داعش استمرار للأضطهاد الفكري في التاريخ الإسلامي

م. حيدر خضير مراد

باحث في قسم الدراسات السياسية/مركز الدراسات الاستراتيجية/ جامعة كربلاء

حزيران-يونيو2018

الحرية هو شعار كثيراً ما دافعت عنه أديان ومذاهب واحزاب وقوميات وشخصيات في العصر الحديث وفي العصر القديم، وجعل هذا الشعار هدفاً ومقصداً للإنسان يسعى لتحقيقه ويتغنى به.  وإذا اراد الإنسان أن يبحث عن المبدأ او الفئة التي أعطت للإنسان حريته وسعادته المنشودة لم يجد لها عين ولا أثر على وجه الارض. حتى المذاهب التي اتخذت الحرية شعاراً أساساً لها كالرأسمالية الغربية او الاشتراكية الشرقية والذي يوجد عندها، انما هو لفظ الحرية ومصداق العبودية بمعنى الكلمة، وبما يحمل اللفظ من معنى لهذا رجع الانسان عن هذين المذهبين بل والمذاهب الاخرى الوضعية بخفي حنين الا العبودية الذليلة.

الانسان لا يجد حريته وسعادته الا في الاسلام وهو الدين والمبدأ الوحيد الذي ضمن للإنسان سعادته وحريته الحقيقية في جميع المجالات: المبدأية والاجتماعية والاقتصادية والاخلاقية الفردية، وهذه هي الحرية التي تعلو به الى ما يتناسب مع انسانيته وكرامته.

ومن جملة الحريات التي منحها الإسلام للإنسان هي حرية الفكر والاعتقاد حيث دعاه الاسلام وحثه على التفكر في جميع المجالات بما فيها الكون والحياة والاخرة. فالإنسان حر في اختيار عقيدته ودينه، قال تعالى: ” لكم دينكم ولي دين ” (1)، والانسان حر بفطرته ” لا أكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي” (2).

كما ان القران الكريم يقر الناس جميعاً على عقائدهم التي اختاروها من خلال تفكيرهم قال تعالى: ” إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الاخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون” (3).

ويقر الاسلام حرية الرأي والتعبير وهي حق مقدس ونهج واضح دلت عليه آيات القرآن الكريم قال تعالى: ” ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة” (4)، ” ولا تجادلوا أهل الكتاب الا بالتي هي أحسن ” (5).

وإذا عرفنا الاهمية الكبرى للفكر في الاسلام نعرف أهمية العقل في حياة الانسان وسعادته ووصوله الى الواقع، فأن العقل أداة الفكر الذي يفكر به الانسان وقد وردت نصوص كثيرة في مدح العقل وجعله حجة على الناس منها قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): “انما يدرك الخير كله بالعقل ولا دين لمن لاعقل له” (6).

ولكن مع كل هذه النصوص الواضحة والصريحة التي تضمنتها تعاليم الاسلام والتي تؤكد على حرية الفكر والاعتقاد وأهمية العقل في حياة الانسان، نجد في التاريخ الاسلامي وقائع وشواهد كثيرة على اضطهاد حرية الفكر والاعتقاد ومنع بعض الطوائف من ممارسة شعائرها الدينية بحرية، وذلك يعود الى عدم الالتزام بالتطبيق الصحيح لنهج وتعاليم الاسلام التي تؤكد على حرية الفكر والرأي واتباع سياسة متعصبة لرأي او فكرة معينة من قبل بعض الخلفاء لتحقيق أهداف ومصالح معينة او بتأثير الحاشية المحيطة بهم مثل محاولة الخليفة العباسي المأمون ( 198 – 218 هـ / 813 – 833 م ) فرض مقولة خلق القرآن على الناس بعد ان وقع تحت تأثير المعتزلة وافكارهم وحدثت بسبب ذلك فتنة كبيرة عرفت بمحنة خلق القرآن عانى بسببها الفقهاء والمحدثين وتعرضوا لأنواع التعذيب والتنكيل من قبل الخليفة المأمون ومن بعده المعتصم (218 – 227 هـ / 833 – 842 م ) والواثق ( 227 – 232 هـ / 842 – 847 م ) وهذه المحنة تعد من أبرز مظاهر الاضطهاد لحرية الفكر في تاريخ الاسلام (7).

كذلك من الشواهد الاخرى على اضطهاد حرية الفكر في التاريخ الاسلامي ما تعرض له أصحاب النزعة العقلية كالمعتزلة والشيعة الامامية ومن على شاكلتهم ممن له ميول فلسفية ونزعة الى التوفيق بين أحكام العقل وأحكام الشرع، من اضطهاد في عهد الخليفة المتوكل (232- 247 هـ / 846 – 861 م ) الذي أتبع سياسة متشددة تجاه الشيعة والمعتزلة وفرض عليهم اضطهاداً فكرياً خانقاً حتى انه أمر بهدم قبر الامام الحسين (عليه السلام) في كربلاء سنة 236 هـ / 850 م  وهدم ما حوله من المنازل ، ثم حرث أرضه وغمره بالماء لمنع الناس من زيارة القبر الذي اعتبره خطراً عليه، ولكنه لم يوفق في القضاء عليه قضاءً نهائياً، فالزوار اخذوا ينثالون على كربلاء سراً، ويبذلون في ذلك النفس والنفيس، وبقي قبر الامام الحسين “ع” رغم ذلك يناطح الأيام والليالي دون ان يخمد له أوار (8).

وقام المتوكل باضطهاد المعتزلة اضطهاداً مزرياً ، وصار يتتبعهم فرداً فرداً ويقصيهم عن مناصبهم التي كانوا فيها على عهد أسلافه الثلاثة ( المأمون والمعتصم والواثق ) (9)، وفي نفس الوقت قام المتوكل بتأييد الحنابلة واجتهد في ان يحصل على دعمهم لسياسته المعادية للتشيع والاعتزال ، فضلاً عن رغبته في الحصول على تأييد شعبي قوي من الناس والفقهاء والمحدثين المعروفين بتأثيرهم على العامة ضد معارضيه السياسيين وعلى رأسهم الاتراك والعلويين (10)، وبانحياز المتوكل لهذا الاتجاه (النزعة السلفية) تعالت سلطة المحدثين وعلى رأسهم الحنابلة وقوي نفوذهم حتى كانوا حكومة داخل حكومة (11).

وفي أواخر القرن الرابع واوائل القرن الخامس للهجرة تعرض أرباب التيار العقلي (الشيعة والمعتزلة) لحملة عنيفة أخرى من الاضطهاد والتعسف والقمع الفكري من قبل الخلافة العباسية بالتعاون مع ذوي النزعة السلفية المتشددة من الحنابلة. فقد شجع ضعف حكومة البويهيين وتدهور قوتها من جهة وظهور الغزنويين ومن بعدهم السلاجقة في أقصى الشرق الإسلامي وتبنيهم الدفاع عن مذهب السنة من جهة أخرى، الخليفة العباسي القادر بالله (381 – 422هـ / 991 – 1031 م) على البدء بحملة منظمة وطويلة النفس ضد المعتزلة والشيعة وغيرهم من المذاهب الاسلامية الأخرى، استمرت الى عهد أبنه القائم بأمر الله (422 – 467هـ / 1031 – 1074 م) (12).

وقد بدء الخليفة القادر بالله حملته ضد المعتزلة والشيعة بالتقرب من فقهاء الحنابلة ورجال الحديث حيث صنف كتاباً ذكر فيه فضائل الصحابة على ترتيب مذهب أصحاب الحديث وكفر المعتزلة والقائلين بخلق القرآن (13). وفي سنة 408 هـ / 1017 م أستتاب القادر بالله فقهاء المعتزلة الحنفية ونهاهم عن الكلام والمناظرة في الاعتزال والرفض وأخذ خطوطهم بذلك(14).

وفي نفس العام بعث الخليفة القادر بالله الى السلطان محمود الغزنوي (15) في بلاد فارس يأمره ببث السنة في خراسان (16) ، فقام بغزو مدينة الري سنة 420 هـ / 1029 م واضطهاد الشيعة والمعتزلة فيها حيث أسرف في قتل الشيعة والمعتزلة وصلبهم وحبسهم ونفاهم عن ديارهم وأحرق كتبهم (17) تنفيذاً لأوامر الخليفة القادر بالله الذي تزعم حركة قمع البدع والانتصار للسنة(18) وكان قيام السلطان محمود الغزنوي بأحراق وتدمير مكتبات الري ومحو آثارها من جملة جرائمه الثقافية التي سجلها له التاريخ والتي تؤشر مدى الاضطهاد الذي تعرضت له حرية الفكر في ذلك العصر. اذ أدت هذه الجريمة الى ضياع عدد كبير من المؤلفات الفكرية الشيعية والاعتزالية والفلسفية واندثار بعضها لكونها نسخاً فريدة لا نظير لها (19).

وفي عام 449 هـ/ 1057م اثناء سيطرة السلاجقة على العراق كبست دار أبي جعفر الطوسي متكلم الشيعة في بالكرخ، وأخذ ما وجد من دفاتره وكرسي كان يجلس عليه للكلام. واخرج الى الكرخ واضيف اليه ثلاث سناجق بيض (20) كان الزوار من أهل الكرخ قديماً يحملونها معهم إذا قصدوا زيارة الكوفة فأحرق الجميع (21).

كل ما ذكر سابقاً كانت شواهد تاريخية على اضطهاد حرية الفكر والرأي والاعتقاد في التاريخ الاسلامي وهو ما يخالف تعاليم الدين الإسلامي الواضحة بهذا الخصوص.

واليوم وفي عصرنا الراهن نجد ان تنظيمي القاعدة وداعش الارهابيين هما استمرار للنهج والتيار السلفي المتشدد الذي يضطهد حرية الفكر والرأي ويلغى الأخر ويكفره. فتنظيم داعش يعتمد الاستقطاب الطائفي والايديولوجي ويتبنى العنف والارهاب كنهج لتحقيق اهدافه ويخالف بأفعاله الوحشية واللاإنسانية تعاليم الدين الاسلامي الحنيف بل هو يشوه صورة الاسلام في العالم من خلال افكاره الملوثة وتفسيره الخاطئ لنصوص الكتاب والسنة. فتنظيم داعش له جذوره الفكرية التي تضرب في عمق التاريخ الاسلامي والتي لها صلة وثيقة بالنزعة السلفية المتشددة التي كانت تقارع وتحارب النزعة العقلية في مختلف المراحل التاريخية التي مر بها المجتمع العربي الاسلامي، وبالتالي فأن داعش يمثل استمراراً للاضطهاد الفكري في التاريخ الإسلامي.

الهوامش:

  • سورة الكافرون، الآية 6.
  • سورة البقرة، الآية 256.
  • سورة البقرة، الآية 62.
  • سورة النحل، الآية 125.
  • سورة العنكبوت، الآية 46.
  • الحراني، الحسن بن علي (من اعلام القرن الرابع الهجري)، تحف العقول عن آل الرسول، تحقيق: حسين الاعلمي، ط7 (بيروت: مؤسسة الاعلمي للمطبوعات، 1423هـ/2002 م)، ص 44.
  • ينظر: باتون، ولتر ملفيل، أحمد بن حنبل والمحنَة، ترجمة: عبد العزيز عبد الحق ، مراجعة : محمود محمود ، ( القاهرة : دار الهلال ، 1377 هـ / 1958 م ) ، ص131 – 133 ؛  جارالله ، زهدي حسن ، المعتزلة ، ( القاهرة : مطبعة مصر ، 1366 هـ / 1947 م )  ، ص164 .
  • الطبري ، محمد بن جرير(ت310هـ / 922 م ) ، تاريخ الرسل والملوك ، تح : محمد أبو الفضل إبراهيم ، ط2 (القاهرة : دار المعارف ، 1387 هـ / 1967 م) ، ج 9 ، ص185 ؛ السيوطي ، عبد الرحمن بن الكمال (ت911هـ/1505م) ، تاريخ الخلفاء ، تحقيق : رضوان جامع رضوان ، ط1(القاهرة : مؤسسة المختار، 1425هـ/2004م) ، ص377 .
  • العمرجي ، أحمد شوقي إبراهيم ، المعتزلة في بغداد وأثرهم في الحياة الفكرية و السياسية ، ط 1 ( القاهرة : مكتبة مدبولي ، 2000 م ) ، ص79 ؛  جارالله ، المعتزلة ، ص184 .

(10) فوزي ، فاروق عمر ،  نظرات في سياسة الخليفة العباسي المتوكل  ، المجلة التاريخية ، العدد الثاني ، ( بغداد ، 1972 م ) ، ص 133 .

(11) أمين ، أحمد ، ضحى الاسلام ، ط 7 ( القاهرة : مكتبة النهضة المصرية ، 1964 م ) ، ج 3 ، ص200 .

(12) سلهب ، حسن ، تأريخ العراق في العهد البويهي ، ط 1 ( بيروت : دار المحجة البيضاء ، 1429 هـ /2008م)  ، ص217 ؛ الكثيري ، محمد ، السلفية بين أهل السنة والإمامية ، ط 2 ( بيروت : الغدير للطباعة والنشر و التوزيع ، 1425 هـ / 2004 م ) ، ص 630 – 631.

(13) ابن الأثير ، علي بن محمد  الجزري (ت630هـ/1233م) ، الكامل في التاريخ ، تحقيق : عبد الله القاضي ، ط1 (بيروت : دار الكتب العلمية ، 1407هـ / 1987 م ) ، ج8 ، ص197 ؛ السيوطي ، تاريخ الخلفاء ، ص 446 .

(14) ابن الجوزي ، عبد الرحمن بن علي ( ت 597 هـ / 1201 م ) ، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم ،ط1(بيروت : دار الكتب العلمية ، 1412هـ/1992م) ، ج 15 ، ص125 ؛ ميتز ، آدم  ، الحضارة الاسلامية في القرن الرابع الهجري ، ترجمة : محمد عبد الهادي أبو ريدة ، ط 4 ( بيروت : دار الكتاب العربي ، 1387 هـ / 1967 م) ، مج 1 ، ص124 .

(15) هو أبو القاسم محمود بن ناصر الدولة أبي منصور سُبُكتكين ، كان أولاً حنفي المذهب ، ثم أنتقل الى مذهب الشافعي ، ولد سنة 361هـ /972 م وتولى السلطة من سنة 388 هـ/998 م الى سنة 421 هـ/1030 م  حيث توفي في هذهِ السنة بغزنة . ينظر : ابن خلكان ، أحمد بن محمد  (ت 681 هـ / 1282 م ) ، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان ، تحقيق : أحسان عباس ، ( بيروت : دار صادر ، 1414 هـ / 1994م)،  ج5 ، ص 175 – 181 .

(16)  ابن العماد الحنبلي ، عبد الحي بن أحمد ( ت 1089 هـ / 1678 م ) ، شذرات الذهب في أخبار من ذهب ،ط1 (بيروت : دار أبن كثير ، 1413 هـ/1992م) ، ج3 ، ص186 .

(17) ابن الجوزي ، المنتظم ، ج 15 ، ص 196 ؛ ابن الأثير ، الكامل ، ج 8 ، ص171.

(18) جعفريان ، رسول ، الشيعة في إيران ، ط1( مشهد : مطبعة الاستانة الرضوية المقدسة ، 1420 هـ ) ، ص319 ؛ الكثيري ، السلفية بين أهل السنة والإمامية ، ص630 – 631 .

(19) جارالله ، المعتزلة ، ص 213 .

(20) سناجق : مفردها سنجق ، وهو اللواء ، وجمعها سناجق . الحكيم ، حسن عيسى ، الشيخ الطوسي أبو جعفر محمد بن الحسن 385 – 460 هـ ، ط 1  (النجف : مطبعة الآداب ، 1395 هـ / 1975 م ) ، هامش ص 55 .

(21) ابن الجوزي ، المنتظم ، ج 16 ، ص 16 .