داخل العقل الجهادي

Spread the love

اعداد: ميرا سفيرسكي، نقلا عن مشروع كلاريون لدراسة التطرف وحقوق الانسان / واشنطن

مركز الدراسات الاستراتيجية-جامعة كربلاء

ترجمة وتحليل: م. م. مؤيد جبار حسن

كانون الثاني-يناير 2018

المقال ادناه عبارة عن مقابلة اجرتها المحررة في مشروع كلاريون السيدة ميرا سفيرسكي مع الدكتورة هارتيفلت كوبرين الخبيرة في العلوم النفسية ومكافحة الارهاب والتي عملت مع قوات أمنية عديدة حول العالم .

مشروع كلاريون: نظريتك هي أن بدايات العنف تأتي من الطفولة المبكرة؟ كيف ذلك؟

هارتيفلت كوبرين: ” أركز في عملي على كيفية تنمية الطفولة المبكرة، والعقل ولغة الجسد لدى الجماعات الارهابية والاسلامية والمتطرفة. ترتبط ديناميات الحياة لدى تلك الجماعات بثقافات العار/ الشرف ، مما انعكس على ممارسات تربية الأطفال. وقد نشأت جميع الهجمات الانتحارية تقريبا من ثقافات عار / شرف، حتى لدى حركة نمور تحرير تاميل المتطرفة في سريلانكا. وحتى في حال كان الارهابي ليس بمسلم، كالهندوس مثلا، ففي ثقافتهم الشعبية تقليد (حرق زوجة)، والتي تنبع من نفس الثقافة”.

وتضيف غالبا ما يتم إغفال موضوع (العار) عند محاولة فهم الجهاديين. وهناك أمور يجب وضعها في الاعتبار عند محاولة فهم هذا السلوك. فالعنف هو العنف – لا يهم كيف نصنفه نحن البشر (الإرهاب السياسي أو الإرهاب الحميم، أي العنف المنزلي). فمن ناحية، تسمح هذه التسميات بتنظيم مواد الدراسة، ولكن من ناحية أخرى، تخلق هذه الفئات بقع عمياء لا نتمعن فيها كثيرا. وفي حالة الإرهاب السياسي، فان التسمية لا تسمح باستكشاف مكثف لتنمية الطفولة المبكرة وعلاقة الأمهات بها.

هناك بديهية : كل شخص لديه أم ، وبالنسبة للجهاديين، الأم هي كعب أخيل[1] ، لأنهم لم ينفصلوا عنها أبدا. وهذا يخلق شخصية معتمدة وخاطئة. ومن المحرمات لديهم أن تنفصل نفسيا عن الأم. ويعدون ذلك الترابط نوع من البطولة. في حين أنه في الواقع حالة تغطية وآلية دفاع نفسي ضد احتياجهم للتبعية التي لم تلب بعد. وهناك الواقعة التي قامت فيها الشرطة الباكستانية بنقل أم الجهادي إلى السجن وتجريدها من الثياب أمام ابنها من أجل الحصول على اعترافاته.

وعندما انفجرت السيارات المفخخة في لبنان أوائل الثمانينات، تقول كوبرين، بدأت التركيز على الجاني الجهادي. لقد خرجت من حالة الذهول والصدمة الى محاولة فهم مرتكبي تلك الجرائم. كان علي أن أفهم العلاقة بين الضحية والجلاد، و على ماذا استند الجهاديون لإيقاع كل هذا العنف على ضحاياهم؟

الترابط هو المفتاح وفهم كيفية هذا السلوك الذي يقوم فيه مرتكبه بتوجيه العنف الى من حوله وعلى نفسه ايضا، وغالبا ما تنتهي بالقتل-الانتحار. وهذا ما يسمى الانصهار الموت – القتل المشترك -الانتحار. التفجير الانتحاري هو انصهار الموت الجماعي.

في الثقافة الجهادية هناك الكثير من الاغتصاب. هذا هو مظهر آخر من مظاهر الترابط بعنف بنوع آخر. والاغتصاب هو سلوك ملموس من أجل السيطرة على الآخر.

وتضيف ايضا ان الطفولة المبكرة هي ان نتعلم متى وأين وكيفية التواصل مع الآخرين. وهناك أدلة موثقة توثيقا جيدا بأن هناك إساءة معاملة واسعة النطاق للأطفال في الثقافة الجهادية. كما يعتقد اغلب المحللين النفسيين ان المنزل هو المكان الذي نبدأ منه. وان الصور الجرافيكية التي يخلقها الجهاديون تخبرنا بأن منازلهم كانت عنيفة.

وثمة عامل آخر، لاحظه المحلل النفسي للمسلمين القبارصة الأتراك، فاميك فولكان[2]، وهو الحاجة الى الكراهية والحاجة الى وجود عدو في سن مبكرة.

التشويش هو عنصر رئيس آخر. مثال ذلك مصعب حسن يوسف[3]، أبن أحد زعماء حماس الذي كتب كتاب السيرة الذاتية “الأمير الأخضر”، قال إن أعظم عدو هو العار. العار يدمر الشخصية المبكرة للطفل. فمن الوحشية أن يكبر في بيئة مبهمة.

هكذا يتم تدمير شخصية الطفل، ثقافة العار/ الشرف الجهادي البغيضة. والتي فيها تعاني المرأة من انخفاض قيمتها. وحيث الذكور ينتابهم الرعب من الجسد الأنثوي لأنهم لا يستطيعون فهم كيف أن مثل هذا المخلوق المنخفض القيمة ينتج طفلا. ففي هذه الثقافة، يتم الانتقاص من قيمة الإناث وتحصل على قليل من المكانة فقط عندما يكون لها طفل رضيع. في الواقع، بعد ذلك هذه الحالة تجردها من اسمها وتصبح عندها أم أسامة، او أم قحطان وهكذا.

كلاريون: كيف يمكننا استغلال والدة الجهادي “كعب أخيل”؟

كوبرين: ان اي نقطة ضعف يمكن استثمارها في مكافحة الإرهاب وكيف يمكن أن تعمل ضد الجهاديين على نحو فعال. كما ذكرت، يعمل الجهاديون في فرط العار/ ثقافة الشرف حيث الذات الجماعة الذات هو أكثر أهمية من الذات الفردية. وهم لا يمرون بمرحلة الفصل بين الفصائل كما نفعل في الغرب.

ومن المحظورات الاجتماعية الانفصال عن الأم، واعطاء الاخيرة دور البطولة ما هو الا غطاء لخوفهم الشديد من الأنثى -وهذا هو السبب في أنهم يسيئون للإناث للسيطرة عليها.

ففي هذه الثقافة، شرف الذكر، هو في نفس الوقت “جرح” من خلال التشهير أو الإذلال، يجب على المرء يفجر الدماء من أجل تطهير الشرف.

وتشير كوبرين الى كتابها الاول، وابتذال التفجيرات الانتحارية، حيث شبهتها بصورة عطيل شكسبير الذي هو قائد المسلمين في شمال أفريقيا الذي يتزوج من ديزدمونة، ابنة عضو مجلس الشيوخ الإيطالي. وبعدها الزوج يصاب بجنون العظمة ويمر بغضب أعمى من الغيرة. في النهاية، يقتل زوجته ثم ينتحر. وهذا هو الانصهار الموت وأدركت أن شكسبير يفهم هذا الصراع الثقافي.

 كلاريون: هل يمكنك أن تشرحي كيفية تهيئة الطفل ليصبح في النهاية جهادي؟

هارتيفلت كوبرين: تطور الدماغ عملية مستمرة. إن تشويه الطفل في وقت مبكر هو مثل زرع جهاز متفجر في روح الطفل. وسوف تُفجر بعد سنوات في ظل الظروف الصحيحة كما هو الحال في كثير من الجهاديين في سن المراهقة. ومع التداخل في البيئة الاجتماعية لثقافة العيب / شرف، الذي يدعو إلى السلوك العنيف وكبش الفداء، فهذا يعني أنك لن تتحمل المسؤولية عن سلوكك، فيمكنك دائما إلقاء اللوم على الآخر.

 كلاريون: ما هي العلاقة بين العنف المنزلي والتفجيرات الانتحارية الإسلامية؟

الدكتور هارتيفلت كوبرين: ان 94% من سبل تواصلنا ليست لفظية. ان مسرح الجريمة في التفجيرات الانتحارية للمتطرفين يجسد رسالة الانتحار بالقتل كما أشرت أعلاه.

وأينما نجد جريمة قتل – انتحار، سيكون السبب العنف المنزلي. وقد كتب الكثير عن العنف المنزلي بوصفه شكلا من أشكال الترابط الصادم. وعلى حد علمي، فإن الإحصاءات الدقيقة عن الجهاديين المنخرطين في العنف العائلي غير معروفة.

ولكن في المملكة المتحدة في عام 2008، قام مركز التماسك الاجتماعي بوضع الخرائط الجغرافية، حيث وجدوا العنف المنزلي، وجدوا الجهاديين.

 كلاريون: هل تعمل هذه الآليات بنفس الطريقة في الجهاديات الإناث؟ إن لم يكن، كيف تفسر هذه الظاهرة؟

هارتيفلت كوبرين: في العديد من الطرق، الحال متشابه لأن كل فرد يحمل مجموعة متنوعة من هويات اللاوعي من الذكور والإناث. لكن الشيء الكبير هو أنه في هذه الثقافات الجهادية العارمة، فإن الأنثى تستوعب كراهية الذكور للإناث ككراهية ذاتية.

 كلاريون: لقد لاحظت أن هناك تشابه بين الحياة الداخلية للقتلة المسلسل والإسلاميين العنيفين. أيمكنك شرح ذلك؟

هارتيفلت كوبرين: بينما كنت أعمل على صور موقع الهجوم الانتحاري، سألت نفسي، ما هو معنى أجزاء الجسم، والتي يتحدث عنها الصحفيون دائما في مقالاتهم. لقد وجدت أن القاتل المتسلسل في كثير من الأحيان يعمل على تفكيك جثث ضحاياه.

يتحدث الأدب عن كيفية أن أجزاء الجسم هي تمثيل ملموس لصورة غير متكاملة لجسم الأم. عندما يولد الطفل، يفهم الطفل الأم بشكل جزئي كسلسلة من الأشياء -الثدي، الفم، لمسة الجلد، الشعر، العيون، الخ.

التحليل:

ظاهرة العنف الاسلامي (الجهادي) لم تفقد بريقها بعد، ولا زالت تجذب الكثير من المحللين والمفسرين والمعنين بالشأن الامني والسياسي والنفسي، كالدكتورة هارتيفلت كوبرين.

والاخيرة حاولت الربط بين الفعل العنفي (الاسلامي) وبداياته في الطفولة المبكرة، حيث لاحظت ان ثقافة العار/الشرف هناك هي المسؤولة عن توجيه حياة الافراد وتصرفاتهم. في تلك البيئة العنيفة لا مكان للمرأة الضعيفة، وحتى الام مكانتها تعتمد على طفلها، وتعد نقطة ضعف الرجل القاتلة. حتى ان بعض اجهزة الامن في دول بعينها، تمارس التعذيب بحق المعتقلين عن طريق اهانة أمه او قريباته امامه لدفعه للاعتراف وتزويدها بالمعلومات. ولا يجب كذلك، الاخذ بكل ما طرحته الدكتورة كوبرين، فالنظرة السوداوية لمجتمعاتنا العربية والمسلمة لا زالت تعيب بعض طروحاتها.

ان التطرف والعنف المرتبط بالدين، ليس حكرا على مجتمع دون اخر، ودراسته وتشخيصه من اجل ايجاد المعالجات الضرورية له، ليس حكرا على باحث او مهتم دون غيره. لذا يجب علينا ان نسعى جاهدين لدراسة المجتمعات الشرقية المسلمة التي خرج من رحمها هذا العنف الكوني الذي ضرب اصقاع العالم دون تمييز وقتل وشرد الملايين من البشر، حتى أصبح الارهاب لصيق بالاسلام وكأنه كلمة واحدة.

البداية يجب ان تكون من/مع الطفل، داخل مؤسسة البيت ومؤسسة المدرسة، على حد سواء. عبر برامج توعية وتعليم تقودها الحكومة مع منظمات المجتمع المدني وبالتعاون مع الامم المتحدة والدول التي يهمها ان تجفيف منابع الارهاب بالطرق السلمية الصحيحة وليس بإلقاء المزيد من القنابل ونشر الموت والدمار.

 المصدر الاصلي: https://clarionproject.org/jihadi-mind-what-makes-it-tick/

[1] هو مصطلح يشير إلى نقطة ضعف مميتة على الرغم من كل القوة التي يمتلكها الشخص، والتي إن أصيبت تؤدي إلى سقوطه بالكامل. المصدر : وكيبيديا، https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B9%D9%82%D8%A8_%D8%A3%D8%AE%D9%8A%D9%84

[2] فامك د. فولكان (مواليد 1932 قبرص) هو أستاذ قبرصي تركي فخري في الطب النفسي في جامعة فيرجينيا، شارلوتسفيل، فيرجينيا، كبير باحثي إيريك إريكسون في معهد إريكسون للتعليم والبحث في مركز أوستن ريجز، ستوكبريدج ، وماساتشوستس، ومحلل للتدريب والإشراف الفخري في معهد واشنطن للتحليل النفسي، واشنطن العاصمة. وهو الرئيس الفخري لمبادرة الحوار الدولي (إيدي).(المصدر : وكيبيديا: https://en.wikipedia.org/wiki/Vam%C4%B1k_Volkan )

[3] مصعب حسن يوسف داوود خليل (مواليد 1978) هو فلسطيني وابن القيادي في حركة حماس الشيخ حسن يوسف، وجاسوس سابق لدولة إسرائيل، تبرأ عنه والده الشيخ حسن يوسف بعد أن ارتد عن الإسلام. وفي مارس 2010، قام بنشر سيرته في كتاب بعنوان “ابن حماس”، الذي تحول إلى فيلم بعنوان الأمير الأخضر، أنتج سنة 2014. (المصدر وكيبيديا: https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%85%D8%B5%D8%B9%D8%A8_%D8%AD%D8%B3%D9%86_%D9%8A%D9%88%D8%B3%D9%81 )