيات المدنية والدينية كذلك الاحزاب والحركات السياسية والعسكرية السلمية والمسلحة التي تدعمها طهران بصورة علنية وسرية في العالم العربي الاسلامي؟ مع تصاعد الثوران الشعبي الايراني والمطالبة بعدم التدخل الخارجي مع حاجة الداخل الى كافة الموارد والاموال ، والدعوة الى توفيرها الى مستحقيها من شباب وبطالة تنخر المجتمع. إذ أشار وزير الدولة الإيراني عبد الرضا رحماني فضلي من تراكم الأزمات المختلفة وانتشار الفقر والبطالة في إيران  وإن نسبة البطالة في معظم المدن يصل الى 60 في المئة وأن نسبة 12 في المئة المعلن عنها سابقا لا تمثل الرقم الحقيقي في المدن والمناطق. [6] وبحسب مصدر اخر ادعى ان معدل البطالة بنسبة 10.4% حيث كانت اغلبية العاطلين عن العمل من فئة النساء ولاسيما في المدن القريبة من الارياف.[7]

ماذا لو استمرت المظاهرات وتصاعدت وتيرتها، وعجز النظام الايراني عن احتواها او قمعها ، هل سيؤدي ذلك الى اخلال طهران بالتزاماتها مع القوى الاقليمية التي تدعمها ماديا ومعنويا، امثال حركة حماس في فلسطين وحزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن والحراك الشيعي في البحرين والفصائل في سوريا والحركات والاحزاب في العراق؟ الاحتمال وارد ، وسيؤدي ذلك الى تغييرات كبيرة في خارطة الاحداث عما نعرفه اليوم .

ليست هناك اجابة واضحة لما يحمله قادم الايام من احداث، لكن من المؤكد ان الامر مهما تطور لن يصل الى درجة سقوط النظام الديني في ايران لجملة اسباب ، ابرزها يتعلق بالجانب الاقتصادي حيث تمثل ايران مصدر مهم لسوق النفط العالمي ، كذلك اي ارباك على شواطئ الخليج العربي سيؤدي الى اقفال شريان التجارة العالمية عبر مضيق هرمز وبحر العرب، وهذا سيصيب دول الخليج في مقتل ، وهي تترنح نتاج الازمة الاقتصادية العالمية وهبوط اسعار البترول. وهذا لن تسمح به القوى الكبرى وعلى راسها الولايات المتحدة ، التي غرد رئيسها ترامب على تويتر :” إن الشعب الإيراني يتصرف أخيرا ضد النظام الإيراني الوحشي الفاسد. كل الأموال التي أعطاها الرئيس أوباما ،بحماقة، ذهبت إلى الإرهاب وإلى “جيوبهم”. الناس لديهم القليل من الغذاء، والتضخم الكبير ولا حقوق للإنسان. الولايات المتحدة تراقب!”.وفي الجملة الاخيرة تحذير مبطن للسلطات في طهران.

ان واشنطن ترامب  لن تسمح بما سمحت به واشنطن اوباما ، خصوصا بعد ادراج ايران كأكبر خطر يهدد مصالح امريكا في المنطقة وراعية للارهاب.[8] وهذا يمثل رسالة للقيادة الايرانية ان عليها أن تحد من نشاطها خارج البلاد، لاسيما في ملفات الشرق الاوسط.

[1] وكالة الاذاعة البريطانية( BBC)، الرابط: http://news.bbc.co.uk/2/hi/middle_east/3879535.stm

[2] منظمة مراقبة حقوق الانسان، الرابط : http://pantheon.hrw.org/legacy/press/1999/jul/iran730.htm

[3] وكيبيديا ، الرابط: https://goo.gl/ZBtMs5

[4] قناة الجزيرة، الرابط: https://goo.gl/xfxiB4

[5] منظمة مراقبة حقوق الانسان، الرابط: https://www.hrw.org/ar

[6] حركة النضال العربي لتحرير الاحواز، الرابط: https://goo.gl/SRTMZ1

[7] قناة العالم، الرابط: https://goo.gl/GBN56H

[8] الاستراتيجية الامريكية للامن القومي2017، الصفحة 49، الرابط: https://www.whitehouse.gov/wp-content/uploads/2017/12/NSS-Final-12-18-2017-0905-2.pdf