احتجاجات الاردن: الاقتصاد يمسك بتوجهات المواقف الخارجية

Spread the love

ا. م. د. حسين احمد السرحان

رئيس قسم الدراسات السياسية – مركز الدراسات الاستراتيجية / جامعة كربلاء

9 حزيران 2018

لم تكن الاحتجاجات التي انطلقت في الاردن يوم 31 أيار الماضي واستمرت لايام، جديدة على الشارع الاردني خلال الاعوام السابقة وطوال أشهر العام الجاري، بل سبقتها عدة احتجاجات منذ كانون الثاني الماضي واستمرت لغاية خلال الشهور الماضية حتى وصلت لما هي عليها الآن.

وكما معروف فأن الاسباب الاقتصادية – المتعلقة بقانون الضرائب الذي زاد من معدل الضرائب في بعض القطاعات لتصل الى الضعف – هي التي حركت الشارع الاردني في احتجاجاته الاخيرة. كذلك كانت الاسباب الاقتصادية هي المحرك لحركات الاحتجاجات التي شهدتها البلاد في اشهر كانون الثاني، شباط ، آذار، نيسان، آيار من العام الجاري، ناهيك عن احتجاجات عام 2012 حين قامت نقابات المعلمين والمهندسين والمهندسين الزراعيين بإضرابات عامة في معظم المدن الأردنية بسبب قرار الحكومة برفع أسعار معظم المواد الاستهلاكية وعلى رأسها النفطية، والتي أدت إلى احتجاجات جماهيرية واسعة في البلاد.

اقترضت الحكومة الأردنية من صندوق النقد الدولي مبلغاً قدره 723 مليون دولار، بهدف القيام بإصلاحات اقتصادية في البلاد، والعمل على تخفيض نسبة الدين العام من حوالي 94% من الناتج المحلي الإجمالي الى 77% بحلول عام 2021. فاتبعت الحكومة سياسة التقشف وفرض الضرائب بشكل مستمر وبما يفوق قدرة المواطنين في ظل نسبة 20% من الاردنيين على حافة الفقر وفقا لما تؤكده الاحصاءات الرسمية. وعلى اثر ذلك اتخذت الحكومة عدة إجراءات في السنوات الثلاث الماضية استجابة لتوجيهات صندوق النقد الدولي الذي طالب المملكة بإصلاحات اقتصادية تمكنها من الحصول على قروض جديدة لسداد ديونها المتفاقمة التي تجاوزت الـ 35 مليار دولار. وتوجت تلك الاجراءات بقانون الضرائب الذي اعلنت عنه الحكومة في آواخر أيار الماضي والذي تسبب بموجة غضب جماهيرية كبيرة.

مع ذلك، نعتقد ان الاحتجاجات الاخيرة تختلف عن سابقاتها، اذ لم تكن العوامل السياسية الخارجية وماتشهده المنطقة من تطورات متلاحقة ومتسارعة في قضايا تخص ايران وازمة قطر وقضية القدس وغيرها، بعيدة في تأثيرها عن الوضع الداخلي في الاردن. اذ شهدت الاردن مواقف غير ايجابية بالنسبة للولايات المحدة على لسان ملك الاردن عبد الله الثاني ورئيس مجلس النواب الاردني تجاه ايران والازمة مع قطر وقضية القدس وصفقة القرن وهو ما فسرته الولايات المتحدة على انه تمرد يستحق قطع المساعدات المالية كوسيلة للضغط على الاردن لثنيها عن مواقفها.

ولهذا يظهر ملك الاردن ويؤكد انه تلقى مساعدة بملايين الدولارات لحل الازمة في الاردن. وذلك في اشارة الى ما اوردته بعض التقارير الاعلامية حول الاتصال الذي جرى بينه وبين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مساء يوم الاربعاء6 حزيران الجاري والذي عرض مساعدة مالية سعودية تقدر بثلاثة مليارات للاردن لتجاوز ازمتها المالية مقابل عدة شروط هي( قطع العلاقات الكاملة مع قطر وايران واعلان ذلك رسميا، القبول بصفقة القرن وتقديم التنازلات بشان القدس وعودة اللاجئين، دعم التحالف بقيادة المملكة في حرب اليمن، واخيرا التنسيق الكامل مع السعودية والولايات المتحدة واسرائيل في سوريا).

وخلال لقائه عددا من طلبة الجامعة الأردنية يوم الثلاثاء 5 حزيران الجاري، أكد الملك عبد الله الثاني أن جزءا من الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها بلاده يعود إلى الضغط المطبق عليها بسبب مواقفها السياسية، ولا سيما موقف المملكة من القدس، وقال إن ” رسائل وصلتنا مفادها امشوا معنا في موضوع القدس ونحن نخفف عنكم”. واكدت صحيفة الراي الكويتية يوم 9 حزيران تلك الرسائل بين قيادة المملكة وزعماء خليجيين.

وعلى الرغم من امر الملك بتجميد قرار الحكومة برفع الضرائب، واستقالة الحكومة وتكليف الملك لوزير التربية عمر الرزاز بتشكيل حكومة جديدة، الا ان الاحتجاجات لازالت مستمرة ، الامر الذي يؤكد ان الاردن على مفترق طرق وامام خيارات صعبة جدا. فالرد الاميركي والخليجي على مواقف الاردن من قضايا المنطقة كان قاسيا وكشف ظهر المملكة لابرز نقاط ضعفها وهو العامل الاقتصادي. والازمة الاخيرة اكدت ان الاقتصاد الاردني مرتبط كثيرا بمواقفها وسلوكياتها السياسية تجاه المنطقة، ومرتبط بطبيعة الدور المنوط بها تجاه تلك القضايا. لذا نرى ان محاولة الاردن التمرد على اداء ادواره لم تكن ناجحة جعلت البلاد في وضع صعب جدا وامام خيارات محدودة ليس اخطرها ان تعود الحكومة الجديدة بعد تشكيلها لذات الاجراءات التقشفية والضرائب المرتفعة لتلبية شرط صندوق النقد والبنك الدوليين ولتتمكن من تقليل الدين العام، الامر الذي يجعلها امام ضعف كبير في السلم الاهلي والامن الداخلي قد يقود الى الانفجار ونشر الفوضى.

لاشك ان قيادة المملكة تدرك خطورة الاوضاع ومضاعفات السيناريوهات امامها. لذا ستعمل على زيادة التواصل مع البلدان الخليجية المؤثرة وستنفتح عليها تلبية للمتطلبات الاقتصادية للشعب الاردني. كما انها ستلجأ الى تغيير مواقفها تجاه قضايا المنطقة ومنها قضية القدس وصفقة القرن، وستعود الى الدور المنوط بها تقليديا.

هذا الوضع الصعب في الاردن يجعله بحاجة الى جيرانه واشقائه، ولاسيما العراق الذي يزود الاردن بالنفط الخام بأسعار منخفضة، فضلا عن فوائد الاردن من الحركة التجارية مع العراق، لذا يفترض توافر صانع القرار العراقي على قراءة دقيقة لوضع الجارة الاردن، والعمل معها لضمان المصالح المتبادلة والمشتركة ومن بينها التعاون والتنسيق الامني والاستخباراتي واستعادة المجرمين والفاسدين والاموال المهربة، وتسهيل دخول العراقيين الى الاردن.