تحديات تشكيل الحكومة العراقية المقبلة

Spread the love

ميثاق مناحي العيساوي

باحث في قسم الدراسات السياسية. مركز الدراسات الاستراتيجية –جامعة كربلاء.

آيار/ مايو 2018

بعد أن اعلنت المفوضية العليا عن نتائج الانتخابات العراقية بشكل نهائي منتصف ليلة السبت الماضي، يتطلع الشعب العراقي ويترقب بشدة الحراك السياسي الذي ستجريه القوى السياسية العراقية الفائزة في الانتخابات من أجل إعلان تحالفها بشكل رسمي ومن ثم التحضير لعملية تشكيل الحكومة العراقية على الرغم من كثرة التحديات السياسية التي ستواجه عملية تشكيل الحكومة العراقية المقبلة. وتتعدد هذه التحديات بتعدد الطبيعة السياسية للقوى والاحزاب السياسية العراقية الفائزة في الانتخابات واختلافها في توجهاتها السياسية وتكوينها الايديولوجي وانتمائها الداخلي وتفكيرها السياسي. ويمكن حصر هذه التحديات بثلاثة اشكال، وعلى الشكل الاتي:

أولاً: التحدي الداخلي، يأتي هذا التحدي كنتيجة طبيعة مع ما تشهده الساحة السياسية العراقية منذ العام 2003، من توتر وعملية عدم استقرار سياسي وغياب المشروع الوطني عن برامج الاحزاب والقوى السياسية العراقية، ونتيجة طبيعة أيضاً لسياسة المحاصصة المذهبية والقومية وسياسة التوافقات الحزبية المتبعة في عملية تشكيل الحكومات العراقية السابقة. وتزداد صعوبة هذا التحدي مع التقارب في نتائج القوى السياسية التي حصلت على المراكز الثلاثة الأولى، ففي ظل عدم حصول اي كتلة على فوز انتخابي ساحق عن نظيراتها، سيعرقل هذا من جهود عملية تشكيل الحكومة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، أن الكتل السياسية الفائزة في المراكز الأولى مختلفة في التوجهات ومختلفة أيضاً في طبيعة التفكير السياسي فيما بينها، فكتلة سائرون التي يدعمها زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر مختلفة تماماً عن توجهات وطبيعة كتلة الفتح الانتخابية برمتها، فضلاً عن اختلافها في بعض الجزئيات مع كتلة النصر التي يتزعمها السيد رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي؛ لكنها تتوافق نوعا ما مع بعض القوى السياسية الصغيرة ككتلة تيار الحكمة التي يتزعمها السيد عمار الحكيم وكتلة الوطنية التي يتزعمها السيد اياد علاوي، فضلاً عن بعض الكتل السنية الأخرى. هذه الاختلافات والتوافقات الضمنية من شأنها أن تشكل تحديا كبيرا إمام عملية تشكيل الحكومة العراقية المقبلة.

ثانياً: التحدي الإقليمي، وهو من أكثر التحديات تعقيداً، وربما يعد المعرقل الرئيس لعملية تشكيل الحكومة العراقية المقبلة، وأن التعقيد الاساس في التحدي الداخلي ينبع من خفايا هذا التحدي، لاسيما مع الامتداد الإقليمي والارتباط الايديولوجي والسياسي لبعض القوى السياسية العراقية. وتأتي الجهود الإيرانية وتدخلاتها السياسية في عملية تشكيل الحكومة العراقية من خلال ممارستها التأثير على بعض القوى السياسية الشيعية ومحاولتها جمع البيت الشيعي في تحالف واحد على رأس هده التحديات، لاسيما وأن بعض القوى السياسية التي توافقها “إيران” الرأي حصلت على عدد من المقاعد لا بأس فيه في مجلس النواب العراقي القادم، فضلاً عن ذلك، فأن هذا التحدي لا يعكس فقط الاختلاف الداخلي مع الدول الإقليمية، وإنما يعكس الاختلاف الإقليمي بين الرياض وطهران اتجاه العراق والمنطقة، وكذلك اختلاف الأخيرة مع الولايات المتحدة الأمريكية، فكما لإيران تأثير على بعض القوى السياسية الشيعية، فأن للسعودية أيضاً تأثير على بعض القوى السياسية السنية “ولو بدرجة أقل”. وهذا من شأنه أن يّعقد مسألة تشكيل الحكومة العراقية أو ربما سيساهم في ولادة حكومة عراقية ضعيفة لا تختلف عن سابقاتها.

ثالثاً: التحدي الدولي، هذا التحدي لا يقل أهمية عن التحديين السابقين، وربما يعد اكثرهما تعقيدا وتأثيراً على المشهد السياسي العراقي، لاسيما مع تصاعد وتيرة المواجهة السياسية والإعلامية بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية على خلفية العقوبات الأمريكية على طهران ونقض الاتفاق النووي من الجانب الأمريكي والسياسة التي تتبعها إدارة ترامب ضد طهران. فنسف الاتفاق وتشديد العقوبات الأمريكية على إيران ومضي الأخيرة في مشروعها الصاروخي ودورها الإقليمي في المنطقة، سيكون له دور كبير في تعقيد المشهد السياسي العراقي وعملية تشكيل الحكومة العراقية بين طهران وواشنطن، فإيران تريد كتلة شيعية موحدة أو رئيس وزراء يشاطرها الرأي بعيداً عن التوجهات الأمريكية، بموازاة ذلك، فأن الولايات المتحدة التي اطاحت بنظام صدام حسين وصرفت المليارات في حربها في العراق تدرك جيداً بأن خسارتها العراق لصالح إيران بمثابة خسارتها للمنطقة بشكل عام؛ ولذلك فهي لا تريد أن تخطوا خطوات إلى الخلف، لاسيما مع فوز كتلتي سائرون والنصر في المراكز الأولى، حتى وأن كانت الأولى تخالف التوجهات السياسية الأمريكية على الأرض، إلا أن توجهاتها الداخلية وطنية عابرة للطائفية والقومية وبعيدة التأثير عن السياسة الإيرانية، وبالتالي فأن واشنطن ربما تكتفي بالإشارات والتوجيهات من خلف الكواليس لزعماء القوى السياسية، لاسيما مع قائمتي النصر والوطنية، فضلاً عن بعض القوى السياسية السنية الصغيرة، والتي من شانها أن تصبح بيضة القبان في عملية التحالفات السياسية المقبلة من أجل تشكيل الحكومة العراقية.

إذاً، من خلال ما تقدم يتضح لنا بأن القاسم المشترك بين كل التحديات هو التحدي الإقليمي المتمثل في الدور الإيراني في العراق وصراعها الإقليمي والدولي مع السعودية والولايات المتحدة الأمريكية، فهناك أمريكا وإيران وكلاهما يحاول التأثير بشكل أو بآخر في عملية تشكيل الحكومة العراقية المقبلة، لكن مع ذلك هناك مساحة سياسية كبيرة تستطيع القوى السياسية العراقية الاتفاق عليها والانسلاخ من خلالها عن التأثير السلبي للدورين الإقليمي والدولي، (نعم) سيكون هناك تأثير، لكن هذا التأثير يجب أن لا يتعدى الحدود القومية والمصلحة العليا للدولة العراقية والشعب العراقي، ولا بد أن يظل محصورا في إطار المصلحة الداخلية العراقية وليس لمصالح خارجية.

فهل نشهد في القريب العاجل عملية تشكيل حكومة عراقية تأخذ بعين الاعتبار المصلحة الوطنية العراقية أم سنكون أمام سيناريو شبيهة بسيناريوهات عمليات تشكيل الحكومات العراقية السابقة؟.