حرب الخليج الرابعة والاخيرة

م. م. مؤيد جبار حسن

باحث في قسم الدراسات السياسية-مركز الدراسات الاستراتيجية/ جامعة كربلاء

أيار-مايو 2018

تصاعدت في الآونة الاخيرة المخاوف من نشوب صراع عسكري بين اميركا الترامبية وإيران او بين الاخيرة و(دولة اسرائيل)، حرب قد تحترق اثنائها منطقة الشرق الاوسط، المنطقة الأكثر في احتياطيات البترول والعاجة بالصراعات والاضطرابات.

لكن الى اي مدى هذا الكلام صحيح وواقعي في ظل خفايا عالم السياسة المتلون والمتغير والمصلحي واللأخلاقي؟ أليس باستطاعتنا القول ان واشنطن لطالما استخدمت طهران كالبعبع الصفوي الذي تخيف به دول الخليج السنية الغنية، ليستمر اعتماد الاخيرة على الحماية الامريكية التي أعلن ترامب انها لن تكون مجانية بعد اليوم. كذلك صفقات السلاح الكبيرة، والتي شغّلت الآف العاطلين عن العمل في الولايات المتحدة ورفدت الخزانة الاميركية بمليارات الدولارات، فيما تكدست آلات الحرب، ان سلمت لهم فعلا، في مشاجب الاسلحة الخليجية فريسة للصدأ والغبار.

بالتالي هل من مصلحة الولايات المتحدة القضاء على إيران وازالة خطرها عبر العقوبات الاقتصادية، التي جربت على جارتها أيام حكم صدام حسين لخلخلة الدولة العراقية وتمزيق نسيج المجتمع وضرب قيمه في مقتل، او بواسطة سلاح تل ابيب النووي عبر ضربة نووية تنهي الاقتدار الفارسي في المنطقة، وسيفرح به الكثيرون على شواطئ الخليج العربي، ام ان الامر برمته لا يتعدى مسألة تقليم أظافر طالت وتأجلت الى ان جاء الوقت والظرف المناسب لذلك اقليميا ودوليا؟

الساحة الدولية مفتوحة على جميع الخيارات، وليس من المؤكد ان الرئيس ترامب لا يمتلك الحكمة فيما يخص التعامل مع ملف إيران، بل نظن ان لديه منهجية دقيقة يسير عليها منذ ايام الوعود والمناظرات الانتخابية. ونحن في العراق يجب ان نكون على اهبة الاستعداد لمثل هكذا احداث كبيرة، لأننا ببساطة في قلب الحدث وستعبر الصواريخ فوق اجوائنا لاستهداف إيران او لو قدر للأخيرة ان ترد على الهجوم قد تستهدف أكبر سفارة اميركية في المنطقة في قلب بغداد. وبالطبع سيكون لدول الخليج نصيب الاسد من أذى طهران وسيحترق ماء الخليج العربي بالبترول الاسود. وبالطبع لن تتفرد تل ابيب بقرار الضربة لطهران، بل ستنتظر الضوء الاخضر من البيت الابيض الذي هو الاخر ينتظر تصعيدا أمنيا خطيرا ليكون القشة التي قصمت ظهر البعير. أما بالنسبة للأذرع العسكرية لإيران في العراق وسوريا واليمن ولبنان، فالمتوقع انها ستضعف او تنهار بمجرد حرق طهران كما تذوي الجذور البعيدة حال قطع الشجرة الام.

وبالمقابل ستسعى إيران الى تجنب الهجوم العسكري والاقتصادي عليها عبر تقديم المزيد من التنازلات السياسية لكسب الوقت وتخفيض مستوى التوتر، لان هناك من في الداخل الايراني يتربص تزعزع الوضع وتراخي القبضة الامنية للنظام، فأعداء الداخل أخطر من اعداء الخارج.

 أخيرا على صانعي القرار العراقي الجدد إدراك المعادلات الدولية الكبرى ومحاولة فهمها والاستفادة من نتائجها لصالح البلد وان يبعدوا العراق عن النزاعات والصراعات التي يمكن ان تشهدها المنطقة، وكل ذلك يحتاج الى التحلي بالحنكة والدراية والمزيد من الوطنية ونبذ الذات الحزبية والطائفية والقومية في سبيل الوصول بقارب الوطن الى بر الامان.

كذلك على القيادة الايرانية إدراك ان الوضع الدولي قد تغير برمته، ولم تعد وصفات الماضي مقبولة في معالجة مشاكل الشعوب الخاضعة لإملاءات الخارج. وحتى الداخل الايراني بمظاهراته الشبابية المليونية يريد تغيير السياسة الخارجية الى اخرى تكون أكثر انكفاء لما هو محلي والكثير من المطالب التي لن تسكتها الهراوات طويلا.

كذلك على صاحب البيت الابيض ان يخفف من غلوائه وتطرفه الذي يزيد الموقف في الشرق الوسط توقدا واشتعالا، فلابد من انتهاج سياسة وسطية ليس فيها لمثالية اوباما ولا لمادية ترامب من أثر. فالشعوب العربية في المناطق الساخنة سئمت النزاعات والحروب وتريد ان تحيا كباقي الامم بسلام وسكينة بعيدا عن تجاذبات السياسة والشعارات الفارغة ونيران الاحقاد التي لن تكوي مشعليها.