بعد معركة الحديدة… هل الحل السياسي بات ممكنا؟

Spread the love

م. حمد جاسم محمد الخزرجي

باحث في قسم إدارة الازمات -مركز الدراسات الاستراتيجية- جامعة كربلاء

حزيران-يونيو2018

يعود الصراع في اليمن بين الحوثيين والانظمة السياسية في اليمن الى تسعينات القرن الماضي، ورغم مشاركتهم في الانتخابات وحصولهم على مقعدين في البرلمان عام 1993، الا ان نهجهم الفكري القائم على معادات امريكا واسرائيل القريب من افكار الثورة الاسلامية قد غير مسار حركتهم وحصول صدام مسلح مع القوات الحكومية في عهد الرئيس السابق علي عبدالله صالح ادت الى هزيمتهم ومقتل (حسين الحوثي)، ثم استمرت حركتهم المناهضة لنظام الحكم حتى جاءت الفرصة المواتية لهم ابان ثورات الربيع العربي عام 2011، حيث شارك الحوثيين بقوة ضد حكم الرئيس الراحل (علي عبدالله صالح) وكانوا طرفا في جلسات الحوار الوطني ، حتى سقوط النظام السابق عام 2012، وتولي نائبه (عبد ربه منصور هادي) الحكم، فكانت فرصة مواتية للحوثيين لكي يوسعوا من مناطق سيطرتهم خارج محافظة صعدة، ففي عام 2014 فرضوا سيطرتهم على العاصمة صنعاء بعد اضرابات عامة واعتصامات فيها، وذلك لرفضهم فكرة تقسيم اليمن الى ست اقاليم فدرالية لان تقسيم الاقليم لم يأخذ بنظر الاعتبار آرائهم حول تقسيم المناطق، وفي عام 2015 تمت محاصرة القصر الرئاسي مما اضطر الرئيس (منصور هادي) الى تقديم استقالته وفرض الاقامة الجبرية عليه، بعدها تم هروب الرئيس (هادي) الى عدن ومنها الى السعودية حيث اعلن عن العدول عن استقالته وانه يمثل الحكومة الشرعية في اليمن، وحصل على الدعم من دول الخليج وعلى راسها السعودية من خلال قيام الاخيرة بتشكيل تحالف عربي لدعم الرئيس هادي، اسمتها (عاصفة الحزم) من اجل إعادة الشرعية على حد قولها، ثم هناك الحراك الجنوبي هو الأخر بدا بالتحرك للاستقلال وإعادة دولة اليمن الجنوبي إلى الوجود مرة أخرى، فعلى الرغم من إن تحركهم بدا سلميا، إلا إن قبائل الجنوب انتفضت ضد الحوثيين، ووقفت ضد تقدمهم نحو الجنوب، بل وقفت بعض القبائل مع القاعدة في السيطرة على المدن كما حصل في حضرموت وأبين قبل إن يتم استعادتها من قبل القوات الإماراتية وحلفاءها، اذ تحضا القاعدة بمركز مهم في اليمن وخاصة في المناطق الجنوبية، كما لا ننسى التنافس المتسارع بين السعودية والامارات على اليمن، فمنذ اللحظة التي انطلقت فيها الأحداث في اليمن فقد تبنت الإمارات خطا مغايرا لأغلب دول الخليج، وهو التعاون والتنسيق التام مع الحراك في جنوب اليمن، إذ ان اختارت الإمارات لليمن الجنوبي كمركز لعملياتها وأهدافها، يعد دعما رئيسيا للحركات الجنوبي الذي يطالب بالاستقلال، كما أنها تهدف من وراء هذا الدعم ابعاد شبح الاخوان المسلمين المتمثلين بحزب الاصلاح عن السلطة في اليمن، لمنع أي ترابط بين الاخوان في المنطقة من جهة،  كما ان الامارات لم تقطع خطوط الاتصال مع اليمن الشمالي، فهي تستضيف ابن الرئيس السابق (علي عبد الله صالح) كسفير لليمن على أراضيها، وهو أمر مرفوض من اقوي دولة خليجية وهي السعودية، كذلك سيطرة قواتها اخيرا على جزيرة سوقطرة اليمنية الذي جوبه برفض شعبي يمني واسع، مما اضطرها اخيرا الى الانسحاب منها بعد تدخل السعودية في القضية خشية من توسع نفوذ الامارات في هذه المنطقة، كذلك دعم الامارات لرئيس الوزراء السابق (عيد روس الزبيدي) الذي اقاله الرئيس هادي مما ادرى الى حصول مواجهات عسكرية في عدن.

ورغم ان حرب التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن منذ ثلاث سنوات قد ادى الى مقتل مئات الالاف من اليمنيين وتدمير البنى التحية والمرافق العامة والمناطق الاثرية، وانتشار المجاعة والاوبئة، فهناك حوالي 10 مليون يمني بحاجة الى مساعدات عاجلة، وهناك اكثر من ثلثي اليمنين تحت خط الفقر، الا ان ما زاد من خطورة الوضع هو هجوم قوات التحالف السعودي الاماراتي والمدعومة من قبل دول غربية في حزيران 2018، على ميناء ومدينة الحديدة غرب اليمن، رغم تحذيرات المنظمات الدولية الانسانية والعديد من دول العالم حول خطورة هذه الخطوة عل الشعب اليمني وانه سوف تزيد من معاناتهم وقد تقود الى كارثة انسانية كبيرة، ويعد هذا الميناء شريان الحيات والمنفذ الوحيد لإيصال المساعدات الى اليمن، كذلك المنفذ الوحيد للاتصال مع العالم الخارجي، وكانت حجة التحالف السعودية الاماراتي ان هذا الميناء يستخدمه الحوثيين لتهريب السلاح من ايران.

ولكن بعد مضي عدة ايان على الهجوم السعودي الاماراتي والدعم الغربي له، والانتقادات الدولية للتحالف، ومجيء المبعوث الدولي الى اليمن (مارتن غريفيث) الى صنعاء من اجل الوصول الى حل لهذا الصراع، والذي ينص على تسليم الميناء للإدارة الدولية، ومفاوضاته مع الحوثيين، فان هناك بعض بوادر الحل السلمي قد بدأت تلوح في الافق، وهناك عدة مظاهر تقود الى تقارب وجهات النظر لإيجاد حل لازمة اليمن منها:

  • ان التحالف الذي تقوده السعودية وبدعم عربي وغربي واضح لم يستطع تحقيق اي من اهدافه المعلنة وهو اعادته الشرعية الى اليمن او استعادة الميناء، بل اصبحت الصراع في الحديدة حرب استنزاف لهم، حتى ان اعلانهم عن احتلال المطار يواجه صعوبات كبيرة، خاصة وان هناك تقارير بثت لقاءات وتصوير من داخل المطار، بل ان التحالف السعودي عاد واعلن عن توجيه ضربات جوية الى المطار وهو ما يكشف عدم صحة اي تقدم للتحالف في جبهة المطار.
  • رغم ضراوة المعارك واستخدام القوة الجوية من جانب التحالف السعودي في محاولة لإجبار الحوثيين على الاستسلام، الا ان تمكن اللجان الثورية والجيش من محاصرة عدد من القوات المهاجمة وخاصة في منطقة الدريهمي قد غير من خطط المعركة وأصبح الصراع مكلف واستنزاف للقوات المهاجمة.
  • دخول بعض دول الغرب في المعارك مع التحالف السعودي بشكل مباشر قاد الى تحشيد أكبر من قبل اللجان الثورة والجيش في مواجهة الهجوم، بل ان مشاركة قطع بحرية فرنسية واسر زورق فرنسي من قبل البحرية اليمنية شكل ضربة قوية للتحالف السعودي الاماراتي.
  • معركة الحديدة اثبتت قوة التحالف بين الحوثيين وحزب المؤتمر العام اليمني، وضعف التحالف السعودي وعدم قدرته على حسم المعركة، وإنها معركة خاسرة وقد تستنزف السعودية التي خسرت مليارات الدولارات منذ انطلاق عاصفة الحزم عام 2015، لهذا فان البحث عن حل سلمي لقضية اليمن نهاية الطريق في هذه الازمة.
  • كثرة الانتقادات الدولية وخاصة من جانب الامم المتحدة والمنظمات الانسانية لطريقة ادارة الصراع في اليمن، اذ تعد الحرب في نظرهم حرب همجية لم تراعي حقوق الانسان خاصة وان اغلب القصف من جانب التحالف السعودي كان على الاحياء السكنية والاطفال وكبار السن، وتدمير التحالف للبنى التحتية اليمنية المتهالكة، بل وفرض التحالف حصارا على الموانئ والمطارات اليمنية لمنع وصول الغذاء والدواء مما ادى الى انتشار المجاعة والاوبئة، بل اعتبرت منظمة حقوق الأنسان الدولية ان التحالف ارتكب انتهاكات خطيرة ضد الانسانية في اليمن وخاصة ضد الاطفال، كما ذكرت التقارير عن معارضة الولايات المتحدة لأي هجوم او تدمير على الميناء او ايقاف المساعدات الدولية.
  • فشل التحالف السعودي-الاماراتي في جر إيران الى التدخل المباشر في ازمة اليمن، اذ ان من ضمن اهداف الهجوم على مدينة الحديدة اليمنية هو لجر إيران الى هذا الصراع من اجل توجيه ضربات عسكرية له، خاصة بعد الغاء الاتفاق النووي من قبل الرئيس الامريكي (ترامب) هذا العام، لهذا فان الحل السلمي سيكون هو الانسب للسعودية لفك الارتباط بين الحوثيين وإيران، من خلال اتفاق سلام دائم معهم.
  • ان خسارة التحالف السعودي – الاماراتي للحرب في الحديدة سيكون البداية لهزائم عديدة لهم، واولها ان جنوب السعودية أصبح الان تحت مرمى صواريخ الحوثيين، وتقدمهم ضمن مناطق نجران وجيزان وعسير، فقد بدأت تخسر العديد من الاراضي جنوبها، بل اصبحت الصواريخ اليمنية تطال حتى العاصمة الرياض، وفي ظل الصراع الداخلي السعودي على الحكم بعد تولي (محمد بين سلمان) ولاية العهد، فان اي هزيمة عسكرية سعودية لا يعني فقط نهاية حكمة (محمد بن سلمان) بل نهاية المملكة كدولة موحدة.
  • من جانب الحوثيين وحلفاءهم فان الحل السلمي هو الطريق الوحيد للخروج من ازمة اليمن، فإيران تريد تخفيف اثار العقوبات عليها، وتظهر نفسها انها مع الحل السلمي ولا تريد عرقلة مهمة المبعوث الاممي لليمن، لهذا فان مشاركة إيران في انهاء الصراع اليمني سوف يغير بعض وجهات النظر عنها، خاصة وأنها متهمة من قبل التحالف السعودي انها هي من يعرقل الحل السلمي.
  • ان حركة أنصار الله الحوثية وبعد ثلاث سنوات من الحرب وصمودها، الا انها تدرك جيدا مدى معاناة اليمنيين من اثار هذا الصراع، وخاصة في الجانب الاقتصادي، لهذا فهي تريد ايجاد مخرج وحل سلمي للحرب مستغلة معارضة المنظمات الدولية هجوم قوات التحالف السعودي على ميناء الحديدة، لهذا فان الحركة تدرك ان تسليم الميناء للإدارة الدولية سوف يوفر لهم المزيد من الدعم الدولي المباشر خاصة في جانب المعونات الغذائية والطبية، وفي نفس الوقت يبعد اي سيطرة لقوات التحالف السعودي على الميناء او المدينة.

وبعد كل ما تقدم فان كل الاحتمالات متوقعة في اليمن، وأن القادم قد يكون غامض، لعدم وجود تحركات جدية للخروج من المأزق اليمني، المأزق الذي ادخلت دول الخليج نفسها فيه الى جانب اليمن، والاحتمال الاكثر ترجيحا هو الاتفاق على حل سلمي سياسي يشمل كل الاطراف، وذلك لخطورة المرحلة الحالية في اليمن، والخوف من اندلاع حرب اهلية جديدة بين شمال اليمن وجنوبه، أن الوقائع والحقائق أثبتت أن المثلث المتمثل بالسعودية والإمارات وأمريكا، لم يقدم أي مساعدة للشعب اليمني بل على العكس تماما، حيث انفضح دورهم التوسعي والاستغلالي والهيمنة على موارد اليمن الطبيعية والنفطية وموقعه الاستراتيجي وموانئه وممراته البحرية والمائية، وكذلك تعطيل سبل الحياة في البلد وتجويع سكانه وإبقائه تحت خط الفقر، من أجل إجبار الناس على التركيز على لقمة العيش، وعدم المطالبة بحقوقه، كما ان التدخل الايراني هو الاخر لم يقدم الدعم الكافي للزيديين او لحركتهم الحوثية، بل اصبح ينطلق من مصالحه الخاصة والتراجع احيانا حفاضا على اوضاع ايران الداخلية والاقليمية، لهذا فان هناك اتجاهات بدأت تظهر في اليمن للتنديد بالتدخل الدولي والاقليمي والتركيز على التوافق الحل الداخلي، وظهر ذلك جليا في ازمة تدخل الامارات في سوقطرة اليمنية اذ  وقف اغلب اليمنين وعلى المستوى الشعبي والرسمي ورفضهم من سيطرة اي قوة على اي جزء من ارض اليمن، إنّ مفتاح الاستقرار في اليمن، يَكمن في إكمال مسار التغيير السياسي الشامل، لتثبيت أُسس الدولة المدنية ومرتكزاتها في المواطنة وسيادةِ القانون، واعتماد سياسات اقتصادية رشيدة، وبهذا لابد من التّوافق المجتمعي على قواعد العملِ السياسي الوطني وآلياته، بعيدا عن المرجعيات القبلية والمذهبية، تأسيسا للوطنِ الجامع، ودعما وترسيخا لوحدته، في إطار منظور سياسي وإنمائي الّتي تعمل في إطار الدولة الواحدة.