مستقبل العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة الامريكية والصين (امكانية نشوء حرب تجارية بين البلدين…؟)

د. فراس حسين الصفار

رئيس قسم ادارة الازمات

مركز الدراسات الاستراتيجية -جامعة كربلاء

نيسان-ابريل2018

في الاقتصاد التنافسي القديم كان الفوز بالحروب التجارية امر ممكن في ظل مجموعة من الاجراءات العقابية او الوقائية التي تسهم في قلب معادلة التبادل التجاري لصالح دولة معينة تمتلك عجزناً تجارياً كبيراً، في الوقت الحاضر الامر اختلف كثيراً ففي ظل العولمة المالية والتجارية الكبيرة بين مختلف دول العالم قد يودي اتخاذ اجراءات لدولة ما لنشوء ردود افعال تكون النواة الاساسية لنشوء حرب تجارية غالباً ما تكون نتائجها صفرية (خسارة الجميع)، وكأجراء احترازي من دول العالم المختلفة تم انشاء منظمة التجارة العالمية (WTO) لمنع وقوع مثل هذه الحروب لما تخلفه من اضرار كبيرة على الاقتصاد العالمي.

التساؤل الذي يرد هنا: هل يمكن ان تصل الإجراءات التي اتخذها ترامب ضد الصين لمستوى اعلان حرب تجارية ام انها مجرد إجراءات سياسية تنهي بوقت قصير؟

قد يبدو ان الاجابة على هذا التساؤل بسيطة من خلال النفي او الايجاب، الا ان الامر اكثر تعقيداً بين الطرفين فأمريكا تعلم ان الصين تتطلع للهيمنة الاقتصادية على العالم خلال المستقبل المنظور وتحاول الان مزاحمتها في التدخل في الشؤون الاقتصادية العالمية، ولعل اخرها ايجاد سوق للتعاملات النفطية تستخدم العملة الصينية (الريمبي) بدل الدولار في عمليات البيع والشراء بعد ان كان الدولار العملة الوحيدة والرئيسة في التعاملات النفطية، كما ان معدلات النمو المرتفعة في الناتج القومي الاجمالي الصيني تجعلها القوة الاقتصادية الاعلى نمواً في العالم فضلاً عن الفائض التجاري المرتفع لاسيما مع الولايات المتحدة الامريكية اذ بلغ  347 مليار دولار عام 2017 أي ما نسبته 44% من العجز الكلي الأميركي.[[1]]

من جانب اخر تستشعر الولايات المتحدة الاثار الاقتصادية الغير مؤاتيه التي تعاني منها في الوقت الحاضر لاسيما على المستوى الداخلي وتحاول نقل المشاكل باتجاه الخارج فالعجز التجاري الكبير ومستوى التوظيف المنخفض والازمات المالية جميعها تدفع باتجاه ان العلاقات التجارية غير عادلة وهو ما يتم تكراره من قبل الرئيس ترامب لاسيما العلاقات الثنائية مع الصين.

من المعلوم ان الرئيس ترامب بدأ حملة الانتخابية بالتأكيد على اتخاذ اجراءات قوية ضد الصين اذ لم تلتزم بالتبادل التجاري العادل بين البلدين، واعاد التأكيد على ذلك وبشكل مستمر بعد فوزه بالانتخابات وفي اكثر من مكان مع ايجاد بعض التصريحات التي كانت تهدئ من التصعيد بين البلدين.

بالمقابل كانت الادارة الصينية اكثر تحفُظاً وعقلانية وكان تحاول استشعار مدى جدية التهديدات اذ لم تبادر الى اي تصعيد يمكن ان يؤدي الى ما لا يحسن عقباه، واظهرت نفسها بانها الراعية والمحافظة الجديدة على النظام العالمي وانها ملتزمة بالحرية والتعددية التجارية وكل ما يرتبط بمنظمة التجارة العالمية ( وهو اسلوب استخدمته الصين لكسب ود الدول الاخرى من ناحية الالتزامات الدولية بالاتفاقات والقوانين والتشريعات وبما يخدم النظام الاقتصادي العالمي في ظل المنظمات الدولية) وهو ما كان جلياً في مؤتمر العشرين ومنتدى دافوس الاقتصادي.

هذه التطورات دفعت الرئيس ترامب لتنفيذ اول  إجراءاته العقابية ضد الصين في 8 اذار الماضي بفرض رسوم على الواردات الصينية مقدار 25% على الصلب و 15% على الالمنيوم وردت الصين بفرض رسوم على قائمة من المنتجات الامريكية بمقدار 3 مليارات دولار، وفي 22 اذار اعلن الرئيس ترامب انه يدرس فرض رسوم على الواردات الصينية بمقدار 60 مليار دولار وبالفعل اعلن في الثالث من نيسان الجاري قائمة تضم سلع صينية قيمتها 50 مليار دولار من جهتها الصين اعلنت انها ستقوم بفرض رسوم على السلع الامريكية تقدر بـ 50 مليار دولار كأجراء مقابل الاجراءات الامريكية.[[2]]

هناك تساؤل اخر يرد هنا هل يستطيع الرئيس ترامب تحويل امريكا من راعي للنظام الاقتصادي العالمي لاسيما في النظام العالمي التجاري متعدد الاطراف الى دولة لا تلتزم بذلك النظام القائم منذ امد بعيد وهل يستطيع فجأة نقض الاليات والهياكل التجارية القائمة الجواب من الصعب اجراء ذلك لاسيما ان ترامب تميز بموقفه السياسية المتقلبة .

اذ ان نشوء حرب تجارية بين البلدين امر مستبعد جداً اذ ما درسنا طرفي المعادلة فأمريكا تمتلك من ادوات القوة ما تجعلها قادرة على اتخاذ اجراءات قد توثر على الطرف الاخر بقوة فيكفي انها صاحبت العملة الاولى بالعالم واي تغير فيها سيوثر على الاقتصاد العالمي بشكل كبير فضلاً عن الناتج القومي الكبير الذي تمتلكه والاسواق المالية التي تمتلك والمميزات الاقتصادية الكثيرة والكبيرة التي لا تحاول التفريط بها في حرب تجارية قد تجعلها تخسر الكثير بل قد تدخل في ازمات اقتصادية هي في غنى عنها، بالمقابل الصين لديها من القوة ما تجعلها قادرة على الرد منها حجم السندات واذونات الخزينة الامريكية التي تمتلكها والتي تقدر بـ 1.2 ترليون دولار[[3]] وان اي بيع لتلك السندات يمكن ان يودي الى انهيار الاسواق المالية فضلاً عن حجم الايدي العاملة الكبيرة التي تمثل القوة الاقتصادية التي تعتمد عليها الصين ومستوى النمو المرتفع كلها تجعل للصين ادوات للرد في حال اقدمت الولايات المتحدة على اجراءات عقابية شديدة.

الخلاصة : ان كلا الطرفين لا يميلان لحرب تجارية ولا يحاولان تصعيد الامور وان الاجراءات المتخذة هي قصيرة الامد ذات طابع سياسي اكثر من كونها إجراءات اقتصادية فكلا البلدين مستفيد من الوضع الاقتصادي العالمي القائم لكن كل بلد يحاول اعاقة البلد الاخرى من الحصول على مكاسب استثنائية تعمل على تغير الوضع الاقتصادي القائم لاسيما الولايات المتحدة التي تريد اعاقة تقدم الصين السريع من خلال وضع معوقات وعثرات في طريق النمو الكبير الذي تحققه وان كل بلد من البلدين لديه قوة للرد كافية لتهديد الاخرى دون ان ينسيا ان الحرب التجارية تعني خسارة امريكا والصين لحساب الدول الاخرى.

[1] مقال بعنوان (الرسوم المرتفعة على الواردات الصينية تضعف أميركا) منشور على الرابط: https://www.project-syndicate.org/commentary/trump-import-tariffs-on-china-will-backfire-by-justin-yifu-lin-2018-03/arabic

[2] مقال بعنوان (الصين تتوعد برد “عنيف” على أي رسوم أمريكية جديدة) منشور على الرابط: https://arabi21.com/story/1084013/

[3] مقال بعنوان (الصين تملك “سلاحا ماليا” يدمر الولايات المتحدة) منشور على الرابط: http://www.bbc.com/arabic/inthepress-43677637