العراقيون ينتخبون وسط خوف من الفساد والطائفية

 

الكاتب: بوداشنسكي أستاذ مساعد في السياسة والعلاقات الدولية في كلية بومونا في كاليفورنيا.

الناشر:مركز الدراسات الاستراتيجية-جامعة كربلاء، نقلا عن موقع وور اون ذا روكس الامريكي

ترجمة:هبه عباس محمد علي

ايار-مايو2018

خلال ذروة المعركة ضد داعش في عام 2016 ، ظهر رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر المناهض للأمريكان، باعتباره أحد المؤيدين الرئيسيين لمحاربة الفساد المستشري في العراق ، داعياً العراقيين إلى محاربة “داعش الفساد” كما حاربو” داعش الإرهاب “.

وفي العقد الأول من القرن الماضي ، قاد الصدر حركة فصائل شيعية كانت تقاتل الجنود الأمريكيين وقوات الأمن العراقية، ونراه اليوم يقود أحد الائتلافات التي ستشارك في الانتخابات البرلمانية، وهي جماعة تضم الشيوعيين والعلمانيين والسنة ونشطاء الإصلاح، و قد تخلى عن الطائفية وهاجم “الحزب الديمقراطي” الفاسد في العراق، وبدورها حذت الائتلافات الاخرى والسياسيون الآخرون الذين كانوا يتنافسون في الانتخابات حذوه ، ونبذوا الطائفية ، ووسّعوا قاعدة دعمهم ، ووعدوا بالإصلاح.

 

هل ستكون هذه الانتخابات- الرابعة منذ غزو الولايات المتحدة عام 2003 – هي المرحلة التي تبدأ فيها الدولة العراقية في فترة ما بعد صدام بالانهيار؟ أم من الممكن أن يستغل خطاب الأحزاب غير الطائفي والمؤيد للإصلاح لمصالح طائفية راسخة ستستمر في السنوات القادمة؟

مع انتصار العراق على داعش عام 2017 ، يتوجه العراقيون اليوم إلى صناديق الاقتراع بشعور متجدد بالهدف والإلحاح، ومن المرجح أن يعيد الناخبون تحديد سياسة بلادهم عن طريق الإدلاء بأصواتهم من أجل مجموعة واسعة من قوائم الأحزاب التي لم يتم دمجها على أسس عرقية و طائفية، ولقد سلطت محادثاتنا مع العراقيين خلال العامين الماضيين الضوء على تنامي الوعي السياسي والنشاط بين الشباب وكبار السن من العراقيين، اذ يرغب العديد منهم في أن تسفر هذه الانتخابات عن حكم قوي مركزي  رشيد يضع نهاية حاسمة لسنوات من العنف والفساد و تردي الخدمات.

فمن ناحية نلاحظ استمرار عدم ثقة العراقيين بالأحزاب السياسية والسياسيين ومؤسسات الدولة بشكل عام ، وهو ما يفسر بعض اللامبالاة والشك عندهم، ومن ناحية أخرى ، هناك توقع لم يشهد في الانتخابات السابقة: ففي أحد الاستطلاعات ، أشار أكثر من 70 ٪ من الناخبين المؤهلين إلى أنهم يخططون للمشاركة في الانتخابات ، بينما في استطلاع اخر كانت النسبة اقل ، فعلى الرغم من أن العديد من الشخصيات والأحزاب الحاضرة منذ أول انتخابات ما بعد صدام عام 2005 ما زالت تلعب دوراً قيادياً. لكن الانتصار على تنظيم “داعش” والمظاهرات ضد الفساد التي بدأت عام 2015 و 2016 قد خلقت وعي سياسي جديد بين العراقيين العاديين وأجبرت الأحزاب الراسخة على تجاوز النداءات الطائفية الضيقة، وكان هناك دعم كبير للجيش العراقي (أعلى بكثير من السلطات الدينية أو مؤسسات الدولة الأخرى) الامر الذي يشير إلى تجدد الإحساس بالكرامة الوطنية، وقد أصبح العراقيون مرتابين بشكل متزايد من التدخل الإيراني (وفي الواقع أي تدخل أجنبي)، وهناك احتمال ضئيل بمشاركة الناخبون الأصغر سنا الذين لايتذكرون شيئاً عن حكم صدام بسبب مناشدات الأحزاب السياسية الشيعية المناهضة للبعثيين  مثل رئيس الوزراء السابق نوري المالكي.

وقد يتم الطعن في الافتراضات حول الهوية العرقية والطائفية من قبل الناخبين الذين سئموا من نظام الحصص الطائفية ” المحاصصة”النظام غير الرسمي الذي قامت من خلاله الأطراف القيادية في العراق بتقسيم الوزارات ومؤسسات الدولة الأخرى فيما بينها وادى إلى تشكيل نخب غير كفؤة وفاسدة ، ويحفز الأحزاب السياسية على التنظيم والتعبئة حول الهوية العرقية والطائفية. كنتيجة للمحاصصة والنظام الانتخابي القائم على قائمة الأحزاب ، أصبحت الطائفية على مر السنين أكثر المنابر موثوقية في خوض الانتخابات، واصبح العديد من العراقيين يرون الطائفية على أنها شيء أنشأته الأحزاب السياسية الحاكمة للحفاظ على امتيازاتها وقوتهما، ثم تعززت من خلال نشر الجماعات المسلحة التابعة لها.

وفي الوقت الذي تستمر فيه الانقسامات العرقية والطائفية ، يأمل العراقيون أن تؤدي عملية إعادة التنظيم السياسي التي تقوض الانقسامات العرقية والطائفية إلى تحقيق المصالحة ، خاصة وأن غالبية العراقيين ينتمون لأحزاب سياسية وسياسيين مسؤولين عن إثارة هذه الانقسامات في المقام الأول…

وفي الوقت الذي نرى فيه استمرار هيمنة السياسيين الشيعة التقليديين، فشلت الجماعات السياسية الشيعية في تشكيل قائمة موحدة للانتخابات البرلمانية عام ٢٠١٨ ، بدلا من ذلك ، ظهرت على خمس مجموعات. رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي يقود قائمة (النصر) ويسعى إلى الاستفادة من حملته الناجحة ضد تنظيم”داعش”، و رئيس الوزراء السابق نوري المالكي يرشح نفسه الآن كرئيس لـ (ائتلاف دولة القانون). ويقود (الفتح) هادي العامري… يرأس ألعامري قائمة المرشحين والأحزاب المرتبطة بالجماعات المسلحة التي قاتلت تحت مظلة قوة الحشد الشعبي خلال الحملة المناهضة لداعش. أما الائتلاف الرابع ، (الحكمة فيقوده عمار الحكيم ، الذي يناشد الناخبين الأصغر سناً والأقل تديناً.

 

اما المجموعة الخامسة والأخيرة هي قائمة” سائرون” التي يرأسها التيار الصدري بزعامة السيد مقتدى الصدر بالتحالف مع الحزب الشيوعي العراقي العلماني ، الجماعتان اللتان لعبتان دورا رائدا في  حركة الاحتجاج المؤيدة للإصلاح في الفترة 2015-2016. وعلى الرغم من كونه شخصية ديمقراطية ، إلا أن الصدر نجح في وضع نفسه في طليعة تلك الحركة ، حيث شارك في اختيار بعض مجموعات المجتمع المدني التي نظمت الاحتجاجات، كما أعلن الصدر معارضته للنفوذ الإيراني ، وزار المملكة العربية السعودية ، ودعا إلى تفكيك “قوة الحشد الشعبي”.

من جهة ، يشير التصدع داخل الكتلة الشيعية إلى أنه سيكون من الصعب تشكيل ائتلاف شيعي حاكم موحد الامر الذي  يؤدي إلى طريق مسدود. ومن ناحية أخرى ، فإن التشظّي يحفّز تشكيل ائتلافات عرقية وطائفية. وكما تنبأ دوغلاس أوليفانت  كبير الباحثين في قضايا الأمن القومي بمؤسسة أميركا الجديدة والمستشار السابق للرئيس أوباما من غير المرجح أن تحصل قائمة واحدة على أغلبية المقاعد؛ فعلى سبيل المثال ، حتى إذا فازت قائمة “النصر” التي يتزعمها العبادي ، فمن المرجح أن يعمل مع الأحزاب الكردية والسنية لجمع الأعداد المطلوبة لتشكيل الحكومة.

ان تحالف العبادي كتحالف الصدر ملتزم بإنهاء نظام المحاصصة. يقول الكاتب حارث حسن القرعاوي، إن حكومة يقودها العبادي ، من المرجح أن تكون “وسطية ، إصلاحية وأكثر تماسكاً” ​​من حكومة يقودها المالكي أو رئيس وزراء آخر، وعلى الرغم من أن العبادي يتمتع بشعبية ، لكنه قام بتخفيض الرواتب في القطاع العام خلال فترة انخفاض أسعار النفط، فضلا على ذلك لم يتمكن من حشد الإرادة السياسية لتثبيت الحكومة “التكنوقراطية” التي طالب بها المتظاهرون عام  2015-2016 ، وهو نتاج للكتل السياسية نفسها التي دفعت العراق إلى طريق ضعف الدولة وسوء الحكم منذ الغزو الأمريكي عام ٢٠٠٣ .

ويرى الكاتب على الرغم من الانتشار الواسع للحملة الانتخابية في المناطق التي تم تحريرها مؤخرا من سيطرة “داعش”  لكنها لاتحظى بقدر من الحماس . و في أعقاب انتشار “داعش” السريع وهزيمته الساحقة ، حققت قائمة العبادي تقدمًا كبيرًا في المجتمع السني الذي مزقته الحروب، ولا يزال العديد منهم مشردين وغير قادرين على العودة إلى ديارهم، ومن جانبه رفض العبادي التحالف الطائفي مع هادي العامري، وبدلاً من احتضان قوى الحشد الشعبي، ناشد الناخبين السنة النازحين على وجه الخصوص. ومع ذلك ، قد لا تترجم شعبية العبادي الشخصية إلى نسبة عالية من الناخبين بين جميع السنّة، الذين يشترك الكثير منهم في عدم الثقة في السياسة والسياسيين الشيعة.

في الشمال ، دخلت الأحزاب الكردية في نزاع وتبادل الآراء في أعقاب استفتاء المنطقة على الاستقلال الكارثي في ​​خريف عام 2017. ويشارك الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، وهما أكبر حزبين كرديين في البرلمان العراقي. في حملة مريرة مع توجيه اتهامات بـ “الغدر” و “الخيانة”، فضلا على ذلك ، يُنظر إلى كلا المجموعتين على نطاق واسع على أنهما ترأسا الإدارات الفاسدة ويتعرضان للطعن من قبل أطراف مثل حركة التغيير (غوران)، تحتاج الفصائل الكردية المنقسمة فيما بينها الى تجاوز النداءات العرقية الضيقة من اجل تحقيق النجاح.

ما يريده العراقيون – الشيعة ، والسنة ، والأكراد ، والطوائف الاخرى في البلاد امر واضح بحسب العديد من الاستطلاعات، اذ جعلت سنوات الخلل والعنف العراقيين يتعبون من الأحزاب السياسية والسياسيين الذين يسعون الى السيطرة على الدولة وتقسيم غنائمها فيما بينهم، بينما يستخدمون الطعون العرقية والطائفية بسخرية كغطاء لإثراء الذات،  يريد العراقيون تحقيق الأمن وتوفير الوظائف والخدمات، خاصة المياه النظيفة والكهرباء. ووضع حد للفساد، ومحاسبة حقيقية من خلال نظام قضائي فعال. ومن عجيب المفارقات هنا أن الأمر استغرق معركة وجودية ضد المجموعات الارهابية لمساعدة العراقيين على إدراك بأنهم يشتركون في المخاوف ذاتها، وقد أدى هذا الامر مع تغيير الأجيال الى استعادة شعبية الهوية الوطنية العراقية مرة أخرى، ومن أجل الاستجابة بفعالية لتطلعات الناخبين العراقيين، يتعين على الأحزاب أن تفعل ما وعدت به خلال الحملة وأن تصل في نهاية المطاف عبر الممر العرقي – الطائفي.

رابط المقال الاصلي:

https://warontherocks.com/2018/05/iraqis-head-to-the-polls-frustrated-with-corruption-and-ethno-sectarian-appeals/