العدد 4 /مشكلة المياه بين العراق وتركيا: سوء في الإدارة والتخطيط

Spread the love

الافتتاحية

بقلم: رئيس التحرير

يكثر الحديث خلال هذه الأيام عن تعرض العراق الى واحدة من اسوء الازمات المدمرة لنسيجه البيئي والاجتماعي والاقتصادي، وقطعا في مرحلة لاحقة السياسي الا وهي أزمة فقدانه لأكثر من ثلثي موارده المائية القادمة من تركيا عبر نهري دجلة والفرات، بسبب اقدام الجانب التركي على إقامة سلسلة من السدود العملاقة ضمن ما يسمى بمشروع غاب، وآخرها سد أليسو الذي من المنتظر ان تبدأ عملية خزن المياه فيه مطلع شهر تموز-يوليو القادم.

ان من يتابع التصريحات الحكومية والإعلامية وردود الأفعال الشعبية في العراق وظهورها المفاجئ الى ساحة الاحداث يتصور ان ما يجري هو قرار مفاجئ اتخذته القيادة في انقرة او ان سدودها العملاقة ومشاريعها المائية انما نزلت من الفضاء بين ليلة وضحاها ولا يدرك ان هذه المشاريع التركية معلنة منذ وقت طويل ويجري تنفيذها منذ سنوات عدة، الا ان انشغال صانع القرار العراقي بمختلف الحكومات التي شهدتها الدولة العراقية الحديثة بلعبة السلطة والنفوذ والصراعات المحتدمة من اجلهما جعلته يفقد الرؤية الاستراتيجية لمخاطر المستقبل التي تهدد الامن الوطني العراقي، ويتجاهل مصالح الدولة العليا لحساب مصالح ضيقة آنية، فكانت النتيجة انهاك واضعاف مستمر لبنية الدولة، وتبديد مأساوي لمصادر قوتها، فضاعت الكثير من الفرص المؤاتية لتوظيف مصادر القوة لدى العراق في فرض واقع إقليمي ودولي يعمل لمصلحته في جميع المجالات ومنها ضمان حصة عادلة في مياه رافديه الشهيرين بموجب اتفاقيات دولية ملزمة للجانب التركي والسوري.

وخطر فقدان العراق لحصصه المائية يكشف عن مسيرة طويلة من الفشل التفاوضي للسياسة الخارجية العراقية، ويدل دلالة واضحة على ان تأثيرات هذا الفشل لا تقتصر على جيل بعينه، بل قد تمتد بشكل كارثي أكبر لتطال مستقبل الأجيال القادمة، وهذا ما يظهر جليا في هذه الازمة، وربما يظن صانع القرار في بغداد أن هذه الازمة من السهل تجاوزها، الا أن عليه أن يدرك جيدا أن بغداد ليست في افضل ظروفها التفاوضية وجيرانها المعنيين بالأزمة اكثر قوة ووحدة وتصميم منها، وهم يدركون ما يفعلون، انهم يريدون فرض ارادتهم ومصالحهم على حساب مصلحة العراق، وقضية المياه هي مجرد سلسلة في توظيف قدراتهم لتحقيق هذا الهدف، والذي قد يكون من شروطه ايرانيا بقاء بغداد في فلك طهران لأجل غير محدد، اما شروطه تركيا فهي ضمان مصالح أنقرة الاقتصادية في السوق العراقي، وربما الحصول على حصة ما من نفطه ضمن ما يسمى النفط مقابل الماء، وكذلك سياسيا ضمان بقاء صوتها مسموعا في بغداد عند الاقدام على أي خطوة سيادية.

بعبارة مختصرة: نجح جيران العراق في اتقان توظيف قدراتهم لتحقيق مصالح الوطنية العليا، والتساؤل المطروح هو متى يتقن-أيضا-صانع القرار لدينا توظيف مصادر قوته لحماية مصالح العراق العليا؟

لتحميل العدد كاملا