الانتخابات التشريعية المقلقة في العراق

Spread the love

م. م. ميثاق مناحي العيساوي

باحث في قسم الدراسات السياسية/ مركز الدراسات الاستراتيجية-جامعة كربلاء

شباط-فبراير 2018

يتطلع العراقيون الى الانتخابات التشريعية المقبلة المزمع اجرائها في شهر 12 ايار المقبل بمزيد من الأمل والتفاؤل، لاسيما بعد الاخفاقات السياسية والأمنية والاقتصادية التي رافقت بناء النظام السياسي بعد العام 2003. ففي الوقت الذي يحاول فيه العراقيين الخروج من ازمة “داعش” وما خلفه التنظيم من أزمات سياسية وأمنية واجتماعية واقتصادية على المستوى (السياسي والاقتصادي والاجتماعي) من خلال الانتخابات التشريعية المقبلة، إلا أنها قد تكون الاصعب في مرحلة ما بعد العام 2003، وذلك لسببين:

اولاً: عدم وجود كتلة سياسية تعتلي المشهد السياسي العراقي على غرار الانتخابات العراقية السابقة. ففي انتخابات عام 2010 كانت هناك كتلتين انتخابيتين كبيريتين تنافستا على عملية تشكيل الحكومة متمثلة بكتلة السيد اياد علاوي التي حصلت على 91 مقعد في البرلمان العراقي، وكتلة السيد المالكي التي حصلت في حينها على 89 مقعد، قبل أن يلجأ الأخير الى تشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر داخل البرلمان ويتمكن من تشكيل الحكومة. وعلى الرغم من أن عملية تشكيل الحكومة تعتمد على جدية التحالفات السياسية بعد الانتخابات من أجل تشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر داخل البرلمان العراقي، إلا أن حجم الخلافات السياسية واختلاف الرؤى والمشاريع الحزبية بين القوى السياسية قد تكون حائلاً إمام تطلعات الشعب العراقي في عملية تشكيل حكومة عراقية تلبي طموحاته وتطلعاته القادمة.

ثانياً: الأزمات المصاحبة للانتخابات التشريعية المقبلة والمتمثلة في الأزمة السياسية الحالية بشكل عام والأزمة بين المركز والإقليم، فضلاً عن الأزمة الاقتصادية التي تعيشها الدولة العراقية نتيجة انخفاض اسعار النفط ونفقات الحرب على “داعش”، وأزمة النازحين، وأزمة الحرب على الفساد التي أعلنها رئيس الوزراء العراقي السيد حيدر العبادي، لاسيما وأن بعض هذه الازمات بدأت تؤثر حتى على أداء المفوضية العليا للانتخابات كالأزمة المالية.

ولهذا ربما تكون الانتخابات العراقية المقبلة هي الاصعب من بين الانتخابات التي جرت في البلاد بعد عملية التغيير السياسي. فجميع الكتل السياسية ربما لا يمكنها أن تتجاوز 30-40 مقعد في البرلمان العراقي بشكل منفرد. وبعبارة اخرى انه ليست هناك كتلة سياسية تحصل على الاغلبية يمكن أن يكون لها القدرة في عملية تشكيل الحكومة العراقية المقبلة والتحاور مع الكتل السياسية الأخرى بدون تنازلات واتفاقات وإملاءات حزبية وفئوية، أو يكون لها قرار الفصل في ترجيح كفة كتلة على أخرى. ونتيجة لذلك، ربما تعود القوى السياسية العراقية إلى تقاليدها السياسية السابقة واصطفافاتها الحزبية والمذهبية والقومية في عملية تشكيل الحكومة العراقية المقبلة. أي بمعنى أن تتحول الاحزاب ” الشيعية ” الى كتلة برلمانية موحدة كما هو الحال في الانتخابات السابقة وكذلك الحال بالنسبة للاحزاب ” السنية” و ” الكردية”. وهذا ربما سّيعجل من عملية تشكيل الحكومة العراقية، إلا أنها بالنتيجة ستكون حكومة توافقات وتنازلات لا تختلف عن سابقتها في الأداء والفاعلية.

أن التحالفات الانتخابية التي اعلنت عنها مفوضية الانتخابات في الآونة الاخيرة، كانت في الغالب تحالفات سياسية مقلقة وهشة، وقد ارسلت قلقها الى الجمهور. ولهذا بدأت بعض الجماهير العراقية تفكر في مقاطعة الانتخابات؛ وذلك نتيجة الفشل السياسي السابق الذي منيت به الحكومات السابقة في الاتفاق على مشروع سياسي جامع من شانه أن يعيد العراق الى وضعه الطبيعي. ولهذا أيضاً هناك اعتقاد كبير بأن تكون تحالفات ما بعد الانتخابات هي الحل، في حال تمكنت القوى السياسية العراقية من تعديل سياساتها التقليدية السابقة، والتفكير في انتاج مشروع عراقي وطني قادر على معالجة الاخطاء السياسية التي رافقت عملية بناء مؤسسات الدولة العراقية بعد عام 2003؛ وذلك من خلال التحالفات الوطنية القائمة على اسس سياسية وطنية متينة عابرة للتكتلات الحزبية والطائفية والقومية وقادرة على حل الأزمات المرافقة لعملية بناء الدولة، لاسيما أزمة مواجهة الفساد وازمة العلاقات بين الإقليم والمركز وأزمة النازحين والمهجرين.